ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 05:21 صباحاً - يختزن المشهد الإعلامي العالمي تحولات جذرية وغير مسبوقة، عنوانها الأبرز تفكك الأطر التقليدية التي طالما احتكرت منبر التأثير والتوجيه، فلم تعد صناعة الرأي العام أو الوصول إلى الملايين حكراً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، والصحف العريقة، وشبكات المراسلين العابرة للقارات، بل أتاح العصر الرقمي الحديث فرصة تاريخية للأفراد لكسر كل الحواجز الجغرافية واللغوية.
لقد تراجعت هيمنة «البوابة الإعلامية» التقليدية التي كانت تحدد ما يصله المشاهد ومتى يصله، لتتحول مقاليد الانتشار إلى الخوارزميات الرقمية والمنصات الذكية.
وهنا يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه بقوة على مستقبل صناعة الاتصال: كيف يستطيع محتوى منتج بجهود فردية ضيقة أن يعبر الحدود والقارات متجاوزاً إمكانات مؤسسات ضخمة؟
وهل بات صانع المحتوى الفرد قادراً بحق على حشد وتأسيس جماهير تفوق في حجمها وتأثيرها جماهير مؤسسات إعلامية متكاملة؟
للإجابة عن هذه التساؤلات تتشابك رؤى الخبراء والممارسين لتكشف عن معادلة جديدة قوامها الأصالة الإنسانية، والمصداقية، والقدرة على مخاطبة الوجدان الجمعي متخطية حدود الزمان والمكان، لترسم بذلك ملامح إمبراطوريات إعلامية بديلة توظف أدوات العصر الحديث لإعادة هندسة الوعي الإنساني.
سلطة الخوارزميات
تؤكد صانعة المحتوى جيان الغدار أن المحتوى المعاصر لم يعد رهينة للوسيلة التقليدية التي أنتجته، بقدر ما يرتبط بقدرته الفائقة على بلوغ وجدان الجمهور مباشرة.
وتشير الغدار إلى أن المؤسسة الإعلامية كانت تمثل في الماضي البوابة الحصرية التي تمنح المحتوى شرعية الانتشار عبر قنواتها المعتمدة وشبكات مراسليها، عازلة الجمهور عن كل ما لا تتوافق مع أجندتها الزمنية أو المكانية.
وفي المقابل انتقلت هذه الوظيفة المحورية اليوم إلى المنصات الرقمية وخوارزمياتها الذكية، إذ تمتلك هذه التقنيات القدرة الفائقة على دفع مادة بصرية أو نصية أنتجها فرد واحد لتستقر أمام جماهير موزعة على عشرات الدول خلال زمن قياسي لا يتجاوز ساعات معدودة، واللافت في هذا المشهد المستحدث هو تراجع هيمنة اللغة المشتركة كشرط أساسي للتواصل، حيث بات المحتوى قادراً على عبور الحدود بلغة الصورة والتجربة البصرية الخالصة.
التأثير الخليجي
على صعيد التطبيق العملي في المنطقة، يرى صانع المحتوى الإماراتي عبدالله الشامسي أن حركة انتشار المؤثرين في دولة الإمارات لم تبلغ بعد المدى الواسع الذي يؤهلهم لعبور القارات وبناء قواعد جماهيرية عالمية ضخمة، وفي المقابل استطاع عدد من صناع المحتوى في دول خليجية شقيقة أن يتجاوزوا حدود الإقليم الجغرافي ليبنوا حضوراً راسخاً وممتداً داخل قارات ومجتمعات متنوعة.
ويؤكد الشامسي أن هذا الاختراق الخارجي لا يعد مجرد قياس كمي بأعداد المتابعين أو حجم الانتشار السطحي على المنصات، بل ينبع أساساً من جوهر المحتوى وطبيعته الموضوعية.
ويوضح الشامسي أن المحتوى القادر على اختراق الحواجز الجغرافية واللغوية هو ذلك الذي يتصل مباشرة بمشاعر الناس وتجاربهم الإنسانية العميقة، فالمشاعر والقضايا المشتركة للبشر لا تتوقف عند حدود رسمتها الدول.
وفي هذا السياق، يحذر الشامسي من السقوط في فخ الانشغال بالانتشار السريع والأرقام الوهمية على حساب القيمة الحقيقية للمادة المقدمة، ويرى أن المحتوى السطحي أو التافه قد يحقق تفاعلاً رقمياً هائلاً وملايين المشاهدات في فترة وجيزة، إلا أن أثره يتبدد سريعاً وتبقى ذاكرته قصيرة الأجل.
ونوه بأن النجاح الحقيقي لصانع المحتوى لا يُختزل في حصد مقطع عابر لملايين المشاهدات، بل يكمن في القدرة على صيانة ثقة الجمهور، وتقديم مادة تتسم بالقيمة المعرفية أو الوجدانية التي تجعلها قابلة للبقاء والتذكر عبر الزمن.
وبذلك تظل معادلة «المصداقية والجودة» هي الضمانة الحقيقية والركيزة الأساسية التي تتيح لأي فرد الوصول إلى جماهير أوسع وتأسيس تأثير مستدام يتخطى الحدود المؤسسية والجغرافية جمعاء.
من جانبه، قال صانع المحتوى عمر حمدان إن الفرد يستطيع اليوم امتلاك جمهور يتجاوز جمهور مؤسسات إعلامية، بعدما تراجعت بصورة كبيرة تكلفة الوصول إلى الناس، فلم يعد الشخص بحاجة إلى مطبعة أو تردد إذاعي أو قناة تلفزيونية أو شبكة توزيع دولية، إذ يمكن لهاتف واحد أن يتحول إلى استوديو إنتاج، ولمنصة واحدة أن تصبح وسيلة نشر عالمية.
وأشار إلى أن عبور الحدود لا يحدث لأن المحتوى «جيد» فقط، وإنما لأن الجمهور نفسه أصبح شريكاً في انتشاره، موضحاً أن شخصاً قد يشاهد مقطعاً في الإمارات ويرسله إلى صديق في الهند، ثم يعاد نشره مترجماً عبر حساب في أوروبا، قبل أن يصل إلى جمهور في أمريكا، وبذلك أصبح الجمهور نفسه شبكة توزيع للمحتوى، وليس مجرد متلقٍ له.
وأوضح أن التكنولوجيا والأجهزة الذكية غيرت كذلك طبيعة العلاقة بين الفرد والمتابع، فالمؤسسة الإعلامية تتحدث غالباً باسم علامة تحريرية، بينما يستطيع الفرد التحدث باسمه وبأسلوب شخصي وبسرعة كبيرة، وهو ما يمنح صانع المحتوى قدرة على بناء مجتمع حوله، وليس فقط جمع المشاهدات.
وذكر أن هذه القوة تحمل في المقابل مسؤولية كبيرة، فعندما يمتلك الفرد ملايين المتابعين، يمكن لأي معلومة يقدمها أن تنتشر بالسرعة نفسها التي تنتشر بها المعلومة الموثوقة.
ولذلك فإن امتلاك الجمهور لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المتابعين، وإنما بمدى الثقة التي بناها صاحب المحتوى وقدرته على تقديم معلومات واضحة ومسؤولة، مؤكداً أن التكنولوجيا أعطت الفرد قوة الوصول، لكنها لم تلغِ الحاجة إلى المهنية.
حدود الاتصال
من جهته، قال صانع المحتوى خير البوارشي إن الإجابة عن قدرة المحتوى على الوصول عالمياً تكمن في أن الحدود نفسها تغيرت، فالحدود السياسية والجغرافية ما زالت قائمة، إلا أن حدود الاتصال أصبحت أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى، والمحتوى الذي كان يحتاج في السابق إلى مؤسسة كي ينتقل من بلد إلى آخر يستطيع اليوم أن ينتقل عبر الجمهور نفسه، معتبراً ذلك أحد أكبر التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية.
وأشار إلى أن الفرد لم يعد بحاجة إلى امتلاك مؤسسة إعلامية حتى يكون مؤثراً، وإنما يحتاج إلى فكرة يعرف كيف يقدمها، وإلى الوصول إلى جمهور يرى نفسه فيها، وقد يبدأ هذا الجمهور بعشرات الأشخاص قبل أن يتحول إلى آلاف أو ملايين من خلال المشاركة وإعادة النشر والتوصيات الآلية.
وأوضح أنه لهذا السبب أصبح من الممكن أن نجد فرداً لديه جمهور عالمي أكبر من جمهور بعض المؤسسات الإعلامية، إلا أن الاختلاف الأساسي يكمن في طبيعة القوة التي يمتلكها كل طرف.
فالمؤسسة تمتلك قوة الاستمرارية والموارد والفرق المتخصصة، بينما يمتلك الفرد سرعة الحركة والقرب من الجمهور والقدرة على بناء علاقة مباشرة معه، وفي بعض الحالات يستطيع الفرد أن يكون أسرع من غرفة أخبار كاملة في التقاط قصة أو ظاهرة جديدة.
الهوية المحلية
من جهتها، قالت صانعة المحتوى والمصورة الإماراتية ميثاء الرميثي إن قدرة المحتوى على عبور الحدود لم تعد مرتبطة بحجم الجهة التي تقف خلفه بقدر ارتباطها بمدى صدقه وقدرته على ملامسة الإنسان.
مشيرة إلى أن المنصات الرقمية منحت الفرد مساحة كانت في السابق تحتاج إلى منظومة إعلامية متكاملة للوصول إليها، وأصبح بإمكان قصة تُصنع بإمكانات بسيطة أن تنتقل خلال ساعات إلى جمهور في دول وثقافات مختلفة.
وأوضحت أن تجربتها في صناعة المحتوى الثقافي والتراثي أظهرت أن الهوية المحلية لا تشكل عائقاً أمام الوصول إلى جمهور عالمي، بل يمكن أن تكون أحد أهم عناصر قوة المحتوى، لأن الجمهور لا يبحث دائماً عما يشبه ما يعرفه، وإنما ينجذب أيضاً إلى القصص التي تفتح له نافذة على ثقافات وتجارب مختلفة.
وأضافت أن التفاصيل الإماراتية في التراث والحرف والبيئة المحلية يمكن أن تصل إلى شخص لا يتحدث العربية عندما تقدم من خلال صورة قوية وقصة واضحة وسرد بصري قادر على نقل المعنى، لافتة إلى أن الصورة أصبحت في كثير من الأحيان لغة تسبق الكلمات.
وأشارت إلى أن تطور أدوات الترجمة والذكاء الاصطناعي ساعد صناع المحتوى على تجاوز الحاجز اللغوي، إلا أن التقنية وحدها لا تصنع محتوى عالمياً، إذ تبقى الفكرة وطريقة سردها وقدرتها على إثارة الفضول أو المشاعر عوامل أساسية تدفع الجمهور إلى التفاعل والمشاركة.
