ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 24 يناير 2026 12:06 صباحاً - في زمن باتت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي محور الاهتمام العالمي، يتباين الموقف منها بين منبهر بقدراتها الهائلة، ومتحفظ تجاه مخاطرها المحتملة، ورغم ارتباطها لدى الكثيرين بصور سلبية كالتزوير والانتحال وتركيب الأصوات، إلا أن هذه التقنية، حين توظف بشكل واعٍ ومسؤول، تملك القدرة على إحداث تأثير إيجابي حقيقي يخدم المجتمعات.
ذلك ما أثبته عدد من صناع المحتوى الإماراتيين، الذين قرروا تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة جدلية إلى منصة لنشر الثقافة وتعزيز الهوية، عبر محتوى كرتوني مرئي، يجمع بين الترفيه والتعليم.
حيث استطاعوا ملء فراغ في الفضاء الرقمي، بتعزيز حضور اللهجة الإماراتية في المشهد البصري المحلي، من خلال شخصيات كرتونية محببة، وبلغة قريبة من القلب، نجح هؤلاء المبدعون في تقديم التراث واللغة بأسلوب ممتع، يدفع الأجيال الصاعدة للتفاعل مع هويتها بأساليب حديثة.
في خطوة واعية تنطلق من إيمان راسخ بأن المحتوى المرئي ليس فقط الأسرع وصولاً، بل الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي والذوق العام.
هذه المنصات نجحت في تحقيق تفاعل لافت، حيث بلغ عدد متابعي إحدى المنصات أكثر من 170 ألف متابع، فيما استقطبت منصة أخرى نحو 13 ألف متابع، إلى جانب منصة ناشئة تجاوز عدد متابعيها 3 آلاف، ما يعكس تنامي الاهتمام بالمحتوى المحلي الذي يوظف الذكاء الاصطناعي بأسلوب تعليمي هادف.
وفي هذا السياق، أوضحت فاطمة سالم السويدي، كاتبة في أدب الطفل وصانعة محتوى تاريخي كرتوني بالذكاء الاصطناعي، أن اهتمامها ينصب على رواية الحكايات باللهجة الإماراتية وربطها بتاريخ الدولة، مع الحرص على أن يكون المحتوى مستنداً إلى مواقف الحياة اليومية؛ من البيت بما يحمله من تربية وسنع واحترام، إلى المدرسة بقيمها من انضباط وتعاون، وصولاً إلى الفريج بما يجسده من تواصل ومودة وحسن جوار.
وبينت أن الأمثال الشعبية ولدت بطبيعتها من تفاصيل الحياة اليومية، لذلك تحرص على ربط المثل بموقف واقعي بسيط يفهمه الطفل ويستطيع تطبيقه، مع إدخال مفردات من البيئة المحلية، مثل مسميات الأماكن والعناصر التي شكلت جزءاً من حياة الناس قديماً في البر والبحر، إلى جانب معلومات تاريخية مبسطة مرتبطة بتطور الدولة وحضارتها.
لترسيخ فكرة أن الهوية ليست تراثاً منفصلاً، بل حياة متكاملة تشمل اللغة، والقيم والبيئة والتاريخ. وأضافت، أن هدفها يتمثل في بناء محتوى يقرب الهوية الإماراتية للجميع بأسلوب عصري وسهل، لا يكتفي بشرح المثل الشعبي، بل يوضح معناه وسياق استخدامه.
ويشرح مفرداته وما يقابلها في اللغة العربية الفصحى، إلى جانب التطرق لمسميات البيئة الإماراتية من بر وبحر وجبل، ورموز مثل النخيل والغاف والسدر والصقر والمها والجمل، إضافة إلى العادات والتقاليد والقيم التي تميز المجتمع الإماراتي.
وأشارت السويدي إلى أن المنصة تستهدف الأطفال واليافعين بوصفهم الفئة الأكثر تأثراً بالمحتوى الرقمي، إلى جانب الأهالي والمربين والمعلمين، وكل من يرغب في التعرف إلى الثقافة الإماراتية ولهجتها بصورة مبسطة وغير معقدة.
ولضمان توصيل اللهجة الإماراتية بدقة، أكدت السويدي أنها تتحقق من المفردات والعبارات المستخدمة قبل النشر، لا سيما في الأمثال الشعبية، موضحة أن أي تغيير بسيط قد يبدل المعنى المقصود، لذلك تحرص على شرح المفردة وذكر ما يقابلها في العربية الفصحى، مع الاستعانة بأهل الخبرة والمختصين في التراث واللغة وكبار المواطنين، باعتبارهم الأقرب لروح المثل وسياق استخدامه الصحيح.
توثيق رقمي
من جانبها، أوضحت لمياء راشد سعيد الشامسي، التي تحظى منصتها بتفاعل واسع، أن هدفها يتمثل في تعليم الجيل الجديد المفردات الإماراتية التي تكاد تندثر، وتوثيقها، إلى جانب تتبع أصولها في اللغة العربية الفصيحة.
وقالت، إن بداياتها انطلقت برغبة في جذب الجيل الجديد، قبل أن تفاجأ بانضمام كبار المواطنين وأولياء الأمور، ما شكل دافعاً إضافياً للاستمرار في هذه المبادرة.
وأضافت أن الجمهور ينجذب بطبيعته إلى كل ما هو جديد، ومع امتلاك الأفراد لهواتفهم الخاصة واعتمادهم عليها في التعلم والمتابعة، حرصت على التواجد عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي. وبينت أن محتواها يعتمد على أمثلة من المواقف التي تعيشها وتسمعها في الحياة اليومية، سواء في المنزل أو المدرسة أو الفريج.
حيث تقدم المفردات في قالب حواري يشرح معناها وأصلها اللغوي، مع إبراز العادات والتقاليد والقيم الإماراتية المرتبطة بها، مؤكدة حرصها على التحقق من كل مفردة بالرجوع إلى الكتب والمراجع والمعاجم وكبار المواطنين.
تفاصيل الهوية
وفي تجربة أخرى، أوضح صالح سعيد الكندي، صاحب منصة «الهيرات»، أول منصة إماراتية متخصصة في صناعة الأفلام الكرتونية، أن المنصة تقدم شخصيتين كرتونيتين بطابع إماراتي هما «ياس» و«شما»، في تجربة توظف الذكاء الاصطناعي لخدمة الهوية المحلية بأسلوب عصري.
وبين أن المنصة لا تقتصر على تقديم محتوى ترفيهي وتربوي باللهجة الإماراتية، بل تستهدف أيضاً صناع المحتوى والمبدعين الراغبين في تطوير أدواتهم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المؤسسات والشركات الباحثة عن هوية بصرية إماراتية تخاطب الجمهور المحلي بفعالية.
وأشار إلى تركيز المنصة على التفاصيل الدقيقة، من تصميم «الكندورة» و«المخورة» إلى روح «الفريج»، وتجسيد قيم السنع الإماراتي في تصرفات الشخصيات.
مؤكداً أن هذا النهج يبرز دور الذكاء البشري خلف الذكاء الاصطناعي، حيث تقف التقنية كأداة بيد فريق إماراتي يراجع النصوص والسيناريوهات بعناية، ويحرص على استخدام نبرات ومصطلحات أصيلة تعكس تنوّع مناطق الدولة. وأضاف، أن المنصة تمثل منظومة متكاملة تهدف إلى تمكين المبدعين من أدوات المستقبل.
وترسيخ مفهوم ديمقراطية الإبداع، إلى جانب توثيق ونشر الثقافة الإماراتية بأسلوب عصري يصل إلى الأجيال الجديدة، لافتاً إلى أن التفاعل مع المنصة فاق التوقعات، ما دفع إلى إطلاق دورات تدريبية متخصصة، مؤكداً أن تسخير التكنولوجيا لخدمة الهوية الوطنية يشكّل الحافز الأكبر للاستمرار.
معهد تعليمي
ولا يقتصر حفظ اللهجة الإماراتية على توظيف الذكاء الاصطناعي في حفظ اللهجة الإماراتية، إذ يقدّم «معهد الرمسة» تجربة تعليمية متخصصة في تدريس اللهجة الإماراتية والثقافة المحلية، كونه المعهد الوحيد الذي يدرس اللهجة لغير الناطقين بها من خلال مناهج واضحة وممنهجة.
وقالت حنان الفردان، مؤسس ومدير المعهد، إن 10 % من الدارسين إماراتيون، إلى جانب جنسيات أخرى، مشيرة إلى إقبال متزايد من الجيل الجديد من الإماراتيين الذين لم تتوفر لهم فرصة تعلم اللهجة في المنزل أو عبر مناهج تعليمية متخصصة سابقاً.
كما يلتحق بالمعهد بعض أزواج وزوجات الإماراتيين، وأشخاص حصلوا على الجنسية حديثاً، بهدف تعزيز اندماجهم في المجتمع.
وأضافت أن المعهد لا يقتصر على التعليم الحضوري، بل ينشر دروساً يومية عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، ويتابعه أكثر من مليون متابع، ما جعله مرجعاً أساسياً لتعلم اللهجة الإماراتية.
