حال الإمارات

«المنتج المستقل» يعيد صياغة اقتصادات إنتاج الطاقة في دبي

«المنتج المستقل» يعيد صياغة اقتصادات إنتاج الطاقة في دبي

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 25 سبتمبر 2026 06:51 صباحاً - أحدث اعتماد هيئة كهرباء ومياه دبي نموذج المنتج المستقل للمياه والطاقة تحولاً جوهرياً في طريقة تخطيط مشاريع الإنتاج وتمويلها وتنفيذها وتشغيلها، فمنذ انتقال الهيئة عام 2014 من نموذج الهندسة والمشتريات والبناء التقليدي إلى نموذج المنتج المستقل، الذي يقوم على الشراكة طويلة الأمد مع القطاع الخاص، لم يعد تطوير محطات الكهرباء وتحلية المياه يرتبط بتوفير التمويل الرأسمالي الحكومي الكامل ثم التعاقد على إنشاء الأصل وتسلمه، بل أصبح يستند إلى هيكل استثماري متكامل، يجمع بين وضوح الرؤية، التي تتبناها الحكومة، والقدرة التمويلية والخبرة الفنية للمطورين، والانضباط الذي تفرضه اتفاقيات شراء الطاقة والمياه على الأداء والكفاءة والاعتمادية طوال العمر التشغيلي للمشروع.

تحقيق أثر تراكمي للمنافسة والابتكار والتمويل المنظم في خفض تكلفة الطاقة الشمسية

استقطاب مطورين عالميين يوفر التمويل ويفتح المجال أمام إدخال تقنيات متقدمة في الطاقة

تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني واستثمار فرص التحول في الطاقة والمياه

قال معالي سعيد محمد الطاير، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي لـ«حال الخليج»: توفر البيئة الاستثمارية المحفزة في دبي، إلى جانب وضوح السياسات والأطر التنظيمية، بيئة جاذبة للمستثمرين ومستوى عالياً من الثقة لتمويل المشاريع الكبرى، لافتاً إلى أن نموذج المنتج المستقل للمياه والطاقة يعد أحد أهم التحولات الاستراتيجية، التي اعتمدناها لتسريع تطوير البنية التحتية، وتعزيز كفاءة الإنفاق، واستقطاب الاستثمارات والخبرات العالمية.

وأضاف: «أسهم نجاح هذا النموذج في استقطاب مطورين ومؤسسات تمويلية عالمية، وتعزيز المنافسة والابتكار، وتحسين الكفاءة الاقتصادية للمشاريع، بما يرسخ مكانة دبي وجهة عالمية للاستثمار في مشاريع الطاقة والمياه».

إطار متكامل

وأوضح معالي سعيد الطاير أن هذا النموذج أسهم في إرساء إطار متكامل للشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، يجمع بين التخطيط الاستراتيجي للهيئة والقدرات التمويلية والفنية للمطورين العالميين، مع توزيع المخاطر بصورة أكثر كفاءة وربط العائد بمستويات الأداء والتوافرية والاعتمادية، وانعكس ذلك في استقطاب استثمارات كبرى، وتحقيق أدنى أسعار تنافسية عالمياً لمشاريع الطاقة الشمسية وتحلية المياه، وتسريع تبني التقنيات المتقدمة، بما يدعم أمن الطاقة والمياه، ويعزز تنافسية دبي ومكانتها الريادية عالمياً في قطاعات الطاقة النظيفة والاستدامة.

وتابع: «جاء هذا التحول استجابة لمجموعة مترابطة من الاعتبارات الاقتصادية والفنية، فالنمو المتسارع في دبي يفرض توسعاً مستمراً في قدرات إنتاج الكهرباء والمياه، فيما تتطلب مشاريع الطاقة النظيفة وتحلية المياه الحديثة استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة وخبرات متخصصة وقدرة عالية على إدارة المخاطر، وفي المقابل يتيح نموذج المنتج المستقل للهيئة تنفيذ مشاريع ضخمة ضمن أطر زمنية تنافسية، من دون تحميل ميزانيتها كامل الإنفاق الرأسمالي منذ البداية، مع توزيع المخاطر بين الأطراف، وفق قدرة كل طرف على إدارتها، بدءاً من مخاطر التصميم والإنشاء والتمويل، وصولاً إلى التشغيل والصيانة».

فرق أساسي

ويكمن الفرق الأساسي بين النموذجين في طبيعة العلاقة مع القطاع الخاص، ففي نموذج الهندسة والمشتريات والبناء تتولى الهيئة تمويل المشروع وتحديد مواصفاته، ثم تتعاقد مع مقاول لإنشائه وتسليمه، لتنتقل إليها بعد ذلك مسؤولية تشغيل المشروع، وصيانته، وإدارة مخاطره وأدائه، أما في نموذج المنتج المستقل فتُنشَأ عادة شركة مشروع، تضم الهيئة التي تمتلك نسبة الأغلبية ومطورين ومستثمرين من القطاع الخاص، الذي يتولى تمويل المحطة وتصميمها وبناءها وتشغيلها وصيانتها، فيما تشتري الهيئة الإنتاج بموجب اتفاقية طويلة الأجل تحدد التعرفة، ومستويات التوافرية والكفاءة، ومتطلبات الجودة والأداء، وبهذا تنتقل العلاقة من عقد إنشاء محدود المدة إلى شراكة استثمارية وتشغيلية، تمتد عبر دورة حياة الأصل، ولا يعني ذلك تخلي الهيئة عن دورها الاستراتيجي، بل إعادة تركيزه على التخطيط طويل الأمد، وتحديد احتياجات المنظومة، ووضع المعايير الفنية والبيئية، وإدارة المناقصات التنافسية، ومراقبة الأداء، وضمان أمن الإمدادات وحماية المصلحة العامة.

في المقابل يرتبط عائد المطور بقدرة المشروع على الوفاء بالتزاماته التعاقدية، ما يدفعه إلى دمج اعتبارات التمويل والتصميم والتشغيل والصيانة منذ البداية، واختيار تقنيات أكثر كفاءة واعتمادية، وتقليل الأعطال، وتحسين استهلاك الموارد، والمحافظة على التوافرية الفنية طوال مدة الاتفاقية.

وقال معالي سعيد الطاير: «انعكس هذا الهيكل على اقتصادات الإنتاج، من خلال الانتقال من تقييم تكلفة إنشاء المحطة وحدها إلى احتساب تكلفة الإنتاج على امتداد عمر المشروع، فالمنافسة بين الائتلافات العالمية، والوصول إلى تمويل طويل الأجل، وتوزيع المخاطر بصورة أكثر كفاءة، وربط العائد بالأداء، جميعها عوامل تخفض التكلفة، وتمنح الهيئة رؤية أوضح للأسعار المستقبلية، وظهر ذلك بوضوح في مراحل مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، إذ انخفضت الأسعار التنافسية إلى أدنى الأسعار العالمية، من 5.6 سنتات أمريكية لكل كيلووات ساعة في المرحلة الثانية إلى 2.99 سنت في المرحلة الثالثة، ثم 1.6953 سنت في المرحلة الخامسة، وصولاً إلى 1.6215 سنت في المرحلة السادسة.

وتمثل هذه القيم أسعار العطاءات عند ترسية كل مرحلة، وليست تكلفة موحدة حالية لجميع أصول الهيئة، لكنها توضح الأثر التراكمي للمنافسة والابتكار والتمويل المنظم في خفض تكلفة الطاقة الشمسية».

قطاع المياه

وفي قطاع المياه يُطبق مشروع حصيان لتحلية مياه البحر بالتناضح العكسي المنطق الاقتصادي نفسه، من خلال نموذج المنتج المستقل للمياه، وتبلغ قدرة المشروع 180 مليون جالون إمبريالي يومياً، باستثمارات تقارب 3.4 مليارات درهم، وحقق تعرفة تنافسية بلغت 0.3653 دولار للمتر المكعب، ولا تقتصر أهمية المشروع على التعرفة التنافسية، فهو يربط بين أمن المياه وكفاءة الطاقة والاستدامة، ويستخدم تقنية التناضح العكسي المتقدمة منخفضة استهلاك الطاقة، ومن المقرر أن يرفع المشروع إجمالي القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة في دبي إلى 735 مليون جالون إمبريالي يومياً.

أما الأثر المالي المباشر للنموذج فيظهر أولاً في قدرته على استقطاب رأس المال الخاص وتخفيف الضغط على الإنفاق الرأسمالي للهيئة، ووفق أحدث رقم تراكمي رسمي تم الإعلان عنه أخيراً، استقطب نموذج المنتج المستقل للمياه والطاقة استثمارات إجمالية بقيمة 47.4 مليار درهم منذ عام 2014، ولا يمثل هذا المبلغ وفراً تشغيلياً محاسبياً مباشراً بل رأسمالاً لم تعد الهيئة مطالبة بتوفيره بالكامل من مواردها، بما يتيح إعادة توجيه قدراتها الاستثمارية إلى شبكات النقل والتوزيع والبنية التحتية الذكية، وغيرها من الأولويات.

محفظة

وأشار إلى أن محفظة الهيئة من مشاريع المنتج المستقل للمياه والطاقة يتصدرها مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، الذي تبلغ قدرته الإنتاجية الحالية 3,860 ميجاوات، ومن المقرر أن تتجاوز 8,000 ميجاوات بحلول عام 2030، مقارنة بالمخطط الأصلي البالغ 5,000 ميجاوات، كما تتجاوز حصة الطاقة النظيفة حالياً 21.5 % من إجمالي القدرة الإنتاجية، ومن المتوقع أن تزيد على 36 % بحلول عام 2030، بما يسهم في خفض أكثر من 8.5 ملايين طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً.

وأنجزت الهيئة 5 مراحل من المجمع، وتواصل استكمال المرحلة السادسة بقدرة 1,800 ميجاوات، فيما طُرحت المرحلة السابعة بقدرة 2,000 ميجاوات من الألواح الشمسية الكهروضوئية، مدعومة بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريات بقدرة 1,400 ميجاوات لمدة ست ساعات، وبسعة تخزينية إجمالية تبلغ 8,400 ميجاوات ساعة.

وتعد هذه المرحلة من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية المقترنة بالتخزين بالبطاريات على مستوى العالم، كما تضم المحفظة المرحلة الرابعة من المجمع باستثمارات تبلغ 15.8 مليار درهم، والمرحلة الخامسة باستثمارات تبلغ ملياري درهم، والمرحلة السادسة باستثمارات تقارب 5.6 مليارات درهم، إلى جانب مجمع حصيان لإنتاج الطاقة بقدرة 2,400 ميجاوات، ومشروع حصيان لتحلية المياه.

وتكشف هذه المشاريع أن القيمة الفنية للنموذج لا تنفصل عن قيمته الاقتصادية، فاستقطاب مطورين عالميين لا يوفر التمويل فحسب، بل يفتح المجال أمام إدخال تقنيات متقدمة في الطاقة الشمسية المركزة، والتتبع الشمسي، والتخزين الحراري، وتخزين الطاقة بالبطاريات، والتناضح العكسي، إلى جانب نقل المعرفة وتطوير الكفاءات المحلية، كما أن دمج مسؤوليات التصميم والبناء والتشغيل والصيانة ضمن هيكل تعاقدي واحد يقلل ثغرات التنسيق بين مراحل المشروع، ويمنح المطور حافزاً مباشراً لخفض التكلفة الكلية لدورة الحياة، لا تكلفة الإنشاء الأولية فقط.

وتابع: «يمتد الأثر إلى الاقتصاد الوطني من خلال زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، واستقطاب المصارف والمؤسسات التمويلية الدولية، وتوسيع أعمال الشركات الهندسية والقانونية والمالية والتشغيلية المرتبطة بالمشاريع.

وتوفر الاتفاقيات طويلة الأجل والأطر التشريعية والتنظيمية الواضحة درجة عالية من اليقين الاستثماري وقابلية التمويل، فيما تعزز المنافسة الشفافة ثقة المستثمرين بقدرة دبي على تطوير مشاريع كبرى، ضمن منظومة مؤسسية مستقرة، كما تدعم هذه المشاريع سلاسل التوريد، وتنقل الخبرات، وتخلق فرصاً لتوطين المعرفة والتقنيات المتقدمة، بما يضاعف أثرها خارج حدود المحطات ذاتها».

وبيّن معالي سعيد الطاير أنه بهذا المعنى لا يمثل نموذج المنتج المستقل آلية تمويل بديلة فحسب، بل منصة مؤسسية لإعادة توزيع الأدوار والمخاطر والحوافز بين القطاعين الحكومي والخاص، فالهيئة تحدد الاتجاه الاستراتيجي، وتحافظ على أمن الإمدادات، بينما يقدم القطاع الخاص رأس المال والخبرة والابتكار والقدرة على التنفيذ والتشغيل ضمن معايير ملزمة، وقد حول هذا التكامل الشراكة بين الطرفين إلى محرك لتسريع الإنجاز وتعظيم الكفاءة، ورسخ مكانة دبي مركزاً عالمياً للاستثمار في الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر.

منظومة استثمارية

وقال: «من خلال هذا النموذج استطاعت هيئة كهرباء ومياه دبي مواءمة التوسع في البنية التحتية مع الانضباط المالي والتقدم التقني والاستدامة البيئية، فالنتيجة ليست مجرد محطات إضافية لإنتاج الكهرباء والمياه، بل منظومة استثمارية ترفع قابلية المشاريع للتمويل، وتخفض تكلفة الإنتاج، وتستقطب رأس المال والخبرات العالمية، وتبني أصولاً أكثر كفاءة ومرونة، وهو ما يجعل نموذج المنتج المستقل إحدى الأدوات الرئيسية لدعم استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، واستراتيجية الحياد الكربوني 2050 لإمارة دبي، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وقدرته على تحويل التحول في قطاع الطاقة والمياه إلى فرص للنمو والاستثمار المستدام».

Advertisements

قد تقرأ أيضا