وادي الغربان

الدوحة - سيف الحموري - د. خالد أحمد عبد الجبار

Advertisements

في أحد الطرق القديمة التي أُعيد استخدامها خلال سنوات الحرب، كان الناس يعبرونه على اختلاف مقاصدهم؛ فمنهم من يسلكه هربًا من القصف والنزوح إلى مناطق أكثر أمنًا، ومنهم من تدفعه إليه تجارة أو حاجة أو موعد لا يحتمل التأجيل. ومع مرور الوقت، صار ذلك الطريق شريانًا مضطربًا يربط بين قرى ومدن فرقتها الحرب، ثم أعادتها الضرورة إلى التواصل من جديد.
وفي منتصف المسار تقريبًا، كانت الأرض تنخفض لتشكّل واديًا وعرًا، تتخلله جداول ضيقة وممرات صخرية متعرجة. ولم يكن في الوادي، للوهلة الأولى، ما يثير الريبة أو يدعو إلى الخوف؛ مجرد أرض مقفرة كسائر الأراضي التي أنهكتها الحرب.
وكان العابرون قد اعتادوا سماع نعيق الغربان المنتشرة على امتداد الطريق. ترتفع أصواتها أحيانًا وتخفت أحيانًا أخرى على نحو يثير القلق، دون أن يجد أحد لذلك تفسيرًا.
ومع مرور الأيام، كانت الحيرة تتسع في نفوس الناس، خصوصًا بعدما بدأ بعض من يسلكون ذلك الدرب يختفون اختفاءً كاملًا؛ فلا جثث يُعثر عليها، ولا آثار أقدام، ولا متاع متروك على جانب الطريق، وكأن الأرض تبتلع العابرين ثم تمحو كل ما يدل عليهم. وكان أقارب المفقودين ينتظرون خبرًا أو دليلًا يقود إلى مصير أحبّتهم، لكن شيئًا من ذلك لم يكن يحدث.
إلى أن وصل ذات يوم رجل يدعى بهاء إلى القرية التي ينتهي إليها الطريق، وقد ارتسم على وجهه ذهول عميق لم يستطع إخفاءه.
روى بهاء أنه كان يعبر الطريق برفقة رجلين آخرين في سيارة يقودها أحدهما. وبينما كانوا يجتازون الوادي، ظهرت لهم فجأة مجموعة من البيوت لم يسمع أحد من قبل بوجودها هناك. ولم تكن جميعها بيوتًا مجهولة بالنسبة إليهم، بل رأى كل واحد منهم بيتًا من ماضيه. ولم يكن الأمر مجرد تشابه عابر، بل إحساسًا جارفًا بالانتماء؛ كأن ذلك البيت ينادي صاحبه وحده، وكأن الزمن قد انطوى على نفسه وأعاد إليه مكانًا فقده منذ عقود.
أما بهاء، فرأى بيت جده لأمه؛ البيت الذي عاش فيه طفولته قبل أن يُباع ويُهدم. ومع ذلك ظل حيًا في ذاكرته بتفاصيله الدقيقة؛ الباب الخشبي العتيق، والنافذة المطلة على الساحة، ورائحة الطين الممزوجة بدفء العصر.
أوقف السائق السيارة دون قرار مسبق، ثم فتح كل واحد منهم الباب المجاور لمقعده، وكأن إرادة خفية استولت عليهم جميعًا. وترجل كل واحد في اتجاه البيت الذي رآه، يمشي بخطوات ثابتة كمن عاد أخيرًا إلى مكان كان ينتظره منذ زمن بعيد.
سار بهاء نحو ذلك البيت الذي استيقظ من أعماق ذاكرته حتى وقف أمام بابه. وما إن اقترب حتى بدا له أن نعيق الغربان يزداد من حوله، وكأن شيئًا يحاول أن يشد انتباهه بعيدًا عن ذلك البيت، لكنه تجاهل الأمر.
انفتح الباب ببطء من تلقاء نفسه، فرأى المنزل من الداخل كما كان تمامًا في طفولته؛ الأثاث القديم، والسجاد البالي، والجدران التي حفظ شقوقها عن ظهر قلب.
رفع قدمه ليعبر العتبة، لكن نعيق غراب قريب دوّى فجأة في أذنيه. كان صوتًا حادًا نافذًا اخترق رأسه كالسهم.
فمنذ ولادته، كان بهاء يعاني حساسية مفرطة تجاه بعض الأصوات، ولم يكن هناك صوت يبغضه أكثر من نعيق الغربان. شعر بألم مفاجئ يجتاح سمعه، فأغمض عينيه بقوة ووضع يديه على أذنيه. ولثوانٍ معدودة، لم يعد يرى أو يسمع شيئًا سوى ذلك النعيق المتكرر.
وحين فتح عينيه، وجد نفسه يركض. لم يعرف كيف بدأ الجري، لكنه كان يفر بكل ما أوتي من قوة، وكأن خطرًا عظيمًا يطارده. وخلال ركضه لمح بطرف عينه ظلالًا باهتة تتحرك بين البيوت وتحاول أن تعيده نحو المنزل. كانت أشبه بأشخاص يقفون خلف ستار من الضباب أو بأيدٍ تمتد نحوه لتجذبه إلى الخلف، لكنه واصل الهرب حتى وصل إلى السيارة.
عندها التفت خلفه. لم يكن الرجلان الآخران هناك، ولم تكن البيوت هناك أيضًا. كانت تتلاشى ببطء كما يتلاشى حلم عند لحظة الاستيقاظ، بينما ظل نعيق الغربان يتردد فوق الوادي.
أما الرجلان اللذان ترجلا معه من السيارة، فلم يعرف أحد في القرية مصيرهما بعد ذلك اليوم؛ غير أن ما جرى لهما في الوادي كان أشد غرابة مما تخيله الناس.
فحين اقترب الرجل الأول من البيت الذي اختاره، كان البيت يماثل بيت والده؛ ذلك الأب الذي اختطفه الموت مبكرًا وترك في نفسه فراغًا لم ينجح الزمن في ملئه.
فتح الباب ودخل. كان كل شيء في مكانه؛ الرائحة نفسها، والأثاث نفسه، وحتى الضوء المنسل عبر الستائر.
وفي منتصف الغرفة وقف رجل يوليه ظهره مرتديًا ثوبًا أبيض. عرف انحناءة كتفيه وهيئة وقوفه، فارتجف صوته وهو يهمس:
«أبي…»
استدار الرجل ببطء، وكادت الفرحة أن تمزق قلبه. كانت الملامح نفسها، لكن العينين لم تكونا كذلك؛ كانتا ثابتتين على نحو لا يخص البشر، خاليتين من أي دفء أو حياة.
في تلك اللحظة شعر بالخوف. أراد التراجع، لكن الهواء تجمد، والضوء مثله، والزمن نفسه بدا وكأنه توقف.
حاول الصراخ والركض، لكن جسده لم يعد يطيعه، ثم أخذ البيت كله ينكمش من حوله، حتى خُيّل إليه أنه صار صندوقًا صغيرًا على رف يمتد في ظلام لا نهاية له، ثم اختفى كل شيء.
أما الرجل الثاني، فقد رأى غرفة والدته التي اعتاد الجلوس معها فيها. دخل مسرعًا، وقلبه يسبقه إلى الداخل، وحين ظهرت أمامه، كاد يبكي من شدة الشوق. كانت هي بصورتها وملامحها وثوبها المزركش، لكن عينيها حملتا سكونًا وخواءً مبهمًا.
وحين أدرك أن ما يقف أمامه ليس أمه حقًا، حاول الهرب. اندفع نحو الباب، لكنه لم يجد بابًا، واختفت النوافذ، وبدأ البيت كله يطوى على نفسه كما تُطوى صفحة من كتاب. صرخ، وتشبث بما حوله، لكن العالم من حوله كان يتقلص بسرعة أكبر من مقاومته.
وفي اللحظة الأخيرة، خُيّل إليه أنه انكمش حتى صار صندوقًا صغيرًا ضائعًا وسط ظلام لا نهاية له، ثم اختفى.
لم يصدق الناس رواية بهاء. سخر بعضهم، واتهمه آخرون بقتل الرجلين. فُرضت عليه الحراسة ريثما تنتهي التحقيقات، غير أن السلطات كانت تعلم أن حوادث الاختفاء سبقت الرجلين بوقت طويل.
تقرر إعادة التجربة. عاد بهاء إلى الوادي تحت مراقبة، في اليوم نفسه تقريبًا والوقت ذاته. لكن شيئًا كان مختلفًا؛ ففي المرة الأولى باغته الحنين، أما هذه المرة فقد عاد إليه بإرادته.
عند الموضع ذاته، ظهرت البيوت له وحده. أما المراقبون فلم يروا سوى رجل يترجل ويمضي نحو الفراغ. وما إن خطا أول خطوة حتى دوّى نعيق الغربان، مرة ثم مرات، لتمتلئ السماء به.
ضغط على أذنيه، لكنه لم يستطع الهرب، فقد شعر بالأرض تنكمش، والهواء يثقل، والضوء يتلاشى. أما المراقبون فلم يروا سوى جسده يرتجف، ثم بدا وكأن الفراغ قد انغلق عليه، واختفى.
ساد الصمت لفترة، اندفعت بعدها الفرق إلى المكان وفتشت كل شيء دون أثر. واستمر البحث حتى ظهر اليوم التالي، حين عثر جندي على صخرة نصف مطمورة عند طرف الوادي. نظفوها بدافع الفضول، فظهرت كلمات صادمة:
“من استجاب لنداء ما مضى، ضلّ الطريق إلى ما هو آت.”
ساد صمت أطول من سابقه، ثم صدر الأمر بالانسحاب. عادوا أدراجهم، والوادي خلفهم كما كان: صامتًا، مقفرًا، وخاليًا إلا من نعيق الغربان.

أخبار متعلقة :