ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 7 أكتوبر 2026 06:06 صباحاً - ترتبط قضية الأمن الفكري بحماية المجتمع من الأفكار المتطرفة أو المعتقدات الدخيلة والمغلوطة، لكن في العصر الرقمي بات المفهوم أوسع ويتقاطع مباشرة مع الأمن السيبراني والإعلام والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي خضم الفضاء الرقمي، نعيش مرحلة مفصلية عنوانها الارتقاء بالوعي ومواكبة تطورات التكنولوجيا وانعكاساتها على حالة الاستقرار والطمأنينة لدى الأفراد والمجتمع، فثمة سيل متدفق من المعلومات والصور والمقاطع والرسائل تضخ في هذا الفضاء، بعضها موثوق، والآخر مضلل أو مجتزأ أو مصمم بعناية للتأثير في مواقفه وقناعاته.
ولم يعد التحدي منع وصول المعلومة إلى الإنسان، وإنما يكمن في قدرته على التعامل معها بوعي، والتحقق من مصادرها، وفهم سياقها، والتمييز بين الحقيقة والتضليل.. ومن هنا تبرز قضية الوعي المجتمعي للتصدي لما يهدد أمنه الفكري.
وشدد الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات ورئيس المجموعة الإقليمية العربية للجنة الدراسات الـ17 بقطاع تقييس الاتصالات في الاتحاد الدولي للاتصالات SG17RG-ARB، على أن الشائعات الرقمية والتزييف العميق من أبرز التحديات المعاصرة لتأثيرها المباشر في ثقة الجمهور.
وكشف أن البنية التحتية الرقمية للدولة تتعرض يومياً لما يتراوح بين 90 ألفاً وأكثر من 200 ألف هجمة سيبرانية تُحبط استباقياً دون أي تأثير في استمرارية الخدمات، وأن 71.4 % من هذه التهديدات تقف خلفها مجموعات تهديد متقدمة مدعومة من دول.
وفي ذروة التصعيد الإقليمي أوضح أن الهجمات قفزت إلى أكثر من 600 ألف هجمة يومياً خلال الأزمة، وبلغت نحو 800 ألف هجمة يومياً في فترة الهدنة، بأنماط مركبة وظفت الذكاء الاصطناعي وحملات التضليل الممنهجة المستهدفة للرأي العام، وجرى التصدي لها جميعاً دون أن يشعر المواطن أو المقيم بأي خلل.
وقال الكويتي: «الإرهاب السيبراني يراهن على غفلة المتلقي قبل ثغرات الأنظمة، ونحن في دولة الإمارات نغلق الثغرتين معاً، بمنظومة رصد لا تنام، ووعي لا يُخدع، لأن العقول هي البنية التحتية الأثمن في أي وطن، وتحصينها استثمار لا تعادله تقنية».
مضيفاً بأنه «في دولة الإمارات، تتكامل حلقات المواجهة درعا واحدا والتجربة الإماراتية تقدم نموذجاً يحتذى في هذه المعركة».
4 ركائز
وأشار إلى أن المناعة الفكرية تُبنى على 4 ركائز هي: التفكير النقدي الذي يسائل قبل أن يصدق ويطلب الدليل قبل أن يتبنى، والوعي الرقمي الذي يعرف أساليب المخترقين وممثلي التهديد ويتثبت من المصدر والسياق قبل المشاركة.
والتثقيف الإعلامي المدمج في المدارس والجامعات على النهج الذي ترعاه اليونسكو عالمياً، وتقنيات كشف التزييف والتحقق من المصادر التي تتعقب المحتوى المزيف وتتيح للجمهور قنوات رسمية سريعة للتثبت.
مضيفاً أن «الأمن الفكري اليوم لم يعد محصوراً بالجانب الأيديولوجي فقط، بل أصبح معركة وعي في فضاء مفتوح، سلاحها الأهم عقل متقد ذو مناعة نقدية، قادر على فلترة المعرفة واستيعاب متغيرات العصر بوعي واتزان. فمن يملك وعيه اليوم، يملك أمنه غداً».
كما لفت الكويتي إلى أن تقرير المخاطر العالمية 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي وبعد استطلاع شمل أكثر من 1300 خبير وقيادي، وضع المعلومات المضللة والمغلوطة في المرتبة الثانية بين أخطر مخاطر العالم في أفق العامين المقبلين.
وقال الكويتي: «في تقرير حالة الإرهاب واتجاهاته 2025، دقت وكالة يوروبول، جهاز الاتحاد الأوروبي لإنفاذ القانون، ناقوس الخطر:
تورط القاصرين والشباب في التطرف العنيف ينمو عاماً بعد عام، وتقف خلفه 3 ممكنات رئيسية هي مشكلات الصحة النفسية والعزلة الاجتماعية والاعتماد الرقمي المفرط، فيما تستغل التنظيمات المتطرفة الذكاء الاصطناعي في التجنيد والدعاية والتمويل، وتوظف منصات الألعاب في التدريب الذاتي».
وأضاف أن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب يؤكد أن الجماعات المتطرفة العنيفة باتت تستهدف مجتمعات الألعاب الرقمية التي تضم نحو 3 مليارات لاعب حول العالم، في صناعة بلغت نحو 196 مليار دولار عام 2023، أي خمسة أضعاف صناعة السينما، هناك، بين الجولات والمحادثات، تتسلل الدعاية عبر منصات مثل ديسكورد وتيليغرام وتيك توك، ويجري استدراج صغار السن بأساليب اللعب نفسها، حتى سجلت تقارير الأمم المتحدة انخفاضا لافتا في متوسط أعمار المستقطبين نحو العنف.
وأشار الكويتي إلى أن أخطر أسلحة التضليل اليوم هو التزييف العميق: فيديوهات وأصوات مولدة بالذكاء الاصطناعي تقلد أشخاصاً حقيقيين بدقة يصعب على المتلقي العادي، وأحياناً على المتخصص، كشفها.
ولفت الكويتي إلى جهود تعزيز الوعي، مشيراً إلى أن المجلس أطلق حملات وطنية أبرزها مبادرة النبض السيبراني، وحذر المجتمع من الفيديوهات المعدلة والمجتزأة والخارجة عن سياقها الزمني، مرسياً قاعدته الذهبية: تحقق قبل أن تنشر، فالمصدر الرسمي هو المرجع الوحيد.
ويسند هذا الجهد إطار تشريعي حازم يتقدمه المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، إلى جانب منظومة فكرية رائدة تضم مركز هداية الدولي لمكافحة التطرف العنيف منذ 2012، ومركز صواب الذي يفند منذ 2015 الأفكار الكاذبة التي تروجها التنظيمات المتطرفة ويرفع أصوات الاعتدال في الفضاء الرقمي.
بدوره، رفع المجلس الوطني الاتحادي ممثلاً في لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان والموارد البشرية، توصية يطالب فيها وزارة الأسرة إلى وضع آليات وإجراءات تحد من الأفكار الدخيلة على الأسر الإماراتية التي تفرزها وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت تعديل قرار مجلس الوزراء رقم (68) لسنة 2024 في شأن اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون اتحادي رقم (55) لسنة 2023 في شأن تنظيم الإعلام، بالتعاون مع مجلس الإمارات للإعلام بإضافة معايير المحتوى الإعلامي.
وأوضحت اللجنة بأن التوصيات شملت كذلك، إنشاء مرصد وطني لرصد أثر المحتوى الإعلامي الرقمي على الأسرة وإعداد دراسات دورية لتحليل، وإطلاق برنامج وطني لدعم إنتاج المحتوى الرقمي الإماراتي الموجه للأسرة والشباب، لتعزيز إنتاج المحتوى المحلي المعزز للهوية الوطنية والقيم الإماراتية والحد من الأفكار الدخيلة على المجتمع.
وقالت شيخة سعيد الكعبي، مقرر لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان والموارد البشرية في المجلس الوطني الاتحادي: «في ظل التحولات الرقمية المتسارعة تبرز الحاجة إلى أن تضطلع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بدور إيجابي وفعال في تعزيز التماسك الاجتماعي وصون الهوية الوطنية الإماراتية، وترسيخ القيم الإسلامية والعربية الأصيلة.
إضافة إلى دعم البرامج التوعوية الموجهة للأطفال والشباب والأسرة». وأوضحت أنه بالرغم من الإيجابيات التي توفرها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في تنمية المهارات وتسهيل التواصل والانفتاح على الثقافات العالمية، إلا أن سوء استخدامها والتأثر بمحتواها، كمصدر رئيس للأفكار الدخيلة على المجتمع الإماراتي أدى إلى تغيرات واضحة في أنماط حياة الأفراد، انعكست سلباً في فرض تكوين الأسرة والتنشئة السليمة وترسيخ الهوية الوطنية.
فالمجتمع الإماراتي يعيش اليوم حالة من «التحول الثقافي الرقمي»، إذ تتقاطع فيه قيمه المحلية مع منظومات قيم عابرة للحدود بفعل الانفتاح الإعلامي والتكنولوجي، الأمر الذي يستدعي صياغة سياسات ثقافية رقمية تهدف إلى «تحصين الهوية» وليس عزلها عن العالم.
أولوية
من جهته، شدد وليد علي المنصوري، عضو المجلس الوطني الاتحادي، على ضرورة رفع الوعي الرقمي بشكل أكبر من الوقاية.
وقال المنصوري: نحن اليوم قبل أن نمنع يتوجب علينا أولاً أن نرفع الوعي الرقمي للأسرة وأن نمكن الأسرة من التعامل مع المخاطر الرقمية، لافتاً في الوقت نفسه، إلى أهمية أن يكون هناك فهم لدى الأسرة بمخاطر الإنترنت، خاصة في ظل أن العالم اليوم يشهد ابتزازاً ومحتوى سيئاً واستغلالاً وتنمراً.
وأفاد بأنه يتوجب علينا في البداية أن نضيف آليات وطرقاً لتعزيز الوقاية قبل أن نصل إلى الرقابة، اليوم على الأسرة أن تحمي أبناءها من المنصات الخطرة، مؤكداً على أهمية أن يكون للقطاع الخاص الرقمي دور كبير في هذا الأمر.
ولفت المنصوري إلى ضرورة فتح قنوات تعاون مع المنصات العالمية مثل «يوتيوب» و«ميتا» والمنصات الأخرى، بحيث تكون هنالك آليات حماية فعالة.
بدورها، أكدت هبة بدوي، أخصائية الإرشاد النفسي والأسري والعلاج السلوكي، أن بناء مجتمع رقمي آمن لا ينفصل عن رفع مستوى الوعي لدى أفراده، مؤكدة في الوقت نفسه، أن أفراد المجتمع يشكلون خط الدفاع الأول في الأمن السيبراني، بالتوازي مع دور المؤسسات والجهات الحكومية في حماية الأنظمة والبنية التحتية الرقمية.
وأشارت بدوي إلى أن القفزات المعلوماتية تمثل أحد أبرز تحديات المرحلة الحالية، فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة، لأن الإنسان قد يجد نفسه أمام كم هائل من المحتوى دون امتلاك الأدوات اللازمة لتقييمه. وأوضحت أن أحد أخطر التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية يتمثل في انتقال المستخدم من مجرد متلقٍ للمعلومة إلى مشارك في إنتاجها وتوزيعها.
فبضغطة زر يستطيع الفرد إعادة نشر خبر إلى آلاف الأشخاص، حتى قبل التأكد من مصدره أو صحته، ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على المؤسسات الإعلامية أو شركات التكنولوجيا، وإنما تشمل كل مستخدم للفضاء الرقمي.
الفضاء الرقمي لا يعني غياب المسؤولية القانونية
أكد المحامي علي الحمادي، المتخصص في القضايا المرتبطة بالتقنية، أن الفضاء الرقمي لا يعني غياب المسؤولية القانونية، فحرية التعبير لا تنفصل عن المسؤولية عن المحتوى المنشور، خصوصاً عندما يتحول النشر إلى تشهير أو ابتزاز أو نشر شائعات أو انتهاك للخصوصية أو اعتداء على حقوق الآخرين.
وأشار إلى أن التعامل مع المحتوى الرقمي يحتاج إلى وعي قانوني أيضاً، لأن إعادة نشر مادة مخالفة قد لا تكون فعلاً محايداً، كما أن مشاركة صورة أو تسجيل أو معلومات شخصية من دون مراعاة حقوق أصحابها يمكن أن تترتب عليها مسؤوليات.
وأوضح أن مواجهة المحتوى المضلل لا تعتمد على العقوبات وحدها؛ فالقانون يمثل إحدى أدوات الحماية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الوعي، فكلما ارتفع مستوى الوعي لدى المستخدم، تراجعت فرص استغلاله أو استخدامه كأداة في نشر معلومات مضللة.
ورأت المحامية عبير الدهماني، أن بناء المناعة الفكرية والرقمية ينبغي أن يبدأ في مراحل مبكرة من التعليم، فالطالب اليوم يستخدم الإنترنت في التعلم والتواصل والترفيه، وبالتالي فإن مهارات التعامل مع المحتوى الرقمي أصبحت جزءاً من المهارات الأساسية التي يحتاجها في حياته.
وأكدت أنه من الضروري أن تتضمن العملية التعليمية مبادئ التفكير النقدي، والتحقق من المصادر، وفهم كيفية عمل الخوارزميات، والتعرف إلى الحسابات الوهمية، ومعرفة أساليب الاحتيال الإلكتروني.
فضلاً عن التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي، مشيرة في الوقت نفسه بأن الأمر لا يقتصر الأمر على الطلاب؛ إذ يحتاج المعلمون وأولياء الأمور أيضاً إلى برامج توعوية تساعدهم على فهم البيئة التي يتحرك فيها أبناؤهم.
ونوهت عبير الدهماني بأن الطفل أو الشاب قد يكون أكثر مهارة في استخدام التطبيقات من والديه، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أكثر تعرضاً لمحتوى مضلل أو ضغوط اجتماعية رقمية لا يعرف كيفية التعامل معها.
