الدوحة - سيف الحموري - دشنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أولى ندواتها، ضمن فعاليات الموسم الثقافي الخامس لمشروعها الفكري والثقافي "ندوة الأمة"، التي تنظمها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، في موضوع "التأسيس المنهجي للتكامل بين العلم والإيمان في الفكر الإسلامي"، وذلك في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب.
وشهدت الندوة حضور سعادة السيد غانم بن شاهين بن غانم الغانم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومشاركة نخبة من أساتذة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وعدد من الباحثين والمختصين والمتلهفين لطلب العلم.
ويأتي الموسم الثقافي الخامس تحت شعار "العلم والإيمان.. ركائز البناء وأعمدة النهوض" الذي أطلقته إدارة البحوث والدراسات الإسلامية قبل خمسة أعوام، في إطار جهود الوزارة الرامية إلى ترسيخ الوعي الفكري وتعزيز ثقافة الحوار العلمي الرصين، بما ينسجم مع مستهدفات إستراتيجية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (2025 - 2030) في بناء الإنسان وتعزيز الهوية الإسلامية الوسطية وتنمية الوعي المجتمعي، كما تسهم في دعم مرتكزات رؤية قطر الوطنية 2030 الرامية إلى تنمية رأس المال البشري وترسيخ مجتمع المعرفة القائم على القيم والابتكار.
وفي هذا الصدد، أكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني مدير إدارة البحوث في كلمته الافتتاحية، أن الندوة في عامها الخامس باتت تمثل صرحا معرفيا واجتماعيا وثقافيا بارزا بين النخب الثقافية في دولة قطر، لافتا إلى أن الندوة حظيت بمتابعة مستمرة من قبل وسائل الإعلام المختلفة، مشيدا في الوقت نفسه بالجهود الحثيثة والاهتمام النشط من الجهات المسؤولة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
كما استعرض مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية مسيرة الندوة خلال أعوامها المنصرمة، حيث شارك فيها 44 باحثا وأكاديميا عبر 16 ندوة، أسفرت عن طباعة ثلاثة كتب رئيسية. علمية هي: "الحواضن الثقافية"، و"قيمنا.. عماد الحضارة وسبيل النهوض"، و"الفروض الكفائية طريق الإصلاح"، بما يعكس نجاح المشروع في تحويل مخرجاته الفكرية إلى إنتاج علمي موثق يسهم في إثراء المكتبة الإسلامية وتعزيز الأثر الثقافي والمعرفي للمبادرة.
وأضاف أن نجاح ندوة الأمة مهد الطريق لإطلاق ندوات أخرى متخصصة مثل "ندوة التكامل المعرفي" و"ندوة لسان عربي مبين"، لتشكل جميعها منظومة فكرية متكاملة تسعى إلى دراسة الإشكالات المعاصرة، وطرح المعالجات العلمية الرصينة لها من خلال أساليب أكاديمية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
إلى ذلك، انطلقت الندوة الأولى تحت عنوان "القرآن والسنة.. ترسيخ للمبادئ وتأسيس للنهوض"، وتوزعت على ثلاثة محاور رئيسة استعرضت أبعاد العلاقة بين العلم والإيمان من منظور شرعي وفكري ومنهجي.
وفي هذا السياق، قدم الدكتور محمد جاسم الجاسم عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة قطر، في المحور الأول، بعنوان "القرآن والسنة.. ترسيخ للمبادئ وتأسيس للنهوض"، ورقة علمية بعنوان "البرهان والسنن والتدبر.. منهجية قرآنية للتكامل بين العلم والإيمان".
وأكد الجاسم أن الإشكال المتداول بشأن العلاقة بين العلم والإيمان ليس إشكالا أصيلا في البيئة الإسلامية، وإنما هو نتاج سياقات تاريخية وفكرية نشأت خارجها، وانتقلت إلى بعض الأوساط الفكرية المعاصرة، في حين أن الرؤية الإسلامية تنطلق من التكامل بين الوحي والعقل والمعرفة.
واستعرض نموذجا معرفيا مستمدا من القرآن الكريم يرتكز على ثلاثة مفاهيم رئيسة هي: البرهان، والسنن، والتدبر، موضحا أن البرهان يمثل أساس التثبت من صحة الادعاءات وقوة الأدلة، بينما تعنى السنن بفهم القوانين الحاكمة للظواهر والوقائع، في حين يوفر التدبر البعد القيمي والأخلاقي الذي يوجه المعرفة نحو المقاصد الإنسانية والحضارية.
وبين الجاسم أن هذا النموذج لا يقتصر على معالجة القضايا الشرعية، بل يمتد ليشكل إطارا عاما لصناعة المعرفة وفهم الواقع والتعامل مع القضايا المعاصرة، مؤكدا أن الأمة التي تعتمد البرهان، وتدرك السنن، وتوظف المعرفة في إطار أخلاقي واع، هي الأقدر على تأسيس رؤية معرفية إسلامية قادرة على استعادة دورها في إنتاج المعرفة والمشاركة الفاعلة في صناعة الحضارة المعاصرة.
في حين انبرى الدكتور نورالدين بن مختار الخادمي، أستاذ الفقه وأصوله بكلية الشريعة بجامعة قطر للمحور الثاني، بعنوان "الاجتهاد الفقهي والعطاء الفكري في ضوء حقائق العلم"، تناول فيه مفهوم "فقه الجسد" باعتباره نموذجا حيا للتكامل بين العلوم الشرعية والطبية والإنسانية.
وأوضح الخادمي أن الجسد الإنساني يشكل نقطة التقاء بين المعرفة الطبية والأحكام الشرعية، وأن الفقه الإسلامي يمتلك من المرونة والأدوات المنهجية ما يمكنه من التفاعل مع التطورات العلمية والطبية المتسارعة دون أن يفقد أصالته أو ثوابته.
واستعرض جملة من المفاهيم المرتبطة بفقه الجسد وأصوله ومقاصده، مبينا أن حفظ النفس وصيانة صحة الإنسان وسلامته من المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، وأن العلوم الطبية الحديثة تمثل شريكا أساسيا في تحقيق هذه المقاصد.
وأكد أن العلاقة بين الفقه والطب لا تقتصر على معالجة القضايا الصحية فحسب، بل تمتد إلى بناء رؤية حضارية متكاملة تجعل الإنسان محورا للتنمية وغايتها، وتحقق التوازن بين التقدم العلمي والالتزام بالقيم الأخلاقية والإنسانية.
بينما ناقش الدكتور إبراهيم الأهدل، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المحور الثالث، "الأسس المنهجية في تحقيق التكامل بين العلم والإيمان"، انطلاقا من جملة من القضايا المرتبطة بمنهجية التعامل مع نصوص الوحي في ظل المتغيرات المعرفية، والاتجاهات الفكرية التي تدعو إلى الفصل بين الدين والعلم، ودور المؤسسات العلمية والدينية في تعزيز هذا التكامل، مع طرح رؤية إستراتيجية فاعلة وآليات عملية تسهم في ترسيخه على المستويين الفكري والمجتمعي.
وأوضح أن فكرة الصراع بين الدين والعلم نشأت في ظروف تاريخية وثقافية خاصة، ولا يمكن إسقاطها على التجربة الإسلامية التي قامت منذ نشأتها على تعظيم العلم والحث على النظر والتفكر في الكون واكتشاف سننه.
وأشار إلى أن التصور الإسلامي يستند إلى مبدأ وحدة المصدر ووحدة الغاية؛ فالله سبحانه وتعالى هو خالق الكون ومنزل الوحي، وهو ما يجعل العلاقة بين العلم والإيمان علاقة انسجام وتكامل لا علاقة تناقض أو صراع.
كما أكد أهمية التمييز بين الثوابت الشرعية التي لا تقبل التغيير أو التأويل المخالف للنصوص القطعية، وبين المساحات الاجتهادية التي تستفيد من تطور المعارف والعلوم الحديثة في فهم الواقع وتحقيق المصالح وترشيد الاجتهاد الفقهي.
جدير بالذكر أن مشروع "ندوة الأمة"، يواصل أداء رسالته بوصفه أحد المشاريع المعرفية الرائدة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دعم البحث العلمي والحوار الفكري الرصين، والإسهام في بناء مجتمع واع ومتمسك بقيمه وهويته، وقادر على الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية الوطنية، بما ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030 وأهداف الوزارة الإستراتيجية في بناء الإنسان وصناعة الوعي وترسيخ ثقافة المعرفة.
أخبار متعلقة :