ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 25 مايو 2026 01:21 صباحاً - مواجهة الظاهرة تتطلب شراكة واسعة بين القطاعات الصحية والتعليمية والاقتصادية
كشف تقرير حديث أن معالجة السمنة في دولة الإمارات لم تعد قضية صحية فحسب، بل تمثل استثماراً اقتصادياً واجتماعياً واسع التأثير، يمكن أن ينعكس على النمو الاقتصادي والإنتاجية وسوق العمل والتعليم وحتى الجاهزية الأمنية خلال السنوات المقبلة.
وأكد التقرير أن خفض معدلات السمنة قد يوفر نحو 1.5 مليار دولار من الإنفاق الصحي التراكمي حتى عام 2031، إلى جانب زيادة متوسط العمر المتوقع بنحو 2.4 سنة للأشخاص الذين تخلصوا من السمنة، وإضافة ما يصل إلى 6.8 سنوات من الحياة الصحية الجيدة.
وأوضح تقرير «ما وراء الظاهر: الآثار الاجتماعية والاقتصادية الكامنة لفقدان الوزن»، الذي أعدته شركة «وايتشيلد» الاستشارية بتكليف من شركة «ليلي» للأدوية وبالتعاون مع وزارة الاقتصاد والسياحة، أن تطبيق تدخلات فعالة ومبتكرة لإدارة السمنة قد يخفض معدل السمنة بين البالغين في الإمارات من 33 % حالياً إلى 18 % بحلول عام 2031، ما يعني خروج أكثر من 1.15 مليون شخص من دائرة السمنة.
وأشار التقرير إلى أن هذا التحول قد يرفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 1.5 نقطة مئوية إضافية فوق التوقعات الأساسية، نتيجة تحسن إنتاجية الكوادر البشرية وانخفاض الأعباء الصحية المرتبطة بالأمراض المزمنة.
ووفقاً للتقرير، يمكن لتحسن الصحة العامة أن يمنح الأشخاص الذين كانوا يعانون السمنة ما يعادل خمسة أيام عمل إضافية سنوياً، مع ارتفاع متوسط دخل الفرد بنحو 722 دولاراً سنوياً، نتيجة انخفاض معدلات الغياب وتحسن القدرة على المشاركة الفاعلة في سوق العمل.
وأوضح أن السمنة ترتبط بعدد من الأمراض المزمنة، أبرزها السكري من النوع الثاني وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وبعض أنواع السرطان، إضافة إلى تأثيراتها النفسية والاجتماعية.
انعكاسات
وتوقع التقرير أن يسهم تحسن الصحة الإنجابية المرتبط بخفض السمنة في تسجيل نحو 75 ألف ولادة إضافية بحلول عام 2031، إلى جانب انضمام أكثر من 16 ألف شخص إضافي إلى سوق العمل، أكثر من نصفهم من النساء.
وفي قطاع التعليم، رجح التقرير التحاق أكثر من ألفي طالب إضافي ببرامج البكالوريوس، مع تراجع معدلات الانقطاع الجامعي بنسبة 1.4 %، نتيجة تحسن الصحة الجسدية والنفسية للطلبة.
أما على المستوى الأمني، فأشار إلى أن تحسن اللياقة البدنية بين الشباب الإماراتيين سيكون له أثر بالغ على هذا القطاع.
تحدٍ اقتصادي واجتماعي
وأكدت وزارة الاقتصاد والسياحة أن الإمارات تتبنى رؤية اقتصادية قائمة على المعرفة والابتكار، مشيرة إلى أن بناء قوة عاملة تتمتع بالصحة والإنتاجية يمثل عنصراً أساسياً في دعم النمو الاقتصادي والمرونة المستقبلية.
وشددت على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بفوائد فقدان الوزن، وضمان وصول المصابين بالسمنة إلى حلول علاجية فعالة، عبر تعاون الجهات الصحية وأصحاب العمل وشركات التأمين والقطاع الخاص.
من جهته، قال فادي فارا، الرئيس التنفيذي لشركة «وايتشيلد»، إن التقرير يسلط الضوء على التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الخفية للسمنة، موضحاً أن معالجة السمنة لم تعد مجرد قضية صحية، بل استثمار مباشر في رأس المال البشري والتنمية الاقتصادية.
بدورها، أكدت لينا عزيز، المدير الأول للشؤون المؤسسية والحكومية لدى «ليلي» الخليج، أن السمنة تمثل تحدياً رئيساً للصحة العامة في الإمارات، ما يتطلب نهجاً متكاملاً يقوم على الوقاية والتدخل المبكر وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية.
وخلال الجلسة النقاشية المصاحبة لإطلاق التقرير، أكدت الدكتورة سارة سليمان، المدير السريري لأمراض وجراحة السمنة في مركز إمبريال كوليدج لندن للسكري، أن السمنة من أخطر التحديات الصحية التي تصيب البالغين والأطفال، محذرة من أن الإصابة بها في سن مبكرة تزيد مخاطر الجلطات والسكتات الدماغية والسكري.
وأكدت أن السمنة مرض مزمن ومعقد يرتبط بعوامل جينية وبيولوجية وبيئية، وليس مجرد مشكلة مرتبطة بالإرادة الشخصية أو نمط الحياة.
وأشارت الدكتورة مروة بدر، الأستاذة المشاركة في علوم الصحة بكلية دبي الجامعية للتكنولوجيا، إلى أن الوصمة الاجتماعية ما تزال تمنع كثيرين من طلب العلاج مبكراً، في حين شددت إليونورا فيرو من شركة «آي كيوفيا» على ضرورة تطوير أنظمة بيانات متكاملة لفهم التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للسمنة بصورة أدق.
وأكد التقرير في ختامه أن مواجهة السمنة تتطلب شراكة واسعة بين القطاعات الصحية والتعليمية والاقتصادية، باعتبارها قضية تؤثر في التنمية وجودة الحياة والإنتاجية، وليست مجرد مشكلة صحية فردية.
