ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 25 مايو 2026 01:21 صباحاً - عيادات تستقبل مراهقين يعانون التعب والاضطرابات بسبب تطبيق ريجيمات دون استشارة طبية
يشهد العالم الرقمي اليوم تصاعداً لافتاً في تأثير منصات التواصل الاجتماعي في سلوكيات المراهقين الصحية والغذائية، وخصوصاً مع الانتشار الواسع لمقاطع قصيرة تروّج لحميات قاسية ووصفات سريعة لخسارة الوزن دون أي أسس علمية أو إشراف طبي.
فقد تحولت تطبيقات مثل TikTok إلى مصدر رئيس يتلقى منه كثير من المراهقين نصائح غذائية مضللة، تدفعهم إلى اتباع أنظمة غذائية خطرة سعياً للوصول إلى نتائج سريعة ومظهر مثالي خلال أيام معدودة.
ورصدت «حال الخليج» انتشار مقاطع بعناوين جذابة ومثيرة مثل «اخسر 10 كيلوات في 3 أيام»، أو «رجيم بذور الشيا السحري»، أو «رجيم الموز لخسارة 5 كيلوات خلال عطلة نهاية الأسبوع»، وهي عناوين تستهدف الفئة العمرية الأكثر تأثراً بالمقارنات الاجتماعية وضغوط الشكل الخارجي. إلا أن هذه الحميات، بحسب أطباء واختصاصيين، قد تقود إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل الدوخة والإغماء واضطرابات المعدة والقولون، إضافة إلى هبوط ضغط الدم والسكر ونقص حاد في العناصر الغذائية الأساسية.
وأكد مختصون أن بعض المراهقين لم يعودوا يكتفون بمشاهدة هذه المقاطع بدافع الفضول أو الترفيه، بل باتوا يطبقون أنظمة غذائية قاسية تعتمد على الامتناع الطويل عن الطعام، أو الاكتفاء بمشروبات محددة، أو الإفراط في شرب الماء والقهوة ومشروبات «حرق الدهون»، من دون أي استشارة طبية أو متابعة صحية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور شافع النيادي، خبير التنمية البشرية والعلاقات الأسرية، أن خطورة الظاهرة تكمن في أن المراهق أصبح يتخذ قرارات مصيرية تتعلق بصحته الجسدية والنفسية بعيداً عن رقابة الأسرة أو توجيه المختصين، متأثراً بمحتوى رقمي يربط النحافة بالقبول الاجتماعي والثقة بالنفس.
وأشار إلى أن كثيراً من المراهقين يعيشون حالة مقارنة مستمرة مع المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يدفعهم إلى الدخول في دوامة من الحرمان الغذائي والتجويع القاسي سعياً للوصول إلى شكل معين خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف أن هذه الممارسات قد تتطور لاحقاً إلى اضطرابات غذائية مزمنة يصعب علاجها، لافتاً إلى أن بعض الأسر قد لا تلاحظ التغيرات المفاجئة التي تطرأ على سلوك أبنائها الغذائي، مثل الامتناع عن الوجبات، أو شرب كميات كبيرة من الماء لسد الشعور بالجوع، أو ممارسة الرياضة بشكل مفرط. وأكد أن المراهق قد يبدو سعيداً في البداية بخسارة الوزن، بينما يكون في الواقع قد بدأ مرحلة من الاستنزاف الجسدي والنفسي الخطير.
إرهاق شديد
من جانبه، أكد المستشار البدني وجودة الحياة الدكتور أسامة اللالا أن خسارة الوزن السريعة التي تروّج لها بعض حسابات التواصل الاجتماعي لا تعني فقدان الدهون الحقيقية، بل تكون غالباً نتيجة فقدان السوائل والكتلة العضلية، وهو ما قد يؤدي إلى الإرهاق الشديد واضطرابات التركيز وضعف الدورة الدموية.
وأوضح أن الأنظمة الغذائية التي تعتمد على نوع واحد من الطعام، مثل الموز أو بذور الشيا فقط، تحرم الجسم من عناصر غذائية ضرورية يحتاجها المراهق خلال مرحلة النمو، ما قد يؤدي إلى نقص حاد في الفيتامينات والأملاح والبروتينات.
كما أشار إلى أن ممارسة التمارين الرياضية القاسية بالتزامن مع التجويع تمثل خطراً إضافياً، وخاصة لدى الفتيات وصغار السن، لما قد تسببه من إجهاد للقلب والعضلات واضطرابات هرمونية ومشكلات في النوم والتركيز الدراسي.
وشدد على أن الوصول إلى وزن صحي لا يتحقق عبر وصفات سريعة أو تحديات رقمية، بل من خلال نمط حياة متوازن يقوم على التغذية الصحية المتنوعة، والنشاط البدني المعتدل، والنوم الكافي، مع ضرورة أن تكون خسارة الوزن تدريجية ومدروسة.
بدورها، أكدت الاختصاصية التربوية والنفسية ميساء عبدالله أن للأسرة دوراً محورياً في حماية الأبناء من التأثر بالمحتوى المضلل، مشيرة إلى أن بعض المراهقين يخفون عن أسرهم اتباعهم حميات قاسية خوفاً من الرفض أو السخرية، بينما ينجذب آخرون لفكرة «النتائج السريعة» نتيجة الضغوط النفسية المرتبطة بالمظهر الخارجي والتنمر والمقارنات الاجتماعية.
وأوضحت أن الأسرة مطالبة بمراقبة أي تغيرات مفاجئة في السلوك الغذائي أو النفسي للأبناء، مثل فقدان الشهية، أو الانعزال، أو التوتر، أو الانشغال المفرط بالوزن والسعرات الحرارية، مؤكدة أن الحوار الهادئ والواعي داخل المنزل أكثر فعالية من أساليب التخويف أو العقاب.
كما حذرت من أن كثيراً من المقاطع المنتشرة تقدم معلومات غير علمية أنها نصائح صحية، في وقت يفتقر فيه المراهق إلى القدرة الكافية على التمييز بين المحتوى الطبي الصحيح والمحتوى المضلل، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر والتقليد.
أخطار طبية
وفي الجانب الطبي، حذر الدكتور نجيب صلاح عبدالرحمن، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي، من أن الحميات القاسية المنتشرة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي قد تسبب اضطرابات مباشرة في الجهاز الهضمي، وخصوصاً تلك التي تعتمد على الامتناع الطويل عن الطعام أو تناول مكونات معينة بكميات مفرطة مثل بذور الشيا أو السوائل فقط.
وأوضح أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى مشكلات في المعدة والقولون، والإصابة بالإمساك أو الإسهال والحموضة، إضافة إلى نقص الإنزيمات والعناصر الضرورية لعمل الجهاز الهضمي بصورة طبيعية. كما أشار إلى أن فقدان الوزن السريع قد يزيد من خطر تكوّن حصوات المرارة لدى بعض الأشخاص، وخاصة مع سوء التغذية ونقص الدهون الصحية.
من جهته، كشف الدكتور محمد الغزولي، أخصائي طب الأسرة في مستشفى سلطان بن زايد، أن العيادات بدأت بالفعل تستقبل حالات لمراهقين يعانون التعب والإغماء واضطرابات المعدة نتيجة اتباع حميات مأخوذة من الإنترنت من دون استشارة طبية.
وأوضح أن بعض المراهقين يمتنعون عن الوجبات الرئيسة أو يفرطون في شرب الماء والقهوة ومشروبات حرق الدهون بهدف خسارة الوزن بسرعة، ما قد يؤدي إلى هبوط ضغط الدم واضطرابات السكر وضعف عام في الجسم، مشيراً إلى أن المشكلة لا تتعلق بالغذاء فقط، بل تمتد أيضاً إلى الجانب النفسي نتيجة المقارنات المستمرة مع صور الأجسام المثالية المنتشرة عبر المنصات الرقمية.
وفي السياق ذاته، أكدت أخصائية التغذية العلاجية الإكلينيكية ناتاشا عجاقة، في مستشفى سلطان بن زايد، أن الحميات السريعة أصبحت تمثل خطراً متزايداً على صحة المراهقين، وخصوصاً تلك التي تعد بخسارة أوزان كبيرة خلال أيام قليلة تحت عناوين جذابة تفتقر إلى أي أساس علمي.
وأوضحت أن الأنظمة الغذائية التي تعتمد على حرمان الجسم من مجموعات غذائية كاملة أو الاكتفاء بنوع واحد من الطعام قد تؤدي إلى مضاعفات صحية ونفسية خطيرة، وخاصة أن المراهق يمر بمرحلة نمو حساسة تتطلب توازناً غذائياً دقيقاً لدعم النمو الجسدي والهرموني والعقلي.
وأضافت، إن خسارة الوزن السريعة غالباً ما تكون نتيجة فقدان السوائل والكتلة العضلية وليس الدهون، الأمر الذي ينعكس سلباً على النشاط الذهني والأداء الدراسي ويسبب الإرهاق والدوخة وضعف التركيز واضطرابات ضغط الدم والسكر.
كما أشارت إلى أن بعض الحميات قد تؤدي إلى نقص حاد في البروتينات والحديد والكالسيوم وفيتامين «B12»، ما يؤثر في المناعة وصحة العظام ومستويات الطاقة والحالة النفسية.
وأكدت أن المشكلة لا تتوقف عند الحميات نفسها، بل تمتد إلى التأثير النفسي الناتج عن المقارنات المستمرة والصور المثالية غير الواقعية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تدفع بعض المراهقين إلى البحث عن نتائج سريعة بأي وسيلة ممكنة.
وشددت على أن بناء ثقافة التوازن الصحي داخل الأسرة أصبح ضرورة ملحة، من خلال تعزيز مفهوم الغذاء الصحي المتنوع، والنشاط البدني المعتدل، والنوم الكافي، بدلاً من التركيز فقط على أرقام الميزان أو المظهر الخارجي.
كما أكدت أن الوصول إلى وزن صحي ومستدام لا يتحقق عبر وصفات عشوائية أو تحديات رقمية، وإنما عبر أسلوب حياة متوازن وتحت إشراف مختصين يراعون احتياجات المراهق الصحية والنفسية.
