ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 06:06 صباحاً - الذكاء الاصطناعي ومخططات الأبراج.. تدقيق أسرع للمراجعة الهندسية
من المصنع إلى موقع المشروع.. تقنيات البناء المعياري ترفع سرعة وكفاءة التنفيذ
تتجه دبي إلى إعادة صياغة مستقبل قطاع البناء والتشييد، عبر تطوير منظومة متكاملة، تجمع بين الذكاء الاصطناعي والرقمنة وتقنيات البناء المسبق والأنظمة الروبوتية، بالتوازي مع تحديث الأطر التنظيمية والتشريعية، بما يواكب التحولات المتسارعة في القطاع.
وتركز بلدية دبي على تطوير رحلة ترخيص المباني، ورفع كفاءة مراجعة المخططات الهندسية، واستكشاف أساليب تنفيذ أكثر سرعة وكفاءة، مع إخضاع التقنيات الجديدة للدراسة والاختبار قبل اعتمادها.
وقالت المهندسة مريم المهيري، المدير التنفيذي لمؤسسة تنظيم وترخيص المباني في بلدية دبي، لـ«حال الخليج»، إن البلدية تعمل بصورة مستمرة على تطوير رحلة ترخيص المباني، والاستفادة من الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي، لتعزيز كفاءة الإجراءات، وتقليص المدد اللازمة لإنجازها، خصوصاً في المشاريع الكبرى التي تتطلب تكاملاً بين عدد من الجهات والمتطلبات الفنية والتنظيمية.
وأوضحت أن البلدية تدرس فرص توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم مراجعة المخططات الهندسية، والتحقق من توافقها مع عدد من المتطلبات الفنية، بالتوازي مع استكشاف إمكانات تقنيات البناء المسبق، والأنظمة الروبوتية، وغيرها من أساليب البناء الحديثة.
وأشارت إلى أن دبي شهدت خلال الفترة الماضية تطوير عدد من التشريعات والأطر المنظمة لقطاع البناء، فيما يأتي «ليغاثون مستقبل البناء» كمنصة لاستشراف الاحتياجات المستقبلية للقطاع، من خلال مناقشة التقنيات الناشئة، وما قد تتطلبه من تطوير على مستوى الأنظمة والاشتراطات والإجراءات.
وأكدت أن الهدف يتمثل في النظر إلى شكل البناء في المستقبل، والتقنيات التي يمكن أن يكون لها دور أكبر في مختلف مراحل المشروع، ومن ثم دراسة ما تحتاج إليه المنظومة التشريعية والفنية لمواكبة تلك التحولات.
تطوير رحلة الترخيص
وقالت المهيري إن تسريع وتبسيط إجراءات إصدار رخص البناء، يمثل أحد المسارات الرئيسة ضمن جهود تطوير منظومة البناء، مشيرة إلى أن مدد إنجاز المعاملات تختلف بحسب طبيعة المشروع وحجمه ومتطلباته الفنية والتنسيقية.
وأوضحت أن بلدية دبي تواصل دراسة فرص تطوير رحلة الترخيص، والاستفادة من التكامل الرقمي والذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة المراجعات، وتقليل الإجراءات التي يمكن أتمتتها، بما يدعم الوصول مستقبلاً إلى مدد إنجاز أكثر كفاءة، خصوصاً للمشاريع الكبرى.
وأضافت أن المشاريع الكبيرة ترتبط عادة بعدد من المتطلبات والموافقات وشهادات عدم الممانعة من الجهات المعنية، ما يجعل التكامل بين الأنظمة والجهات عاملاً أساسياً في تسريع رحلة المتعامل، فيما يمكن للحلول الرقمية أن تدعم تنفيذ جانب أكبر من عمليات المطابقة، والتدقيق بصورة آلية، مع استمرار دور المختصين في التحقق من المخرجات واعتمادها.
وأوضحت المهيري أن أحد المجالات التي يجري العمل عليها، يتمثل في دراسة توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم عمليات مراجعة المخططات الهندسية، بما يشمل العناصر المعمارية والإنشائية وأنظمة الكهرباء والخدمات الميكانيكية والمتطلبات المرتبطة بموافقات الجهات ذات العلاقة.
وأشارت إلى أن الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن مستقبلاً أن تسهم في إجراء جزء من عمليات المطابقة، والتحقق بصورة أسرع، ورصد الملاحظات الفنية، وإتاحتها للاستشاري لمراجعتها وتصحيحها، الأمر الذي يدعم كفاءة دورة المراجعة، ويتيح للمهندسين التركيز على الجوانب التي تتطلب حكماً وخبرة فنية متخصصة.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة داعمة للمهندس، وليس بديلاً عن دوره، وأن عمليات التحقق والتصديق والاعتماد تبقى ضمن مسؤولية الفرق الفنية المختصة، وفق الأنظمة والضوابط المعتمدة.
وحول مراجعة مخططات الأبراج والمشاريع الكبيرة، أوضحت المهيري أن حجم وتعقيد المشروع، ينعكسان بصورة مباشرة على الوقت المطلوب للمراجعة، لافتة إلى أن وجود نماذج متكررة في عدد من طوابق المباني العالية، يوفر فرصة للاستفادة من الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تنفيذ بعض عمليات الفحص والمقارنة بصورة أكثر كفاءة، مع تركيز المراجعة البشرية على العناصر الأكثر تعقيداً أو اختلافاً.
وأكدت أن تطبيق هذه الحلول سيظل مرتبطاً بمراحل الاختبار والتحقق من دقتها وموثوقيتها، وقدرتها على التعامل مع مختلف الحالات الفنية.
وأشارت المهيري إلى أن تطوير قطاع البناء، يشمل كذلك أساليب التنفيذ في مواقع المشاريع، حيث يشهد القطاع تطوراً ملحوظاً في وتيرة الإنجاز، مع دخول تقنيات وأساليب بناء أكثر تقدماً.
ولفتت إلى أن بعض المشاريع في دبي تسجل معدلات متقدمة في تنفيذ الطوابق، مدعومة بتطور منهجيات إدارة المشاريع، وتقنيات البناء والتصنيع المسبق، موضحة أن انتقال جزء من عمليات البناء من الموقع إلى بيئات تصنيع متخصصة، يمكن أن يسهم في تعزيز الكفاءة، وتقليل الوقت المطلوب لبعض مراحل التنفيذ، مع الحفاظ على المتطلبات الفنية، ومعايير السلامة والجودة.
وأكدت أن البناء المعياري والمسبق، يمثل أحد المسارات التي يحظى بها قطاع البناء الحديث باهتمام متزايد، إذ يعتمد على تصنيع أجزاء أو وحدات من المبنى ضمن بيئة مصنع خاضعة للرقابة، قبل نقلها إلى موقع المشروع، وتجميعها وتركيبها.
وأضافت أن البلدية تدرس، بالتعاون مع الشركاء، فرص توسيع نطاق استخدام هذه التقنيات، ودراسة قابليتها للتطبيق ضمن أنواع وارتفاعات مختلفة من المباني، بما في ذلك المباني العالية، وفقاً لنتائج الاختبارات والدراسات الفنية ومتطلبات السلامة.
وأشارت إلى أن الأنظمة الروبوتية وغيرها من التقنيات المرتبطة بالأتمتة، تمثل كذلك أحد المجالات التي يشهدها قطاع البناء عالمياً، الأمر الذي يستدعي الاستعداد تنظيمياً وفنياً لدراسة تطبيقاتها، ومدى ملاءمتها لبيئة البناء في دبي.
اختبار التقنيات قبل اعتمادها
وأكدت المهيري أن تبنّي أي تقنية بناء جديدة، يخضع لمسار فني وتنظيمي متكامل، للتحقق من مستوى السلامة والكفاءة، ومدى ملاءمتها للظروف المحلية.
وأوضحت أن بعض الحلول الحديثة قد تمر بمراحل تجريبية، بحسب طبيعة التقنية ونطاق استخدامها، بهدف تقييم أدائها، والتحديات المحتملة قبل اتخاذ أي خطوات نحو توسيع نطاق استخدامها.
وأضافت أن عمليات التقييم تأخذ في الاعتبار السلامة والظروف المناخية والبيئية، والعمر الافتراضي للتقنيات، ومدى مواءمتها للأنظمة والمعايير المطبقة في دبي.
وأكدت أن نجاح تقنية معينة في سوق أو دولة أخرى، لا يعني بالضرورة قابليتها للتطبيق بالشكل ذاته في دبي، إذ تتطلب كل تقنية دراسة وفق متطلبات البيئة المحلية، وطبيعة المشاريع، والمعايير التنظيمية المعتمدة.
وأشارت إلى أن «ليغاثون مستقبل البناء»، الذي نظمته بلدية دبي، بالتعاون مع مؤسسة دبي للمستقبل، يمثل إحدى المنصات التي تسهم في دراسة هذه التحديات، وتهيئة البيئة التنظيمية لاستيعاب الابتكارات والتقنيات الناشئة، وفق منهجية توازن بين تسريع الابتكار، وضمان السلامة والكفاءة.
نموذج تشاركي
من جانبه، أكد محمد أحمد الحداد، مدير إدارة الشؤون القانونية في بلدية دبي، أن «ليغاثون مستقبل البناء» يشكل نموذجاً تشاركياً، يجمع الجهات الحكومية وممثلي قطاع البناء والتشييد والمبتكرين والمتخصصين، لمناقشة التحديات التنظيمية والتشريعية المرتبطة بتقنيات البناء الناشئة.
وأوضح أن المبادرة تستهدف دراسة الأنظمة والتشريعات والاشتراطات والضوابط الفنية ذات الصلة، واستكشاف المجالات التي قد تحتاج مستقبلاً إلى التطوير لمواكبة التحولات في قطاع البناء.
وأضاف أن مشاركة الأطراف المعنية من خارج الجهات الحكومية، تضيف بعداً عملياً مهماً لعملية تطوير التشريعات، إذ ينقل المقاولون والاستشاريون التحديات والخبرات من واقع الميدان، فيما يقدم رواد الأعمال والمبتكرون رؤيتهم حول التقنيات والحلول الناشئة، إلى جانب الاستفادة من الخبرات الحكومية والممارسات الدولية.
وأشار إلى أن العمل يتضمن الاطلاع على تجارب عالمية في عدد من الأسواق المتقدمة، ودراسة مدى إمكانية الاستفادة من عناصرها وتطويرها، بما يتناسب مع طبيعة ومتطلبات منظومة البناء في دبي.
وأكد الحداد أن مخرجات «الليغاثون» تخضع للمراجعة والدراسة من جانب الفرق الفنية والقانونية المختصة، بهدف تقييم الأفكار والمقترحات، وتحديد ما يمكن تطويره منها ضمن الأطر التنظيمية والتشريعية.
وأوضح أن المنهجية تبدأ بتحديد التحديات الفعلية التي تواجه القطاع، ودراسة الحلول التقنية والممارسات ذات الصلة، وصولاً إلى مخرجات فنية يمكن للفرق المختصة تقييمها من الناحية التنظيمية والقانونية.
وأضاف أن هذه الآلية تسهم في بناء رابط مباشر بين احتياجات الميدان، وعملية تطوير الأطر التنظيمية، مؤكداً أن أي مقترحات تشريعية ناتجة عن هذه العملية، تبقى خاضعة لمراحل الدراسة والمراجعة، والاعتماد وفق الإجراءات والاختصاصات المعمول بها.
آفاق واسعة
وفي ما يتعلق بمستقبل الإجراءات الحكومية، أوضح الحداد أن الذكاء الاصطناعي والتكامل الرقمي يفتحان آفاقاً واسعة لإعادة تصميم رحلة المتعامل، وتطوير نموذج الخدمات الحكومية، ليصبح أكثر بساطة وكفاءة واستباقية.
وأشار إلى أن المسألة لا تقتصر على اختصار عدد الخطوات أو زمن إنجاز المعاملة، وإنما تمتد إلى دراسة الحاجة إلى كل إجراء، وما يمكن إنجازه بصورة آلية أو استباقية، اعتماداً على تكامل البيانات والأنظمة.
