ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 01:51 صباحاً - دبي - حال الخليج الاقتصادي
لا يمكن قراءة المسيرة الاقتصادية للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم من زاوية الاستثمار والعقار فقط، إذ ارتبط حضوره على مدى عقود بمسار أوسع من التنمية الاقتصادية في دبي.
حيث جمع بين بناء الأصول، وتطوير المجتمعات، ودعم المؤسسات والقطاعات التي أسهمت في تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية للإمارة، ليترك بصمات راسخة في ريادة اقتصاد دبي.
رغم ارتباط اسم الشيخ أحمد بن راشد على نطاق واسع بالرياضة والفروسية ونادي الوصل وسباقات الخيل، فإن الجانب الاقتصادي من مسيرته يمثل مساحة مهمة في إرثه، خصوصاً عبر العقار والاستثمار.
فضلاً عن دوره في تأسيس وتطوير أصول ومؤسسات أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في توسيع النشاط الاقتصادي لدبي.
تميز في القطاع العقاري
فقد برز القطاع العقاري في مقدمة المجالات الاقتصادية المرتبطة بمسيرة الشيخ أحمد بن راشد، إذ ترأس مجموعة «أ.ر.م. القابضة»، كما ارتبط اسمه بمركز دبي العقاري، الذي تأسس عام 1991 وتحول على مدى العقود التالية إلى محفظة كبيرة من العقارات السكنية والتجارية في دبي.
وهكذا لم تقتصر الاستثمارات العقارية المرتبطة بالشيخ أحمد على الاحتفاظ بالأصول، وإنما واكبت تحول دبي إلى مدينة تتزايد فيها الحاجة إلى المساكن والمكاتب والمراكز التجارية والخدمات العقارية، وهي مكونات أصبحت لاحقاً ركائز رئيسة في اقتصاد الإمارة.
وأخذ النشاط الاستثماري المرتبط بالشيخ أحمد بن راشد بعداً أكثر تنوعاً من خلال رئاسته لمجموعة «أ.ر.م. القابضة»، وهي شركة استثمارية خاصة في دبي امتدت اهتماماتها إلى قطاعات العقارات والضيافة والبنوك والاتصالات، إلى جانب مجالات أحدث مثل التكنولوجيا الصحية والأغذية المستدامة والتنقل والتكنولوجيا المالية والمبادرات الثقافية.
ويعكس هذا التنوع تحولاً مهماً في فلسفة الاستثمار بدبي نفسها، من التركيز على القطاعات التقليدية إلى بناء محافظ تجمع بين العقار والخدمات والاقتصاد الجديد. وتضم المنظومة العقارية للمجموعة علامات مثل مركز دبي العقاري، بما يعكس اتساع النشاط من إدارة الأصول التقليدية إلى مفاهيم التطوير العقاري وأنماط السكن الجديدة.
منصات استثمارية متنوعة
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مسؤوليات الشيخ أحمد الاقتصادية باعتبارها جزءاً من عملية أوسع شهدتها دبي على مدى عقود: تحويل الأصول المحلية إلى منصات استثمارية متنوعة، وربط النمو العقاري بالضيافة والخدمات والتمويل والتكنولوجيا والاقتصاد الحضري.
وتكشف مسيرة الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم عن نموذج من المسؤوليات المتعددة التي ميزت مرحلة بناء دبي الحديثة؛ فمن الأمن والعسكرية إلى العقارات والاستثمار.
ومن كرة القدم إلى الرياضات البحرية والفروسية، امتدت أدواره عبر قطاعات تبدو مختلفة، لكنها تلتقي عند هدف واحد هو بناء المؤسسات وتعزيز قدرة دبي على النمو.
وفي الاقتصاد تحديداً، يظهر إرثه في أصول عقارية نشأت منذ بداية التسعينيات واستمرت في التطور، وفي مظلة استثمارية توسعت إلى قطاعات تقليدية وحديثة، وفي منشآت رياضية تحولت إلى جزء من اقتصاد الفعاليات والترفيه والفروسية في الإمارة.
وبرحيله تفقد دبي شخصية عاصرت جانباً كبيراً من تحولاتها خلال العقود الماضية، من مرحلة بناء المؤسسات الأساسية وصولاً إلى مرحلة الاقتصاد المتنوع والاستثمار العالمي. وتبقى المؤسسات والمشروعات التي ارتبط بها شاهداً على مسيرة لم تنحصر في موقع رسمي واحد، بل توزعت بين الأمن والاقتصاد والعقار والرياضة والعمل المجتمعي.
وإذا كان اسم الشيخ أحمد بن راشد سيظل حاضراً بقوة في ذاكرة الفروسية ونادي الوصل والرياضة الإماراتية.
فإن الجانب الاقتصادي من مسيرته يكشف بدوره عن مساهمة ممتدة في رحلة دبي التنموية؛ رحلة قامت على بناء الأصول والمؤسسات، وتنويع الاستثمارات، وربط التنمية العمرانية بالرياضة والسياحة والخدمات، لتصبح تلك المسيرة جزءاً من تاريخ التحول الاقتصادي للإمارة.
رأس المال الخاص شريك في التنمية
وتعكس تجربة الشيخ أحمد بن راشد جانباً مهماً من تطور دور رأس المال الخاص في دبي. فمع نمو الإمارة، لم يعد القطاع الخاص مجرد مستثمر يبحث عن العائد، وإنما أصبح شريكاً في بناء أجزاء من المنظومة الاقتصادية والحضرية.
ويظهر ذلك في الجمع بين الاستثمار العقاري والضيافة والثقافة والتعليم، وفي تطوير مشاريع تستهدف خلق مجتمعات متكاملة، إلى جانب الاستثمار في مبادرات تستهدف الأطفال والمدارس والمواهب والقطاع الثقافي.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر في ظل انتقال المدن العالمية إلى نموذج تنموي يضع جودة الحياة والاستدامة ورأس المال البشري في قلب المنافسة الاقتصادية. وتنسجم فلسفة مجموعة «أ.ر.م. القابضة» المعلنة بشأن بناء مشاريع ذات قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة مع هذا التحول.
إرث يتجاوز قيمة الأصول
ولا يرتبط إرث الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم برقم واحد أو صفقة واحدة، وإنما بمنظومة تطورت عبر الزمن من إدارة العقار إلى الاستثمار طويل الأجل، ثم إلى بناء مجتمعات وربط الاستثمار بالثقافة والتعليم وجودة الحياة. فالاستثمار في الأصل العقاري يخلق قيمة مالية.
لكن الاستثمار في المجتمع المحيط به يمكن أن يخلق قيمة أكثر استدامة؛ من خلال جذب السكان والأعمال، ورفع جودة الحياة، وحماية الهوية الثقافية، وإتاحة الفرص أمام الأجيال الجديدة.
وفي هذا السياق، تبدو المسؤولية المجتمعية جزءاً من مفهوم أوسع للتنمية، لا نشاطاً منفصلاً عن الاستثمار. فدعم التعليم والفنون والمواهب، وتطوير المساحات العامة والمجتمعات، والحفاظ على هوية المدينة، كلها عناصر يمكن أن تعزز قدرة الاقتصاد الحضري على النمو والاستمرار.
ومن ثم، يمكن قراءة المسيرة الاقتصادية للشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم باعتبارها جزءاً من قصة دبي نفسها؛ قصة مدينة تحولت من الاستثمار في الأصول إلى الاستثمار في المكان والإنسان والمستقبل، وأصبح فيها رأس المال الخاص إحدى الأدوات التي تسهم في تحويل النمو الاقتصادي إلى قيمة تنموية واجتماعية أوسع.
تواضع ومسؤولية
ونعى رموز مجتمع الأعمال في دبي الشيخ أحمد بن راشد مستذكرين إسهاماته البارزة في بناء اقتصاد الإمارة.
وقال أحمد بن شعفار، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات لأنظمة التبريد المركزي «إمباور»: ««إنا لله وإنا إليه راجعون». بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره.
ودعت الإمارات اليوم رجلاً من رجالاتها الأوفياء، الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، طيّب الله ثراه. رجل حمل قيم المؤسسين، وخدم وطنه بصدق وإخلاص في ميادين الأمن والرياضة والعمل الوطني، فكان حاضراً في مسيرة دبي والإمارات برؤيته قبل حضوره».
وأضاف: «عرفت الشيخ أحمد عن قرب، فعرفت فيه الأب قبل القائد، والمعلم قبل المسؤول. كان يقود بهدوء الحكيم وبصيرة صاحب الرؤية، لا يرفع صوته، لكن كلمته كانت تصنع الفرق. وكان يؤمن بالإنسان أولاً، ويمنح ثقته لمن يعمل بصدق، ثم يقف خلفه داعماً ومتابعاً حتى يرى الإنجاز يتحقق».
وتابع: «قد تشرفت بالعمل تحت رعايته حين أولاني ثقته الغالية برئاسة مجلس إدارة نادي الوصل، النادي الذي احتضنه منذ ستة عقود حتى صار صرحاً رياضياً وطنياً.
في تلك السنوات، كانت توجيهاته خارطة طريقنا، وكان استقباله لنا التكريم الأكبر مهما حصدنا من ألقاب. وأذكر فرحته ليلة تتويج الوصل بالثنائية في زعبيل؛ لم تكن فرحة رئيسٍ بلقب، بل فرحة أبٍ يرى أبناءه يحققون الحلم الذي آمن به».
وقال: «علّمني أن القيادة الحقيقية تواضعٌ ومسؤولية، وأن النجاح الحقيقي هو ما نغرسه في الإنسان من قيم الانتماء والوفاء والعمل الصادق. وهي دروسٌ لم تبقَ في الملاعب، بل رافقتني وما زالت ترافقني في كل موقعٍ أخدم فيه وطني، وأحرص على أن تبقى حاضرة في كل ما نقوم به».
واختتم قائلاً: «رحل الشيخ أحمد بن راشد، لكنه ترك إرثاً لا يرحل، في وطنه، وفي ميادين الرياضة، وفي قلوب كل من عرفه. يغيب عن أعيننا، ولا يغيب عن دعائنا وقلوبنا. نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم أسرة آل مكتوم الكريمة وشعب الإمارات الصبر والسلوان».
إسهامات بارزة
بدوره، قال الدكتور محمد الزرعوني، الرئيس التنفيذي لسلطة دبي للمناطق الاقتصادية المتكاملة «دييز»: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإلى عموم آل مكتوم الكرام، وأهل دبي والإمارات.
في وفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم. نسأل الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان».
وأضاف: «برحيل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، تفقد دبي أحد أبنائها الذين واكبوا مسيرتها على مدى عقود، وأسهموا في ترسيخ ركائز نهضتها وتطورها.
وقد ارتبط اسمه بمحطات مهمة في مسيرة الإمارة، ولا سيما في تطوير مرافق أسهمت في تعزيز مكانة دبي كوجهة اقتصادية وسياحية ومجتمعية، إلى جانب حضوره ودوره في دعم الرياضة والفروسية، ومواكبته للتحولات الكبرى التي شهدتها الإمارة خلال مراحل مهمة من مسيرتها».
وتابع: «إن ما تركه الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم من أثر في مسيرة دبي سيبقى جزءاً من إرثها، وشاهداً على إسهامات أبناء الإمارة في دعم مسيرتها نحو مزيد من النمو والازدهار.
وفي هذا المصاب الجلل، نسأل الله عز وجل أن يجزي الفقيد خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأن يلهم أسرته وذويه الصبر والسلوان. و«إنا لله وإنا إليه راجعون»».
رجاحة الخلق والمكانة
كذلك نعى خلف أحمد الحبتور، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة «الحبتور»، المغفور له مشيداً بمكانته وما تركه من أثر في دبي والإمارات، ومؤكداً أن ذكراه ستبقى حاضرة لدى كل من عرفه.
وقال الحبتور في تدوينة عبر منصة «إكس» إنه يتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإلى أنجال الفقيد وعموم آل مكتوم وأهل دبي والإمارات.
وأشار إلى أن الشيخ أحمد بن راشد عُرف برجاحة الخلق والمكانة والتقدير، مؤكداً أن فقده يمثل مصاباً لأهل دبي والإمارات.
