ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 1 فبراير 2026 10:51 مساءً - شدد "منتدى الاكتشاف العلمي" ضمن فعاليات القمة العالمية للعلماء، التي انطلقت اليوم بالتزامن مع القمة العالمية للحكومات، على أهمية ترسيخ الفضول العلمي، وتشجيع الباحثين الشباب على المخاطرة الفكرية، وتوفير بيئات بحثية ومؤسسات تموّل الأفكار غير التقليدية.
وقال العلماء المشاركون في المنتدى إن أعظم الاكتشافات غالباً ما تأتي من متابعة الشغف العلمي، وأن رسم خرائط المجهول يتطلب الجرأة على طرح الأسئلة قبل معرفة الإجابات.
وقال البروفيسور راجيش غوبكومار، مدير المركز الدولي للعلوم النظرية في كلمته الافتتاحية إن الأسئلة هي المحرّك الأساسي للعلم حتى الأسئلة الضعيفة منها، بل وربما الضعيفة على وجه الخصوص، وأشار إلى أن عملية الاكتشاف العلمي هي مسار غير محدد النتائج؛ فقد تنطلق للإجابة عن سؤال ما، لتجد نفسك في نهاية المطاف أمام نتيجة مختلفة تماماً، وهو ما يشكل جوهر الحافز العلمي لدى الباحثين والعلماء.
وأضاف غوبكومار أنه "إذا كنا بصدد رسم معالم المجهول، فإن ميكانيكا الكم ستكون مرشدنا ومنارتنا في العلوم الفيزيائية".
من جهته، تحدَّث البروفيسور مايكل كوستزليتز، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2016، وأستاذ الفيزياء بجامعة براون، على دراسة أجراها مؤخراً بعنوان "التحولات الطورية والانتقال البُعدي في المواد الصلبة المحصورة بطبقات"، تقوم فكرتها على دراسة نظام مكوّن من طبقات ثنائية الأبعاد محصورة بين صفائح مستوية، مع إمكانية التحكم في المسافة بين هذه الصفائح.
وأوضح أنه عندما تكون المسافة صغيرة، تتشكل طبقة واحدة من الذرات، ومع زيادة التباعد تتكون طبقتان أو ثلاث، ما يسمح بدراسة البنى والخواص الناتجة و في الطبقة الواحدة، نعلم أن البنية عند درجات الحرارة المنخفضة تكون على شكل "شبكة مثلثية"، ومع رفع درجة الحرارة تتحول إلى سائل، وأول طور سائل نحصل عليه هو (الطور السداسي) (Hexatic phase) الذي يحتفظ بنوع من النظام التوجيهي ، لكن السؤال هو: ماذا يحدث عند زيادة المسافة والحصول على أكثر من طبقة؟.
وأشار كوستزليتز إلى أنه في الطبقة الواحدة، نلاحظ أن النظام الانتقالي يتلاشى لأنه لا يوجد نظام طويل المدى في بُعدين ، لكن في حالة تعدد الطبقات، يتحول انتقال الذوبان (من الصلب إلى السائل) إلى انتقال من الدرجة الأولى حيث نلاحظ وجود ظاهرة التلاكؤ (Hysteresis) أو التباعد بين منحنيي التسخين والتبريد، وهي خاصية فيزيائية تعتمد فيها حالة النظام الحالية على تاريخه السابق.
وقال إن هذه النتائج، رغم أنها عددية بحتة، تسهم في تعميق فهمنا لآليات الانصهار، وهي مسألة حيّرت الفيزيائيين لعقود طويلة.
من جانبه، قال البروفيسور دان شيختمان، إن معظم أبحاثه تركزت على تطوير السبائك المعدنية لتطبيقات الفضاء والطيران، وتحديداً سبائك التيتانيوم والألومنيوم والمغنيسيوم، مؤكداً أن هذه السبائك تمثل مواد خارقة، تتحدى القوانين الهندسية القديمة.
وأضاف شيختمان أن تطوير التركيبة الصحيحة قد يستغرق عامين، لكن تطوير التكنولوجيا اللازمة لإنتاج هذه السبائك ووضعها في محرك نفاث يستغرق عشرين عاماً ، فالتكنولوجيا ليست بالأمر الهين، و قال : "كانت أداة بحثي الأساسية هي (المجهر الإلكتروني النافذ)، وهو أداة قوية جداً في علم البلورات.
وأشار إلى أنه من خلال عمله، اكتشف المركّبات شبه الدورية (Quasiperiodic) وهو ما منحه عدة جوائز"، موضحا أنه قديماً، كان يُعتقد أن البلورات يجب أن تكون دورية (مثل البلاط على الأرض ولكن بثلاثة أبعاد) ، ومنذ عام 1912 حتى 1982، كان تعريف البلورة هو المادة الصلبة التي تترتب ذراتها بشكل دوري دون استثناء ، لكن في عام 1982، وجدت سبيكة من الألومنيوم والمنغنيز تتميز بترتيب ذري واضح ولكن غير دوري، ولها تماثلات (مثل التماثل الخماسي) كانت تعتبر (ممنوعة) رياضياً في الأنظمة الدورية كان ذلك هو الاكتشاف.
بينما تحدَّث الدكتور يي فانغ وانغ الحائز على جائزة بريكثرو في الفيزياء الأساسية لعام 2016، ومدير معهد فيزياء الطاقة العالية في الأكاديمية الصينية للعلوم، عن ما يُعرف بـ"النيوترينوات" (Neutrinos) والملقبة بجسيمات الأشباح، وقال إن هذه الجسيمات تحيط بنا من كل جانب، بدءاً من الانفجار العظيم والشمس وصولاً إلى أجسادنا إذ يبعث كل إنسان في هذه القاعة نحو 340 مليون نيوترينو يومياً.
وعن معضلة الكتلة، أشار وانغ إلى وجود تضارب بين النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات ، الذي يفترض أن كتلة النيوترينو صفر، وبين النموذج الكوني ، الذي يؤكد ضرورة وجود كتلة لها، منوهاً إلى أنه بدون هذه الكتلة لن يكون هناك مجرات أو نجوم.
و استعرض وانغ نجاح تجربة "دايا باي" (Daya Bay) والتي تُعد واحدة من أهم التجارب في فيزياء الجسيمات في القرن الواحد والعشرين، فهي مشروع بحثي دولي (بقيادة الصين والولايات المتحدة) صُمم خصيصاً لدراسة جسيمات غامضة تسمى النيوترينوات.
وتحدَّث البروفيسور ويليام دي فيليبس الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1997، وأستاذ متميز في الفيزياء بجامعة ميريلاند عن رؤيته لمستقبل "الكم"، إذ استذكر الثورة الأولى التي قامت على ازدواجية "الموجة-الجسيم"، والتي أدت لاختراع "الترانزستور" عام 1947، وهو الأساس الذي قامت عليه الحواسيب والهواتف الذكية وكل تكنولوجيا العصر الحالي.
وأضاف فيليبس أن الثورة الكمية الثانية، التي نشهدها اليوم، تعتمد على مفاهيم أكثر غرابة مثل "التراكب" (Superposition) و"التشابك" (Entanglement)، والأهم من ذلك هو القدرة على التحكم في الأجسام الكمية المنفردة.
وحذَّر فيليبس من المبالغات التسويقية المحيطة بالحوسبة الكمية، لكنه أكد في الوقت ذاته أن "الإمكانات تفوق الخيال"، مشيراً إلى أن مؤسسي ميكانيكا الكم عام 1925 لم يتخيلوا أبداً اختراع الترانزستور، ونحن اليوم قد لا نتخيل العجائب التي ستنتج عن هذه الثورة الثانية.
وفي جلسة حوارية، ضمن فعاليات المنتدى أشار البروفيسور غوبكومار، إلى أن ميكانيكا الكم لا تزال تطرح جوانب مذهلة ومفاجئة بدأ العلم للتو في كشفها.
وقال الدكتور جوليان باريير، الحائز على جائزة الجمعية الأمريكية للفيزياء للطلاب المتميزين لعام 2022، وباحث مشارك في معهد برشلونة للعلوم والتكنولوجيا إن أحد الجوانب الأساسية هنا هو الطوبولوجيا، التي جرى توظيفها لفهم ظواهر تعجز الفيزياء الكمية التقليدية وحدها عن تفسيرها.
وأضاف: " نحن اليوم نطوّر أدوات قياس جديدة لهذه المواد، ونجمع بين الليزر وتقنيات النقل الكهربائي التقليدية، ما يتيح لنا الوصول إلى خصائص مثل الانحناء والاتصال الطوبولوجي والهندسة الكمية والمقياس الكمي، وهي خصائص لم يكن بالإمكان قياسها من قبل ،وهذا يفتح باباً واسعاً نحو المجهول، وقد يقود التحكم في هذه الخصائص إلى تطبيقات مستقبلية واعدة.
من جانبه، تحدَّث الدكتور دينيس باندورين الحائز على تكريم MIT Technology Review لجائزة "مبتكرون دون 35 عاماً"، والأستاذ المساعد بجامعة سنغافورة الوطنية، عن الجانب التطبيقي للثورة الكمية وقال إن أجهزة الاستشعار الكمية للضوء أصبحت اليوم في صلب التطور التكنولوجي الكمي.
وأوضح أنه على سبيل المثال، يمكن رصد إشارات ضوئية ضعيفة للغاية من مسافات بعيدة جداً، كما يمكن نقل معلومات مؤمنة كمياً لا يمكن اختراقها.
فيما تناول البروفيسور سبينتا آر واديا المدير المؤسس للمركز الدولي للعلوم النظرية، التحدي الأكبر في الفيزياء الحديثة، وهو التوفيق بين النسبية العامة وميكانيكا الكم.
وأوضح واديا أن ركيزتي الفيزياء في القرن العشرين هما ميكانيكا الكم والنسبية العامة ، الأولى أحدثت ثورة تكنولوجية، بينما تُمثل الثانية الإطار لفهم الكون على نطاق واسع، من الثقوب السوداء إلى تطور الكون.
