الدوحة - سيف الحموري - أوضح فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن الإنفاق في سبيل الله وبذل المال في وجوهه المشروعة من أجل الطاعات، وأفضل القربات عند الله تعالى، وأنه سبب لنيل رضا الله وحبه وحب عباده، وأنه تزكية للنفس، وتطهير لها من خصال الشح والبخل، وسبب عظيم من أسباب بركة المال ونمائه ووقاية الإنسان من الآفات والمصائب والبلايا والمحن.
وقال الخطيب إنه مواساة للفقراء والمحتاجين، وسد لحاجة الضعفاء والمساكين وفيه إشاعة للتراحم والتعاطف، فهو الصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها إلى يوم القيامة، فحري بالمسلم أن يدخر ماله عند الله تعالى لينال أجره وثوابه في يوم هو أحوج ما يكون فيه إلى مثاقيل الذر من الحسنات، روى الترمذي عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها، وأحدثكم حديثا فاحفظوه فقال إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهو بأخس المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء".
وأضاف الخطيب: إنها الصدقة من أعظم الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، ولأجل هذا كثر الحث على الإنفاق في سبيل الله في الكتاب والسنة، وعظم الوعد والثواب للمنفقين المتصدقين، حتى غدت خصلة الإنفاق في سبيل الله صفة ملازمة للمؤمنين المتقين، قال تعالى "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون"، وجعلها من أبواب نيل البر والإحسان فقال تعالى "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء في سبيل الله فإن الله به عليم"، بل من أعظم أثر الصدقة أنها تدخل العبد يوم القيامة في ظل عرش الرحمن، والعبد أحوج ما يكون وهو في عرصات يوم القيامة، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم عد من السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله "رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وقد ثبت عند أحمد وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس أو قال حتى يحكم بين الناس".
وأكد الشيخ عبدالله النعمة أن الصدقة والإنفاق من أعظم أسباب البركة والخير والحفظ والنماء والوقاية من النار ولو كانت بالقليل اليسير، جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة". وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال "والصدقة برهان"، فهي برهان على صدق إيمان العبد، وحسن إسلامه، والرغبة فيما وعد به الرحمن، قال سبحانه "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".
وأردف: لقد خول الباري سبحانه وتعالى صنوف الأموال، وارتضى لهم في إنفاقها بعد الفرائض أسمى رتب الكمال التي تنتظم بها الأحوال، وتلهج بحميد مآثرها الأجيال، تلك هي سنة الأوقاف التي حبسها الأخيار على وجوه البر والإحسان، ليكون لها الأثر الطيب في حياة العبد وبعد مماته، تلكم الأوقاف عباد الله هي الصدقات الجاريات الباقيات هي النفقات الخالدات لبحور الأجور، وأصل هذه الصدقة الجارية ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا ما ت ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، وهكذا كان دأب سلف هذه الأمة، يقول جابر رضي الله عنه "لم يكن أحد من أصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف "، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وفضله عليهم أن جعل بعض أعمالهم لا تنقطع بعد الموت، بل جعلها جارية، ما دام أثرها قائما، روى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره وولدا صالحا تركه ومصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته".
وذكر الشيخ عبدالله النعمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن أعظم الصدقة أجرا وأفضلها وقتا حين سئل أي الصدقة أعظم أجرا؟ فقال:" أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان" حديث متفق عليه.
وأردف الخطيب: كم للصدقة والزكاة والوقف من فضل ومزية كم جلبت من نعمة، ودفعت من نقمة، وكم أزالت من عداوة، وجلبت من صداقة ومودة، وكم تسببت لدعوة مستجابة من قلوب صادقة رفع عنها المسلم بصدقته كربة وضيقا كانت تعاني منه الأمرين، وإنما أنفقه العبد من ماله يبتغي به وجه الله تعالى ومرضاته، سيخلفه الله له وهو خير الرازقين، وسوف يجد يوم القيامة الأجر العظيم، سوف يجد يوم القيامة الأجر العظيم المضاعف أضعافا كثيرة، "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين"، وما أجمل شعور المنفق المتصدق عندما يكون سببا في مسح دموع مكروب، أو إدخال السرور على قلب فقير معدوم أو يتيم فقد حنان والديه، أو مسكين ينتظر هذه اللقيمات من الطعام، وإنها لسعادة عظمى لا توزن بأموال الدنيا كلها يهبها الله تعالى لعباده المحسنين المنفقين المتصدقين، "والله يحب المحسنين"، فمن أفضل النفقات والقربات لله سبحانه وتعالى النفقة على الأقارب والأهل والأولاد، ففيها صلة وفيها أجر، قال سبحانه "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين"، وفي الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة بل من أعظم الصدقات الإنفاق على الأهل، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا قال "دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك"، فاتقوا الله عباد الله وانتفعوا بأموالكم ما دامت في أيديكم بالتقرب إلى الله بها، والمسارعة إلى مرضاته، "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا".
أخبار متعلقة :