الخليج.. أقرب إليكأخبار المنطقة، في صورة أوضح
حال الإمارات

الأسرة الصغيرة استثمار في الــمستقبل

التعليقات (0)

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 16 أكتوبر 2026 08:21 صباحاً - في وقت تواصل فيه دولة تكثيف جهودها الوطنية لدعم الأسرة الإماراتية ونموها، وتخصيص عام 2026 ليكون «عام الأسرة»، يبرز سؤال مشروع: هل الأسرة الصغيرة تعارض هذه التوجهات؟ الإجابة الواضحة: لا، فالأسرة الصغيرة، حين تكون اختياراً واعياً مبنياً على التخطيط والمسؤولية، لا تتعارض مع دعم الدولة للإنجاب، بل تمثل امتداداً طبيعياً لرؤية الدولة في بناء «أسر قوية ومتماسكة وسعيدة».

تؤكد القيادة الرشيدة في جميع المناسبات أن دعم الأسرة الإماراتية ونموها «أولوية وطنية واستثمار استراتيجي في مستقبل الدولة»، وتتجلى هذه الرؤية في الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031، وفي حزمة من السياسات والمبادرات، التي تستهدف تيسير الزواج، وتخفيف الأعباء، وتعزيز الصحة الإنجابية، وهذا يعني أن الأسرة الصغيرة إذا كانت قراراً واعياً يهدف إلى توفير بيئة أفضل للأبناء، فهي جزء من هذه المنظومة، وليست خروجاً عنها، ففي الأسرة الصغيرة يحصل كل طفل على قدر أكبر من اهتمام الوالدين ومواردهما التعليمية، ما يعزز ثقته بنفسه، ويرفع مستوى إنجازه الشخصي والدراسي، هذا يتوافق تماماً مع توجه الدولة نحو «الاستثمار في الإنسان» كونه أساساً للتنمية المستدامة. كما أن الأسرة الصغيرة تتيح للمرأة الإماراتية فرصاً أوسع للتعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، دون التضحية بدورها الأمومي، وهذا جوهر رؤية الدولة في «تمكين الشباب والمرأة» وتعزيز مشاركتهم في مسيرة التنمية. ورصدت «حال الخليج»، من خلال آراء وتجارب أسر إماراتية من أجيال مختلفة، إلى جانب مختصين في الشأن الأسري والاجتماعي، عدداً من الأسباب الرئيسية، التي تقف وراء هذا التحول في حجم الأسرة الإماراتية، تتنوع بين تغير أنماط الحياة والرفاهية، وضغوط العمل وارتفاع الوعي التربوي، وصولاً إلى اختلاف نظرة الأجيال لمعنى الأسرة والإنجاب.

الرفاهية أولوية

وفي هذا السياق، تؤكد الوالدة مريم الظهوري من جيل الخمسينيات، وهي أم لثمانية أبناء، أن الأسرة الإماراتية في الماضي كانت تقوم على مفهوم العزوة وكثرة الأبناء، حيث كانت البيوت تمتلئ بالحياة والبركة رغم بساطة الإمكانات، وكان الأبناء يُنظر إليهم باعتبارهم السند الحقيقي وذخر المستقبل، وتضيف أن اكتفاء بعض الأسر بعدد محدود من الأبناء يعكس تغيراً في القناعات، واتجاهاً نحو البحث عن الراحة الشخصية وتخفيف المسؤوليات، مقارنة بما كانت تتحمله الأمهات في الماضي من صبر وقدرة على إدارة الأسر الكبيرة بقناعة ورضا، موضحة أن التحديات المعيشية ليست العائق الحقيقي أمام الإنجاب في ظل ما توفره الدولة من خدمات ورعاية ومساعدات، بل إن السبب الأبرز يتمثل في تغير نمط التفكير واختلاف الأولويات، لافتة إلى أن اجتماع الأبناء حول والديهم في الكبر يبقى النعمة الحقيقية التي لا يمكن أن تعوضها مظاهر الرفاهية الحديثة.

وفي سياق متصل، أوضحت أمل القبيسي، من جيل التسعينيات ووالدة لثلاثة أبناء، أن ضغوط العمل وطبيعة الحياة اليومية أصبحت من أبرز العوامل التي تؤثر على قرارات الإنجاب وحجم الأسرة، لافتة إلى أن كثيراً من الأمهات العاملات يجدن أنفسهن أمام مسؤوليات متراكمة، تجعل تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية أمراً مرهقاً. وقالت، إن الأم العاملة تقضي ساعات طويلة خارج المنزل، تبدأ منذ الصباح الباكر، وأحياناً قبل استيقاظ أطفالها، ثم تعود في نهاية اليوم وهي منهكة جسدياً ونفسياً، في وقت يحتاج فيه الأبناء إلى وجودها ومتابعتها اليومية، سواء في الدراسة أو الأنشطة أو حتى تفاصيل الحياة البسيطة داخل المنزل.

وترى الدكتورة عائشة الجناحي، كاتبة ومدربة ومحاضرة في شؤون الأسرة والأبناء، أن التحول في حجم الأسرة يعكس عمق التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل مفهوم الأسرة ووظيفتها في العصر الحديث، موضحة أن نموذج الأسرة الكبيرة الذي كان يُنظر إليه سابقاً قوة اقتصادية واجتماعية تراجع لصالح الأسرة النوعية، التي تضع جودة الرعاية والاهتمام بالأبناء في مقدمة الأولويات. وأكدت أن قرار الإنجاب اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بتوفر الخدمات الصحية أو الدعم الاجتماعي، بل أصبح قراراً واعياً ومدروساً، تحكمه اعتبارات تربوية ونفسية عميقة، في ظل حرص الوالدين على توفير تعليم نوعي ورعاية دقيقة ومتابعة مستمرة لكل طفل، الأمر الذي يدفع كثيراً من الأسر إلى تقليص عدد الأبناء، لضمان تحقيق التوازن الأسري، ومنح كل طفل حقه الكامل من الاحتواء العاطفي والتواصل الفعال.

الجودة بدل الكثرة

ومن جانب آخر، قدّمت نورة سلطان فرحان من جيل الأربعينيات، وهي والدة لطفل واحد، صورة مختلفة عن النظرة التقليدية لحجم الأسرة، مؤكدة أن الاكتفاء بطفل واحد في حالتها لم يكن قراراً مخططاً أو مرتبطاً بحسابات مادية أو اجتماعية، بل أمراً ارتبط بإرادة الله تعالى وقناعتهما بما كُتب لهما.

وترى أن الحديث المتكرر اليوم حول تكاليف المعيشة وتأثيرها على قرارات الإنجاب لا ينطبق بالضرورة على جميع الأسر، مشيرة إلى أن كثيراً من العائلات في الماضي كانت تعيش ظروفاً معيشية بسيطة، ورغم ذلك كانت تضم أعداداً كبيرة من الأبناء.

وأكدت أن الدعم الذي توفره الدولة للأسر أسهم في توفير حياة كريمة للمواطنين، معتبرة أن الاستقرار الأسري لا يرتبط بعدد الأبناء بقدر ارتباطه بطريقة التربية والبيئة التي ينشأ فيها الطفل، لافتة إلى أن الطفل الواحد يمكن أن يحظى بحياة مستقرة ومتوازنة، شأنه شأن الأسر الكبيرة.

وترى حليمة الرميثي، وهي أم لأربعة أبناء من جيل الثمانينيات، أن مفهوم التربية تغيّر بشكل كبير مقارنة بالماضي، موضحة أن قرار الاكتفاء بعدد محدد من الأبناء لم يعد مرتبطاً فقط بالقدرة المادية، بل أيضاً بالطاقة النفسية والقدرة على تقديم تربية متوازنة وصحية للأطفال، خصوصاً بالنسبة للأم العاملة.

وتقول، إن متطلبات الحياة اليوم تختلف تماماً عن السابق، سواء من ناحية التعليم أو الأنشطة والترفيه أو حتى طبيعة الحياة الاجتماعية، لافتة إلى أن الأمهات العاملات يواجهن ضغوطاً ومسؤوليات كبيرة تجعل من الصعب الموازنة بين العمل والأسرة في حال وجود عدد كبير من الأبناء، مضيفة أنها تفضّل التركيز على تربية أبنائها بطريقة سليمة وممتعة، وأن تحتفظ بطاقة الأمومة لديها بدل أن تتحول التربية إلى حالة من الاستنزاف اليومي.

نمط حياة

وترى الأستاذة المساعدة في كلية العلوم الإنسانية والباحثة في مجال الأسرة والمجتمع، أمل سالم باصهيب، أنه في السابق كان كثرة الأبناء تُفهم كونها عزوة وقوة وامتداداً للأسرة، وكانت الحياة أبسط، والتوقعات أقل، والتربية جماعية؛ الجدة، الخالة، العمة، والجيران جزء من منظومة التربية. اليوم الأسرة الصغيرة لا تعني بالضرورة ضعف الرغبة في الأبناء، بل تعكس خوفاً أكبر من التقصير، وضغطاً مادياً ونفسياً، ورغبة في تقديم «جودة حياة» أعلى لكل طفل. وأشادت بجهود الدولة وما توفره من خدمات صحية وتعليمية وسكنية ودعماً للأسرة، ولكن في المقابل القرار الإنجابي لم يعد مرتبطاً فقط بتوفر الخدمة، بل أصبح مرتبطاً بنمط الحياة: عمل الزوجين، ارتفاع التوقعات التعليمية، الرغبة في السفر، الخصوصية، الاعتماد على العمالة المساعدة، ضغط السوشيال ميديا، وتأخر سن الزواج. وبينت أنها تلتقي بأزواج يقولون: «نحن نحب الأطفال، لكن نريد أن نربي بوعي»، وآخرون يقولون: «طفلان يكفون حتى نقدر أن نعطيهم تعليماً ووقتاً واهتماماً». هذا التفكير ليس سلبياً بالكامل، لكنه يكشف أن الأسرة اليوم تعيش تحت ضغط الكمال: أم تريد أن تكون موظفة ناجحة، وزوجة حاضرة، وأماً مثالية، وامرأة مهتمة بنفسها، في مجتمع يقارنها دائماً بغيرها. وأوضحت أن المشكلة ليست في أن تكون الأسرة صغيرة، بل في أن يتحول الإنجاب إلى قرار مؤجل دائماً بسبب الخوف. بعض الأزواج يبدأون بقولهم «ننتظر حتى نستقر»، ثم تمر السنوات، ويتحول الانتظار إلى نمط حياة، وهنا نحتاج إلى خطاب متوازن: «لا يضغط على المرأة ولا يختزل قيمتها في الإنجاب، ولا يفرّغ الأسرة من معناها الممتد ودورها الوطني والاجتماعي».

الأمان النفسي

من جهتها، أكدت الدكتورة مريم النعيمي، مستشار أسري وتربوي، أن التحول الدراماتيكي في حجم الأسرة من الكبيرة إلى الصغيرة داخل المجتمع هو نتاج تحولات نفسية وتربوية عميقة، تتجاوز التحديات المادية، موضحة أن مفهوم الأمان الاجتماعي، الذي كان مرتبطاً قديماً بكثرة الأبناء كونه سنداً مستقبلياً، قد تغير جذرياً ليصبح مرتبطاً بالاستقرار الوظيفي والضمانات الصحية والتقاعدية، ما قلل الحاجة النفسية للإنجاب المتكرر. وأشارت النعيمي إلى أن الأسرة الحديثة باتت تنظر إلى الطفل مشروع حياة متكاملاً يتطلب استثماراً نوعياً في الوقت والجهد العاطفي والمتابعة التعليمية الدقيقة، مؤكدة أن التربية لم تعد تلقائية كما في السابق، بل أصبحت تعتمد على الوعي النفسي والسلوكي، وهو ما يجعل فكرة تربية عدد كبير من الأطفال تشكل ضغطاً وعبئاً ذهنياً على الوالدين الراغبين في تحقيق الكمال التربوي.

في المقابل، يؤكد الوالد عبيد الغول من جيل الأربعينيات، والد لـ15 ابناً وابنة، أن فرص الإنجاب وتربية الأبناء اليوم أصبحت أفضل بكثير مقارنة بالماضي، موضحاً أن الحياة قبل قيام الاتحاد كانت مليئة بالمشقة والتعب، حيث كان الرجال ينشغلون بالعمل في البحر أو الزراعة ويقضون فترات طويلة في الغربة بحثاً عن الرزق، فيما كانت المرأة تتحمل أعباء الحياة اليومية من جلب الماء والحطب ورعاية المنزل، الأمر الذي جعل تربية عدد كبير من الأبناء أكثر صعوبة في ذلك الوقت، ويضيف أن مرحلة ما بعد قيام الاتحاد في دولة الإمارات أسهمت في تغيير نمط الحياة بشكل جذري، إذ وفرت الدولة بنية تحتية متطورة وخدمات صحية وتعليمية، ودعماً اجتماعياً، خفف كثيراً من الأعباء على الأسر، ما جعل الحياة أكثر استقراراً وسهولة مقارنة بالماضي، مستغرباً اكتفاء بعض الأسر بطفلين فقط رغم ما يحيطهم من استقرار ورفاهية.

وتتعدد المبادرات والبرامج التي تشجع الشباب على الزواج والإنجاب، وتدعم نمو الأسرة الإماراتية واستقرارها، من خلال تيسير تكوين الأسرة، وتخفيف الأعباء المرتبطة بها، بما يسهم في توفير بيئة أكثر دعماً للشباب لبناء أسر مستقرة ومتنامية.

وفي السياق نفسه، أكدت عفراء الحاي، مديرة مركز النهضة للاستشارات والتدريب بجمعية النهضة النسائية بدبي، أن رفع معدلات الإنجاب يرتبط بالأمن الاجتماعي والديموغرافي واستدامة التنمية، باعتبار الأبناء الثروة البشرية التي ستواصل مسيرة البناء وتحافظ على الهوية والقيم والمكتسبات الوطنية، مشددة على أن تشجيع تكوين الأسر الإماراتية ونموها مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها جهود الأسرة والمؤسسات والمجتمع. وبينت أن دعم نمو الأسرة الإماراتية يتطلب تهيئة بيئة تساعد الشباب على تجاوز التحديات المرتبطة بتأسيس الأسرة، ولا يقتصر على الرسائل التوعوية لتشجيع الإنجاب، مشيرة إلى أن برامج الجمعية تبدأ من الاستعداد للزواج، وتمتد إلى التوعية والاستشارات الأسرية، وتعزيز الاستقرار وتشجيع الأبوة والأمومة الإيجابية.

وأوضحت أن جمعية النهضة النسائية تعمل من خلال برامجها التوعوية والتدريبية والمجتمعية على مساندة الشباب في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في بداية حياتهم الأسرية، وتنمية مهارات إدارة الموارد والتخطيط والمسؤولية، بما يسهم في تخفيف الصعوبات التي قد تؤخر تكوين الأسرة أو تؤثر في نموها.

وأشارت إلى أن العرس الجماعي «زفة حراير» يمثل إحدى المبادرات التي تستهدف تخفيف جانب من الأعباء المادية والاجتماعية عن المواطنين المقبلين على الزواج، ما يشجع الإنجاب المبكر، وتعزيز الوعي بأهمية نمو الأسرة الإماراتية. وكشفت أنه حتى منتصف عام 2026 نُفذ 43 عرساً جماعياً، استفاد منها نحو 696 شاباً وشابة، وأسهمت الزيجات الناتجة عنها في تكوين أسر بلغ عدد أبنائها قرابة 420 طفلاً، ما يعكس امتداد أثر المبادرات من تيسير الزواج إلى دعم الاستقرار الأسري، والنمو السكاني. وتبقى المعادلة ليست «عدد أكبر» مقابل «عدد أقل»، بل «كيف نربي جيلاً يصنع المستقبل؟»، والإجابة قد تكون في أسرة متوازنة، واعية، ومستقرة.

اقرأ أيضًا

أخبار ذات صلة