عبر مشروع بحثي بالتعاون بين «سدرة» و «متاحف قطر».. اكتشاف بقايا عظمية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ

الدوحة - سيف الحموري - يقود سدرة للطب ومتاحف قطر مشروعاً بحثياً متعدد التخصصات، يجمع بين علم الآثار وتقنيات التصوير الطبي المتقدمة والأبحاث الجزيئية، بهدف دراسة حياة سكان قطر في عصور ما قبل التاريخ وأحوالهم الصحية. وقد كشف المشروع عن بقايا هياكل عظمية تحمل أدلة على الإصابة بالسنسنة المشقوقة، وهي حالة خلقية تؤثر في نمو العمود الفقري.
وفي إطار المشروع، أسفرت أعمال التنقيب الأثري في موقعي أم الماء والخرسعة بدولة قطر، بالتعاون مع مؤسسات بحثية دولية، عن اكتشاف بقايا عظمية تتيح للباحثين دراسة الخصائص البيولوجية والحالات الصحية وأنماط الحياة لدى المجتمعات التي استوطنت المنطقة قديماً. ويسلّط هذا البحث الضوء على العلاقة بين التراث الأثري لدولة قطر والطب الحديث، إذ يتيح التعاون بين الجهات المشاركة فرصة لدراسة أدلة على وجود السنسنة المشقوقة في بقايا عظمية يعود تاريخها إلى آلاف السنين.
وفي إطار المشروع، نُقلت بقايا الهياكل العظمية المكتشفة إلى قسم الأشعة في سدرة للطب، لإخضاعها للفحص باستخدام التصوير المقطعي المحوسب (CT)، وإعادة بناء صور ثلاثية الأبعاد، إلى جانب إنتاج نماذج مجسّمة بتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد.
وتتيح هذه التقنيات للباحثين فحص التراكيب الداخلية للبقايا العظمية الهشّة بدقة عالية، دون إلحاق أي ضرر بها أو تغيير خصائصها الأصلية. كما توفّر النماذج الرقمية ثلاثية الأبعاد معلومات قيّمة حول الخصائص التشريحية للعظام، وتساعد على دراسة التشوهات والاختلافات الخلقية بمزيد من التفصيل.
وتحظى عظام العجز، الواقعة عند قاعدة العمود الفقري، باهتمام خاص في هذه الدراسة، نظراً لقدرتها على مقاومة عوامل التحلل والتلف عبر الزمن، ما يجعلها من العظام التي غالباً ما تبقى محفوظة في المواقع الأثرية. 
وقد تمكّن الباحثون من رصد أدلة على وجود السنسنة المشقوقة خلال الفحص الأولي للبقايا العظمية، فيما ساعد التصوير المقطعي المتقدم على دراسة الخصائص التشريحية للحالة بدقة أكبر، وتحديد طبيعة النوع المكتشف بصورة أكثر تفصيلاً.
وقالت الدكتورة سارة تومي، الباحثة الرئيسية للمشروع البحثي في سدرة للطب: «يجسّد هذا المشروع الإمكانات العلمية الكبيرة التي يتيحها التعاون بين التخصصات المختلفة. فمن خلال الجمع بين علم الآثار وتقنيات التصوير الطبي المتقدمة والأبحاث الجزيئية، تتاح لنا فرصة الكشف عن معلومات جديدة حول حياة السكان الذين عاشوا في قطر قبل آلاف السنين».
وأضافت: «تكمن الأهمية الخاصة لهذا التعاون في قدرته على مد جسور المعرفة بين الماضي والحاضر. فالتقنيات والخبرات العلمية التي نعتمد عليها اليوم في تقديم الرعاية الصحية الحديثة يمكن توظيفها أيضاً لفهم تاريخنا المشترك بصورة أعمق، بما يسهم في إثراء المعرفة الطبية والحفاظ على التراث الثقافي لدولة قطر». وباستخدام تقنيات متقدمة لمعالجة الصور الطبية، حوّل قسم الأشعة في سدرة للطب نتائج التصوير المقطعي إلى نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، تتيح للباحثين تدوير العظام وتكبير صورها وإجراء القياسات اللازمة عبر الوسائط الرقمية. كما أنتج الفريق نسخاً مجسّمة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، يمكن التعامل معها وتبادلها لأغراض البحث والتعليم، مع ضمان الحفاظ على البقايا الأصلية في ظروف آمنة.
وقال فلاديمير باهون، مشرف التصوير المقطعي المحوسب في سدرة للطب: «تمثّل كل قطعة من هذه العظام إرثاً أثرياً لا يمكن تعويضه، ولذلك كانت أولويتنا الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات مع تقليل التعامل المباشر معها إلى الحد الأدنى. وقد أتاحت لنا تقنية التصوير المقطعي دراسة التراكيب الداخلية للعظام دون إلحاق أي ضرر بها، كما ساعدت الصور الباحثين على التمييز بين الخصائص التشريحية المرتبطة بالحالة المرضية والتغيرات التي طرأت على العظام نتيجة بقائها مدفونة تحت الأرض لآلاف السنين».
وأضاف: «تشكّل الصور الرقمية مرجعاً علمياً طويل الأمد، يمكن للباحثين في سدرة للطب والمؤسسات الشريكة العودة إليه مستقبلاً لدراسة تساؤلات بحثية جديدة، دون الحاجة إلى إعادة التعامل مع العظام الأصلية. كما يمكن الاستفادة من النسخ المطبوعة ثلاثية الأبعاد في التعليم والمعارض العامة، بما يتيح للجمهور فرصة التعرّف عن قرب على جانب من تاريخ قطر في عصور ما قبل التاريخ، مع ضمان حماية البقايا الأثرية الأصلية والحفاظ عليها». ولا تقتصر خدمات التصوير الطبي التي يقدّمها سدرة للطب في إطار المشروع على البقايا البشرية، بل تشمل أيضاً عينات أثرية غير بشرية، بما يدعم الأهداف البحثية الأوسع للمشروع في دراسة البقايا البيولوجية والبيئات القديمة.

Advertisements

أخبار متعلقة :