د. خالد الجابر في تحليل عبر «مجلس الشرق الأوسط»: اتفاقية مكة.. من الأمن المستورد إلى الأمن الإقليمي المشترك

الدوحة - سيف الحموري - اتفاقية مكة للدفاع المشترك تتجاوز أهميتها مجرد الإضافة إلى ميزان القوى في المنطقة. فهي استجابة مباشرة لإشكالية الأمن الجماعي في منطقة ظلت لعقود ساحة تنافس بين الولايات المتحدة، ثم روسيا والصين بدرجات متفاوتة، إلى جانب إيران وإسرائيل، هذا ما أبرزه الدكتور خالد الجابر، المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة، في مقال تحليلي له. 
وأوضح الدكتور خالد الجابر خلال المقال الذي نشره مجلس الشرق الأوسط، أن الاتفاقية تواجه مهمة أصعب من مجرد إنشاء تحالف عسكري، فهي مطالبة بإنتاج فكرة سياسية جديدة، مؤكداً أن الأمن العربي والإقليمي لم يعد خدمة تُشترى من الخارج عند الحاجة، ولا رد فعل يبدأ بعد اندلاع الأزمة، بل قدرة تُبنى قبلها، ومؤسسات تعمل قبل الحروب وبعدها، وإرادة سياسية تضع المصالح العربية في الحسبان قبل اتخاذ القرار.
وأشار الدكتور الجابر إلى أن ردود الفعل المتباينة التي أعقبت الإعلان عن الاتفاقية في وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية والإيرانية والإقليمية، وكذلك في الإعلام الأمريكي والغربي والآسيوي والدولي، وما صدر عن مراكز البحوث، تؤكد أن مضمونها ودوافعها تتجاوز حدود اتفاقيات الدفاع التقليدية.
ولفت إلى أن السؤال الأهم ليس في حجم الاهتمام الإعلامي أو تحليلات الخبراء فحسب، بل في القلق الذي أبدته بعض الأطراف، والفضول الذي أثارته أطراف أخرى، والجدية التي دُرست بها الاتفاقية منذ اللحظة الأولى، متسائلاً: «فما الذي رآه الآخرون فيها ليعتبروها تحولاً محتملاً في قواعد اللعبة الإقليمية؟».
وقال إن الاتفاقية لم تأتِ في ساحة هادئة، فالمنطقة لم تعرف الهدوء الأمني والسياسي منذ سنوات طويلة، وجاءت في ميدان مثقل بالصراعات وحروب الوكالة وتنافس النفوذ، ما خلّف انهيارات في منظومات الأمن الوطنية والإقليمية، وأحدث تآكلاً في مفهوم السيادة، وزاد عدد اللاعبين القادرين على إشعال الأزمات أكثر من قدرتهم على إطفائها.
ورأى أن المشكلة الأعمق لم تكن يوماً في كثرة الحروب وحدها، بل في السؤال المؤجل طويلاً: من يضع قواعد النظام الإقليمي عندما تتغير أولويات الدول الكبرى؟ ومن يملأ المساحات الاستراتيجية عندما تقرر الولايات المتحدة تخفيف انخراطها أو تركز على أجندتها الداخلية؟ وهذا ما يجعل اتفاقية مكة حدثاً يستحق القراءة بعيداً عن نصوص الدفاع المشترك.

Advertisements

الفراغ الإستراتيجي 
وأشار الدكتور الجابر إلى أن الأمن العربي بُني في جزء كبير منه على افتراضين: الأول أن الولايات المتحدة تؤدي دور الضامن الخارجي الأساسي، والثاني أن الدول العربية تستطيع التعامل مع الأزمات بصورة منفصلة دون بنية أمنية إقليمية متماسكة.
ولفت إلى أن هذين الافتراضين أصبحا أقل قابلية للاستمرار بعد التحولات التي فرضتها الحرب، موضحاً أن الولايات المتحدة لم تغادر الشرق الأوسط، لكن أولوياتها شهدت تغيراً لافتاً مع عودة الرئيس دونالد ترامب، إذ باتت تنظر إلى الصين وآسيا باعتبارهما التحدي الاستراتيجي الأهم، بينما أصبحت إدارة أزمات الشرق الأوسط عملية يجب احتواؤها بأقل كلفة ممكنة.
وأكد أن المشكلة ليست في «الانسحاب الأمريكي» كما وصفها بعض المراقبين، بل في أن الدول العربية وجدت نفسها وسط نظام إقليمي تتراجع فيه شهية واشنطن للتدخل المباشر، من دون بديل عربي قادر على ملء جزء من المساحة. والفراغات الاستراتيجية، بحسبه، لا تبقى فارغة طويلاً خاصة في الشرق الأوسط.

تحقيق التوازن 
ورأى أن بناء القدرات الدفاعية العربية يتجاوز الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، ويأتي في إطار مساعٍ واقعية لتغيير طبيعة العلاقة معها، من الاعتماد الاستراتيجي إلى الشراكة الاستراتيجية. فالدولة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها تحتاج إلى ضامن، أما التي تمتلك مقومات اقتصادية وأمنية وقدرة ذاتية فتحتاج إلى شريك.
وختم الدكتور الجابر بالقول إنه إذا استطاعت اتفاقية مكة تحقيق هذا التوازن فقد تنتقل إلى نواة منظومة أمنية عربية، أما إذا تحولت إلى أداة ظرفية فسيكون عمرها أقصر من الطموحات التي رافقتها. وأضاف أن الاختبار الحقيقي لن يكون في الترويج أو البيانات، بل عندما تقع الأزمة التالية وتتعارض المصالح، ويصبح على الدول المشاركة أن تختار بين كلفة العمل المشترك وسهولة العودة إلى السياسات المنفردة. عندها فقط سيتضح ما إذا كانت الاتفاقية مجرد تحالف آخر، أم بداية انتقال المنطقة من موقع المستوردين لقواعد اللعبة إلى موقع من يشارك في صياغتها.

أخبار متعلقة :