حال الإمارات

غرس زايد.. وطن يكبر بالإنسان ويتصدر مؤشرات العالم

غرس زايد.. وطن يكبر بالإنسان ويتصدر مؤشرات العالم

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 30 سبتمبر 2026 01:51 صباحاً - حملت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، معاني عميقة تختصر مسيرة وطن كبر.

كما أراده مؤسسه، واتسعت إنجازاته ومكانته وطموحاته، فيما بقيت ملامح زايد حاضرة في شخصيته، في الشهامة والهيبة والإنسانية وفي الحكمة والعزيمة والطموح، وفي الرحمة والعطاء والكرم ومحبة البشر، وفي الإيمان بأن بناء الدولة يبدأ بالإنسان ويستمر به.

واختصر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذه المسيرة بقوله: «لقد كبرت .. وبقيت تشبهك»، قبل أن يرسم في رسالته صورة لما أصبحت عليه بلاد الشيخ زايد، ملتقى لملايين البشر، ودولة وصلت بعلمها ومعرفتها إلى الفضاء، ونافست باقتصادها وتجارتها الكبار، وتقدمت بعطائها، وقدمت نموذجاً للتسامح والتعايش، وبقيت مع كل ما طرأ عليها من تحولات كبرى، تحمل القيم التي أرساها مؤسسها في سنوات التأسيس.

وهذه الصورة التي رسمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن بلاد الشيخ زايد، تختصر مسيرة عقود من البناء المتواصل، انتقلت خلالها الإمارات من تأسيس الاتحاد وبناء مؤسسات الدولة وتوفير مقومات التنمية الأساسية، إلى دولة تنافس اليوم على المراكز الأولى عالمياً.

وتمتلك بنية تحتية متقدمة واقتصاداً متنوعاً، وتمضي بطموحاتها العلمية إلى الفضاء والمريخ، وتستثمر في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا وقطاعات المستقبل، فيما ظل الإنسان محور هذه المسيرة وغايتها، وبقيت قيم العطاء والشهامة والتسامح والكرم حاضرة في نهج الدولة ومواقفها، بالتوازي مع اتساع منجزاتها ومكانتها وحضورها العالمي.

وتعود جذور المكانة التي بلغتها الإمارات إلى رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه والتي استشرفت منذ البدايات دولة تتجاوز في طموحها حدود إمكانات المرحلة، إذ لم ينظر الشيخ زايد إلى البناء باعتباره استجابة لاحتياجات لحظية،.

أو مشروعاً يكتمل بتأسيس المؤسسات وتوفير الخدمات، بل مسيرة طويلة تبدأ ببناء الإنسان وتمكينه، وتمتد إلى استثمار الموارد في التعليم والصحة والعمران والتنمية، وتأسيس قاعدة قادرة على حمل طموحات الأجيال المتعاقبة ومواصلة التقدم نحو آفاق أوسع.

فكانت الأولويات واضحة، ارتكزت على بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمساكن، وربط المناطق وتأسيس المؤسسات والتشريعات، وتحسين حياة الناس، واستثمار الثروة في صناعة مستقبل لا ينتهي بانتهاء مورد أو جيل.

ومن تلك البدايات، أخذت الإمارات تتغير بسرعة، لكن التغيير لم يكن مجرد توسع عمراني، كانت الدولة تبني في الوقت ذاته المؤسسات والإنسان والاقتصاد، وتفتح أبوابها للعالم، وتؤسس لعلاقة مختلفة بين التنمية ونوعية الحياة، حتى تحولت خلال عقود قليلة إلى مركز اقتصادي وتجاري ومالي وسياحي ولوجستي وعلمي، وموطن لملايين الأشخاص من ثقافات وجنسيات مختلفة.

فالتحول الذي شهدته الإمارات لم يجعلها أكبر اقتصادياً وعمرانياً فقط، وإنما وسع قدرتها على استيعاب العالم داخل مدنها ومجتمعها واقتصادها، لتصبح بيئة للعيش والعمل والاستثمار والتعليم وصناعة الفرص.

وتعكس المؤشرات الدولية خلال النصف الأول من عام 2026 المكانة التي رسختها الإمارات بين الدول الأكثر تنافسية وريادة، إذ حلت في المركز الأول عالمياً في الأداء الاقتصادي والخامس في التنافسية الشاملة ضمن تقرير «IMD».

وجاءت ضمن العشرة الأوائل في 118 مؤشراً، والخمسة الأوائل في 67 مؤشراً، وتصدرت 21 مؤشراً شملت قدرة السياسات الحكومية على التكيف والتوظيف وتوافر الخبرات العالمية وجودة النقل الجوي.

فيما جاءت رابعة عالمياً في كفاءة الحكومة واستثمار الشركات في الذكاء الاصطناعي والإطار القانوني والتنظيمي، كما حافظت على المركز الأول عالمياً للعام الخامس على التوالي في تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال «GEM»، وتصدرت الاقتصادات مرتفعة الدخل في 8 مؤشرات مرتبطة ببيئة ريادة الأعمال.

وامتد الحضور المتقدم إلى مؤشرات القوة والجاذبية والاستقرار، إذ حافظت الإمارات على موقعها ضمن أقوى عشر دول عالمياً في مؤشر القوة الناعمة الصادر عن «براند فاينانس»، ودخلت للمرة الأولى قائمة أفضل عشر وجهات استثمارية عالمياً.

كما تصدرت مؤشر الأمان لعام 2026 وفق «نومبيو»، وحافظت أبوظبي على صدارة مدن العالم الأكثر أماناً للعام العاشر على التوالي، وجاءت الإمارات الأولى عالمياً في الثقة بالحكومات وفق «إدلمان للثقة»، وتصدرت دول العالم في استقطاب الأثرياء وفق تقرير «هينلي» لعام 2026، محققة 85.3 نقطة من 100 في مؤشر تنافسية تنقل الثروات.

دلالة هذه المراتب لا تقف عند حدود الأرقام والتصنيفات، بل تعكس مسيرة طموح وضع أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

وواصلت القيادة الرشيدة حمل رايته والبناء عليها، عبر تراكم متواصل من الإنجازات بدأ بتأسيس مؤسسات الدولة وسن التشريعات والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، واتسع مع تنويع الاقتصاد واستقطاب المعرفة والكفاءات وتبني التكنولوجيا، وصولاً إلى منظومة جعلت التنافسية والريادة مساراً مستمراً يتجدد مع كل مرحلة من مراحل تطور الدولة.

اختصار المسافات

وكان العمران أحد المجالات التي توقف عندها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في وصف ريادة زايد، حين ذكر أنه كان «الأول في العمران والبنيان»، وهي أولوية ارتبطت منذ البداية بحاجة الدولة إلى اختصار المسافات بين مناطقها وتهيئة الأرض لنمو اقتصادي واجتماعي واسع.

ومن طرق محدودة تربط التجمعات السكانية، نشأت شبكة حديثة من الطرق والجسور والمطارات والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات، وأصبحت البنية التحتية إحدى نقاط القوة التي تحمل الاقتصاد وتربط الإمارات بمراكز التجارة والأسواق العالمية.

ومع توسع المدن انتقلت الدولة من بناء البنية اللازمة للحاضر إلى التخطيط لاحتياجات عقود مقبلة، فأصبحت المطارات والموانئ وشبكات النقل والطاقة والاتصالات جزءاً من استراتيجية تستوعب نمواً سكانياً واقتصادياً متواصلاً، ولم يعد مفهوم البنية التحتية مقتصراً على الطريق والجسر والميناء والمطار.

بل امتد إلى البنية الرقمية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات والمنصات الحكومية الذكية والقدرات التقنية، لتصبح البنية الحديثة منظومة متكاملة تجمع بين ما يبنى على الأرض وما يدعم التحول في الفضاء الرقمي.ومن البنية التي حملت نمو الدولة إلى الإنسان الذي حمل طموحاتها، شكل التعليم أحد أهم مرتكزات هذه المسيرة منذ سنوات التأسيس.

وهو ما يستحضره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين يذكر أن الشيخ زايد كان الأول في «نشر المدارس في ربوع وطننا»، وبين تلك المدارس التي وضعت اللبنات الأولى لبناء أجيال متعلمة، ووصول أبناء الإمارات ومشروعاتها العلمية إلى الفضاء، تتجسد واحدة من أبرز صور التحول الذي صنعه الاستثمار المتواصل في الإنسان والمعرفة.

وكان التعليم في بدايات الاتحاد شرطاً لبناء الدولة الجديدة، لأن المؤسسات التي كانت تنشأ تحتاج إلى أبناء الوطن، والاقتصاد الذي كان يتوسع يحتاج إلى المعرفة والمهارات، والمستقبل الذي كان زايد ينظر إليه يحتاج إلى أجيال تستطيع حمل مسؤولية ما سيأتي بعد مرحلة التأسيس.

علوم الفضاء

وبعد عقود من الاستثمار في التعليم، انتقل أبناء الإمارات من مقاعد المدارس التي انتشرت في مختلف مناطق الدولة إلى الجامعات ومراكز البحث والمختبرات والقطاعات التقنية، ثم إلى صناعة الأقمار الاصطناعية وعلوم الفضاء والوصول إلى محطة الفضاء الدولية والمريخ.

ومع دخول «مسبار الأمل» مدار المريخ في 9 فبراير 2021، حلت الإمارات خامس دولة في التاريخ تصل إلى مدار الكوكب الأحمر، وأول دولة تحقق ذلك بنجاح من محاولتها الأولى، فيما شكلت المهمة أول مشروع عربي وإسلامي لاستكشاف كوكب آخر.

ولأن الطموح الإماراتي لا يتوقف عند إنجاز، تمضي الدولة بمعرفتها وخبراتها المتراكمة نحو آفاق أبعد، من خلال مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، المقرر إطلاقها في الربع الأول من عام 2028، في مشروع يفوق «مسبار الأمل» من حيث التعقيد.

ويغطي نحو خمسة مليارات كيلومتر خلال رحلة تمتد لسنوات، بمشاركة فريق وطني يضم كفاءات من مؤسسات علمية وبحثية إماراتية متعددة، في امتداد لمسار انتقلت فيه الإمارات من الوصول إلى الفضاء إلى بناء المعرفة والخبرة اللازمتين لاستكشافه.

وخلف هذه المنجزات تقف رحلة أطول بدأت بالاستثمار في الإنسان، فما بين المدرسة التي شيدت لتفتح أمام الطفل الإماراتي أبواب العلم، والمركبة التي تبنى اليوم لتقطع مليارات الكيلومترات في الفضاء، تتجسد ثمار عقود من بناء القدرات الوطنية وتوسيع آفاق المعرفة جيلاً بعد جيل.

وفي قلب هذا التطور، ظل الإنسان المشروع الأكبر والغاية التي تتقدم معها الدولة، وهو ما اختصره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله: «زايد بنى دولة.. وبنى إنساناً.. وصنع رابطاً عميقاً بين الإنسان والوطن».

ومع تطور الدولة تغيرت احتياجات الإنسان واتسعت معها أدوات تمكينه، وانتقلت الأولوية من توفير التعليم إلى جودة التعليم والمهارات المتقدمة، ومن توفير الوظيفة إلى بناء الكفاءات القادرة على المنافسة، ومن استخدام التكنولوجيا إلى المشاركة في تطويرها.

ومن استيراد المعرفة إلى إنتاجها، ولهذا يقف الإماراتي اليوم في مواقع علمية وتقنية واقتصادية ودبلوماسية وعسكرية وفضائية لم تكن موجودة عند قيام الاتحاد، فيما أصبح الاستثمار في الكفاءات الوطنية محوراً للمشروعات الكبرى التي تدخلها الدولة.

وفي خضم النمو والإنجازات لم تترك الإمارات التي كبرت اقتصاداً وعلماً وعمراناً خلفها منظومة القيم التي قامت عليها، ولهذا جاءت عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم واضحة: «تشبهك في شهامتك... وهيبتك.. وإنسانيتك».

فالشهامة في إرث زايد لم تكن صفة شخصية منفصلة عن الحكم، بل تحولت إلى سلوك دولة، في الوقوف مع المحتاج، وإغاثة المنكوب، ومساندة الشقيق والصديق، والاستجابة للأزمات والكوارث، ومد اليد إلى الإنسان دون أن يكون اختلاف الجغرافيا أو الدين أو الثقافة حاجزاً أمام الواجب الإنساني.

ومنذ تأسيس الدولة ارتبط اسم الإمارات بالمساعدات الخارجية والعمل الإنساني، فيما تعود مأسسة هذا النهج إلى عام 1971 نفسه، حين أُسس صندوق أبوظبي للتنمية، لتسير يد البناء داخل الدولة بالتوازي مع يد تمتد إلى خارجها لدعم التنمية وتحسين حياة المجتمعات المحتاجة، وهو ما جعل الدولة تتصدر في سنوات سابقة المؤشرات العالمية للمساعدات قياساً إلى الدخل القومي الإجمالي.

ويجد وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للإمارات بأنها «كبرت كرماً ومحبة» امتداده اليوم في منظومة إنسانية وتنموية تعمل في مناطق مختلفة من العالم، عبر مؤسسات وطنية وجهات حكومية وخيرية وتنموية، وتشارك في الاستجابة للكوارث والأزمات، ودعم قطاعات الصحة والتعليم والمياه والغذاء والبنية الأساسية.

وتؤكد السياسة الإماراتية للمساعدات الخارجية أن هدفها يتجاوز الاستجابة الآنية إلى خفض الفقر، ودعم السلام والازدهار، وتحسين الخدمات الأساسية ونوعية الحياة في المجتمعات المستفيدة، مع اهتمام خاص بالنساء والأطفال والمتضررين من الكوارث والنزاعات.

ومن التعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية والعطاء والريادة إلى تمكين الشباب والمرأة والأسرة وأصحاب الهمم وكبار المواطنين، اتسعت المنظومة مع اتساع إمكانات الدولة وتغير احتياجات المجتمع.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الإمارات وطناً لملايين المقيمين من مختلف الجنسيات والثقافات، يعملون ويعيشون جنباً إلى جنب، في مجتمع تشكل التنوع فيه بالتوازي مع النمو الاقتصادي.

وهنا يظهر معنى آخر لعبارة «بقيت تشبهك»، فالدولة التي كبرت وأصبحت ملتقى ملايين البشر حافظت على قيمة إكرام الضيف والانفتاح على الآخر، لكن بمؤسسات وتشريعات ونظم تناسب دولة عالمية حديثة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا