ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 29 مارس 2026 12:06 صباحاً - كثافة الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الأبناء أكثر انجذاباً للمنتجات المعروضة
سلوك يدفع البعض إلى العيش خارج حدود إمكاناتهم المالية
اقتناء منتجات تعزز الشعور بالمكانة الاجتماعية أو تقدير الذات
في زمن أصبحت فيه شاشة الهاتف نافذة مفتوحة على آلاف المتاجر الإلكترونية، لم يعد التسوق عبر الإنترنت مجرد وسيلة مريحة لتلبية الاحتياجات اليومية، بل تحوّل لدى كثيرين إلى سلوك استهلاكي متسارع تغذّيه العروض المتجددة والتنبيهات التسويقية المتكررة، التي تدفع البعض إلى شراء منتجات تفوق حاجتهم الفعلية، لتتحول «ضغطة زر» بسيطة إلى باب واسع للإسراف واستنزاف الميزانيات.
ومع التوسع الكبير لمنصات التجارة الإلكترونية والتسويق عبر التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي، بات المستهلك محاطاً يومياً بسيل من الإعلانات الجاذبة والعروض محدودة الوقت، التي تحفّزه على اتخاذ قرارات شراء سريعة بدافع اللحظة أو الفضول، دون تخطيط مسبق أو تقييم حقيقي للحاجة.
استنزاف ميزانية الأسرة
تشير علياء السويدي إلى أن التسوق الإلكتروني أصبح يشكل عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة، موضحة أن كثافة الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الأبناء أكثر انجذاباً للمنتجات المعروضة، ما يزيد من طلباتهم لشراء أشياء قد لا تكون ضرورية.
وأضافت أن كثيراً من العائلات تنجذب إلى العروض والإعلانات الجذابة، لكنها تتفاجأ عند استلام المنتجات بأن جودتها لا ترقى لما تم الترويج له، الأمر الذي يضع المستهلك في دائرة من الشراء غير المدروس والإنفاق غير المبرر.
وأعربت عن أملها في الحد من الإعلانات التسويقية المكثفة عبر المنصات الرقمية، خصوصاً تلك التي تستهدف الفئات العمرية الصغيرة، لما لها من تأثير مباشر في سلوك الأبناء الشرائي.
انجذاب الفئات الصغيرة
بدورها، تقول غالية منصور الشامسي (17 عاماً)، إن مواقع التسوق الإلكتروني تستقطب المراهقين بشكل كبير بسبب العروض المتواصلة والإعلانات التي تظهر عبر التطبيقات، ما يجعلهم يشعرون برغبة مستمرة في اقتناء منتجات جديدة.
وأضافت أن هذا الانجذاب المتزايد لدى الفئات العمرية الصغيرة يعكس الحاجة إلى تعزيز ثقافة الوعي الاستهلاكي، وتعليم الأبناء التفكير قبل اتخاذ قرار الشراء وعدم الانسياق وراء الإعلانات الجاذبة.
الشراء الاندفاعي
وتوضح شيخة حمد أنها تتسوق عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية أكثر من مرة خلال الشهر بسبب العروض والتنبيهات المستمرة، مشيرة إلى أنها تتحمس عند رؤية التخفيضات خوفاً من ضياع الفرصة.
وأضافت أنها غالباً ما تملأ سلة المشتريات بمنتجات لم تكن تخطط لشرائها أساساً، بينما تقول عائشة عادل إنها تتسوق ما بين مرتين إلى أربع مرات شهرياً، لكنها لاحظت في الآونة الأخيرة زيادة معدل إنفاقها بسبب كثرة العروض والتطبيقات.
وقالت: «عندما أرى التخفيضات أشعر أنني وفرت المال، لكنني أتفاجأ عند الدفع بأنني أنفقت مبلغاً أكبر بسبب شراء منتجات إضافية لم أكن بحاجة إليها».
أما مريم مروان الورعاني فتشير إلى أنها غالباً ما تنفق أكثر مما كانت تتوقع بسبب العروض المغرية، لافتة إلى أنها لا تضع ميزانية محددة للتسوق، ما يجعل التسوق الإلكتروني يتحول لديها إلى عادة شبه يومية.
سلوك استهلاكي
من جانبه، يوضح الدكتور أحمد فلاح العموش، أستاذ علم الاجتماع التطبيقي في جامعة الشارقة، أن الإفراط في التسوق الإلكتروني قد يتحول لدى بعض الأفراد إلى نمط سلوكي يشبه الاعتماد على الشراء، حيث يلجأ البعض إلى اقتناء منتجات معينة لتعزيز الشعور بالمكانة الاجتماعية أو تقدير الذات.
وأشار إلى أن هذا السلوك قد يدفع البعض إلى العيش خارج حدود إمكاناتهم المالية، ما ينعكس سلباً على استقرار الأسرة، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى تراكم الديون أو نشوء خلافات أسرية نتيجة الضغوط المالية.
أبعاد نفسية للشراء
من جانبها، توضح الدكتورة ليلى محمود، أخصائية الأمراض النفسية، أن الإفراط في الشراء عبر الإنترنت قد يكون أحياناً محاولة لتعويض مشاعر القلق أو الفراغ الداخلي، حيث يعتقد البعض أن اقتناء المنتجات الفاخرة يمنحهم شعوراً بالقيمة أو التميز الاجتماعي.
وأكدت أن تقدير الإنسان لذاته لا يرتبط بالمظاهر أو العلامات التجارية، بل ينبع من الثقة بالنفس والإنجازات الشخصية، وهو ما ينبغي ترسيخه في ثقافة المجتمع.
بدوره، يشير الدكتور شاجو جورج، أخصائي الطب النفسي، إلى أن رؤية العروض والتخفيضات الكبيرة تحفّز لدى بعض الأشخاص شعوراً بالخوف من فقدان الفرصة، ما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات شراء سريعة دون التفكير في حاجتهم الفعلية للمنتج.
وأضاف أن التنبيهات المستمرة والعروض محدودة الوقت تنشّط مراكز المكافأة في الدماغ، ما يخلق شعوراً بالإلحاح لدى المستخدم ويقلل من القدرة على التفكير العقلاني قبل الشراء. وأوضح أن إتمام عملية الشراء قد يؤدي إلى إفراز مادة «الدوبامين» المرتبطة بالشعور بالمكافأة والسعادة، وهو شعور مؤقت قد يدفع بعض الأشخاص إلى تكرار الشراء بحثاً عن الإحساس ذاته، خاصة لدى من يعانون ضغوطاً نفسية أو شعوراً بالوحدة.
سلم القيم
من جهته، يرى الدكتور شافع النيادي، مدرب التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، أن العلامات التجارية تحولت في العصر الحديث إلى رموز اجتماعية لدى بعض الأفراد، حيث بات امتلاك منتج يحمل اسماً عالمياً يُنظر إليه كدليل على المكانة أو الهوية الاجتماعية. وأوضح أن هذا التصور تعززه الحملات التسويقية الضخمة التي تعتمد على التأثير النفسي والعاطفي، ما يجعل البعض يربط بين اقتناء العلامة التجارية وبين الشعور بالقبول الاجتماعي.
الوعي المالي
ويؤكد مختصون أن مواجهة ظاهرة الإفراط في التسوق الإلكتروني تبدأ من داخل الأسرة، عبر ترسيخ ثقافة الاعتدال في الإنفاق، ووضع ميزانية واضحة للشراء، والتفكير جيداً قبل اتخاذ قرار الشراء. كما يشدد الخبراء على أهمية دور الإعلام والمؤسسات التربوية في تعزيز الوعي المالي لدى الأبناء، وتشجيعهم على الادخار وترتيب الأولويات، بما يسهم في بناء جيل أكثر إدراكاً لقيمة المال، وأكثر قدرة على تجنب الوقوع في فخ الاستهلاك المفرط في عصر التجارة الرقمية.
