الدوحة - سيف الحموري - أكدت الدكتورة شريفة نعمان العمادي - المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو مؤسسة قطر، أن التقنيات الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال والأسر في قطر، بما توفره من فرص للتعلم والتواصل والإبداع والوصول إلى الخدمات، لكنها قد تترك آثارًا سلبية على رفاه الأطفال ونموهم وعلاقاتهم وحقوقهم إذا أسيء استخدامها أو غاب التوجيه الأسري.
وقالت العمادي في حوار مع «العرب» إن أبحاث المعهد ترصد حجم حضور التكنولوجيا في الحياة اليومية للأسر القطرية؛ إذ أظهرت دراسة «رفاه الأطفال في قطر» أن 81% من الأطفال لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، ويقضون في المتوسط نحو 4.5 ساعة يوميًا على الإنترنت، فيما أفاد 41% من أولياء الأمور بأن استخدام الإنترنت أثر سلبًا في أنماط نوم أطفالهم.
وأشارت إلى أن دراسة «التماسك الأسري في قطر» أظهرت أن 76% من المشاركين يرون أن أفراد الأسرة يتشتتون بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، بينما قال 71% إن الأصغر سنًا يقضون وقتًا أطول عليها مقارنة بالأكبر سنًا، وأفاد 54% فقط بوجود قواعد أسرية لاستخدامها.
وأكدت د. شريفة العمادي أن حماية الأطفال لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل تتطلب دعمها بالمعرفة والثقة والثقافة الرقمية والأدوات العملية، إلى جانب سياسات وقائية وحمائية تراعي خصوصية الأسرة وتضعها شريكًا أساسيًا في حماية الأطفال....إلى نص الحوار..
◆ في البداية.. كيف يمكن وصف تأثير التقنيات الرقمية على الأطفال والأسر، وما الذي توصل إليه معهد الدوحة الدولي للأسرة في هذا المجال؟
¶ أصبح من الحقائق المدروسة على نطاق واسع أن التقنيات الرقمية تؤثر في الأطفال. وقد دأب معهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، على دراسة تأثير هذه التقنيات في الأسر وعلاقات أفرادها. وفي حين توفر التكنولوجيا فرصًا مهمة للتعلم والتواصل والإبداع والوصول إلى الخدمات، فإنها قد تترك آثارًا سلبية إذا لم تُستخدم على النحو الصحيح. وتُظهر الأدلة التي جمعها المعهد أن الاستخدام المفرط للتقنيات الرقمية أو غير المنظم، أو المنفصل عن توجيه الوالدين، يمكن أن يؤثر في رفاه الأطفال ونموهم وعلاقاتهم وحقوقهم. وتسلط أبحاثنا الضوء على أربعة جوانب رئيسية تؤثر من خلالها التقنيات الرقمية في الأطفال والأسر اليوم.
◆ إلى أي مدى أصبح الاستخدام الرقمي أساسيا بالنسبة للأسر؟
¶ أصبح الاستخدام الرقمي جزءًا من الحياة اليومية للأسرة، ففي عام 2024، نشر المعهد دراسة بعنوان «رفاه الأطفال في قطر: مسح للأسر القطرية»، بالتعاون مع معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية في جامعة قطر.
واستنادًا إلى عينة شملت 1,607 من أولياء الأمور القطريين، وجدت الدراسة أن 81% من الأطفال لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، ويقضون في المتوسط نحو 4.5 ساعة يوميًا على الإنترنت.
◆ ما أبرز الفرص والفوائد التي توفرها التكنولوجيا للأطفال، وهل توجد في المقابل مخاطر مرتبطة باستخدامها؟
¶ توفر التكنولوجيا فرصًا ومخاطر في الوقت نفسه. وقد أشار أولياء الأمور إلى فوائد تشمل الوصول إلى المعلومات، وتعلم مهارات جديدة، والحفاظ على الروابط الاجتماعية، وفي المقابل، أفاد 41% منهم بأن استخدام الإنترنت أثر سلبًا في أنماط نوم أطفالهم.
◆ كيف تعيد التقنيات الرقمية تشكيل العلاقات داخل الأسرة؟ وهل رصدتم مؤشرات واضحة على ذلك في أبحاثكم؟
¶ نعم.. فقد وجدت دراسة المعهد لعام 2026 بعنوان «التماسك الأسري في قطر: مسح للأسر القطرية»، والتي أُجريت أيضًا بالتعاون مع معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية، واستندت إلى آراء 1,017 مواطنًا قطريًا، أن 76% من المشاركين أفادوا بأن أفراد الأسرة يتشتتون بسبب وسائل التواصل الاجتماعي.
كما قال 71% إن أفراد الأسرة الأصغر سنًا يقضون وقتًا أطول على وسائل التواصل الاجتماعي مقارنة بالأكبر سنًا، فيما أفاد 54% فقط بأن لدى أسرهم قواعد لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وتؤكد هذه النتائج مدى دخول الحياة الرقمية إلى نطاق الأسرة وتأثيرها في أنماط الانتباه والتواصل والتفاعل بين أفرادها.
◆ وماذا عن تأثير استخدام التكنولوجيا في المراهقين تحديدًا، سواء على صحتهم أو تعليمهم أو علاقتهم بأسرهم؟
¶ يؤثر استخدام التكنولوجيا في صحة المراهقين وتعليمهم وعلاقاتهم بأسرهم. فقد أظهر تقرير المعهد لعام 2023 بعنوان «الإفراط في استخدام التكنولوجيا الرقمية لدى المراهقين: وجهات نظر الآباء والمراهقين والممارسين في قطر»، الذي أُعد بالتعاون مع مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الصحة (WISH)، والقمة العالمية للابتكار في التعليم (WISE)، وجامعة حمد بن خليفة، ودرس استخدام المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و16 عامًا للتقنيات الرقمية ووجهات نظر آبائهم حول هذا الاستخدام، أن الأطفال ذوي الأداء الأكاديمي المتوسط يقضون نحو 10 ساعات يوميًا على الإنترنت خلال أيام الأسبوع، مقابل نحو 7 ساعات يوميًا لدى الأطفال ذوي الأداء الأكاديمي الجيد.
كما أظهرت النتائج أن 30% من أولياء الأمور نادرًا ما يراقبون نشاط أطفالهم على الإنترنت.
◆ هل تتوافق هذه النتائج مع الاتجاهات التي ترصدها الأبحاث العالمية حول استخدام التكنولوجيا؟
¶ نعم.. تتوافق مع الأبحاث العالمية، ويسلط تقرير المعهد بعنوان «الأسر والتكنولوجيا»، الذي أُعد بالتعاون مع جامعة ديوك، الضوء على تأثير التكنولوجيا باعتبارها اتجاهًا عالميًا في تشكيل الحياة الأسرية.
ويشير التقرير إلى أنه في عام 2023 بلغ عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم 5.35 مليار شخص، فيما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 5.04 مليار شخص، وكان الناس يقضون في المتوسط 6.4 ساعات يوميًا على الإنترنت أو في استخدام التكنولوجيا.
◆ كيف يمكن حماية الأطفال من الأضرار الرقمية المحتملة؟
¶ ينطلق الحل من الدور المحوري للأسرة. فعندما تحصل الأسر على الدعم اللازم للاضطلاع بأدوارها ومسؤولياتها، يصبح بإمكانها حماية الأطفال من الأضرار الرقمية.
وفي الواقع، أظهرت أبحاث حول نقاط قوة الأسر في ثلاث دول عربية مختلفة أن الأسر تصبح أكثر قوة وتماسكًا عند مواجهة التحديات معًا.
◆ وكيف انعكس ذلك في دراسة معهد الدوحة الدولي للأسرة حول التماسك الأسري في قطر؟
¶ تعززت هذه النتيجة من خلال دراسة المعهد حول «التماسك الأسري في قطر»، التي أظهرت أن 99% من المشاركين أفادوا بوجود شعور قوي بالانتماء إلى أسرهم، فيما قال 98% إن أفراد الأسرة يدعمون بعضهم بعضًا ويهتمون ببعضهم، وأفاد 97% بأن أسرهم توفر الدعم في أوقات الشدة.
◆ هل تمتلك الأسر الأدوات الكافية للتعامل مع هذه التحديات؟
¶ بينما تشكل الأسر أساسًا قويًا للحماية والوقاية، فإنها تحتاج أيضًا إلى الدعم. فقد وجدت دراسة معهد الدوحة الدولي للأسرة حول «الإفراط في استخدام التكنولوجيا الرقمية لدى المراهقين» أن العديد من الآباء يعتمدون على استراتيجيات أساسية، مثل تحديد وقت الاستخدام، وسحب الأجهزة، أو إشغال الأطفال بأنشطة أخرى.
وقد تكون هذه الاستراتيجيات ضرورية في بعض الأحيان، لكنها ليست كافية بمفردها.
◆ ما حجم فجوة المعرفة والدعم لدى أولياء الأمور فيما يتعلق بالاستخدام المفرط للإنترنت؟
¶ أظهرت الدراسة أن 98.28% من أولياء الأمور الذين شملهم الاستطلاع لم يكونوا على دراية بالخدمات المحلية التي يمكن أن تساعدهم في التعامل مع الاستخدام المفرط للإنترنت.
ويشير ذلك إلى أن الأسر لا تواجه تحديًا رقميًا فحسب، بل تواجه أيضًا فجوة في الدعم. ويحتاج الآباء إلى المعرفة والثقة والثقافة الرقمية والأدوات العملية التي تمكنهم من دعم أطفالهم في استخدام التقنيات الرقمية.
◆ في ضوء هذه النتائج، كيف ينبغي أن تكون الاستجابة على مستوى السياسات، وما الدور الذي يجب أن تؤديه الأسرة؟
¶ ينبغي أن تكون الاستجابة على مستوى السياسات وقائية وحمائية، وأن تدعم الأسر في الاضطلاع بأدوارها، دون أن تتوقع منها حماية الأطفال بمفردها. كما ينبغي اعتماد نهج يضع الأسرة في صميم الاستجابة ويراعي الخصوصية الثقافية، بحيث ينظر إلى الأسرة ليس فقط باعتبارها مصدرًا للرعاية، وإنما شريكًا أساسيًا في الوقاية والتدخل المبكر وتعزيز الرفاه على المدى الطويل.
◆ هل يكفي توفير بيئات رقمية أكثر أمانًا لحماية الأطفال؟
¶ توفير بيئات رقمية أكثر أمانًا أمر مهم، لكنه غير كافٍ وحده. فالأطفال يحتاجون أيضًا إلى علاقات إيجابية، وأسر أكثر قوة، وآباء متمكنين قادرين على توجيههم بالمعرفة والثقة والرعاية.
أخبار متعلقة :