ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 28 أكتوبر 2026 09:21 مساءً - من إطفاء بؤر التوتر قبل تحولها إلى حروب مفتوحة، إلى إعادة الاعتبار للوساطة والدبلوماسية الوقائية، تطرح معالي لانا نسيبة، وزيرة دولة، مرشحة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، رؤية قيادية لدور أممي فاعل لحل النزاعات بحث ركزت على ضرورة إنقاذ الأرواح قبل سقوط الضحايا، وأن نجاح الدبلوماسية لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرتها على منع الانفجار وصناعة تسويات قابلة للاستمرار.
في قاعة مجلس الوصاية بمقر المنظمة بنيويورك، خلال طرح رؤيتها حول مستقبل قيادة المنظمة والتحديات العالمية الراهنة، فتحت معاليها نقاش أعمق حول مستقبل إدارة الأزمات الدولية، ودور الدبلوماسية الوقائية في منع الخلافات السياسية قبل التحول إلى حروب وأنها ستعمل مع الشركاء لبناء الثقة، وتنشيط عمل المنظمة عبر العمل الخيري، والاعتراف بقيمة وكرامة كل إنسان.
تكمن أهمية الدعوة إلى التحرك المبكر في أنها تعيد تعريف مفهوم النجاح الدبلوماسي. ففي كثير من الأزمات الدولية، يُقاس نجاح الوساطات بقدرتها على التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد اندلاع المواجهات، أو التفاوض على تسوية بعد أن تصبح الخسائر البشرية والمادية واقعاً يصعب تغييره.
رسالة واضحة
حرصت معالي لانا نسيبة على إرسال رسالة واضحة للعالم بأن الدبلوماسية الوقائية هي العنصر الأهم في منع نشوب النزاعات وأنها تحظى بالكثير من الاهتمام، وقالت: «إن العمل المبكر على منع الأزمات أكثر فاعلية من التعامل معها بعد تفجرها».
ووضعت مرشحة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة خريطة طريق للسلام العالمي، من خلال التركيز على الدبلوماسية الوقائية التي يتوجب على الأمم المتحدة منحها الأولوية ضمن استراتيجيتها المستقبلية، بإتاحة المجال أمام أطراف النزاع للتراجع عن التصعيد بأقل كلفة سياسية ممكنة. حيث إن الوساطة تمثل إحدى الأدوات الرئيسية للدبلوماسية الوقائية، إذ لا يكون هدفها دائماً التوصل فوراً إلى تسوية شاملة، وإنما قد تركز على فتح قنوات الاتصال، ونقل الرسائل، وتوضيح النوايا، وتجنب الحرب، حيث تضع دولة الإمارات الحوار والمساعي الحميدة والتسوية السلمية في صميم سياستها الخارجية، بتوطيد السلم والأمن الدوليين، عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية. وهو ما يجعل من الموقف الإماراتي رسالة إيجابية في لحظة إقليمية ودولية تحتاج إلى مثل هذه الرسائل، لتجنب الانزلاق إلى صراعات جديدة، ولإعطاء شعوب المنطقة فرصة للعيش في سلام واستقرار وازدهار.
معادلة واضحة
تضع تصريحات مرشحة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، العالم أمام معادلة واضحة: كلما تأخر التحرك الدبلوماسي، ارتفعت كلفة النزاع، وتقلصت فرص التسوية، واتسعت دائرة الخسائر البشرية. حيث تواجه الأمم المتحدة تحدياً يتجاوز تعدد الحروب والأزمات، فهو يتعلق أيضاً بقدرتها على التأثير في قرارات الدول، وفي مثل هذه الظروف، تصبح الدبلوماسية الوقائية أكثر إلحاحاً، بحيث تصبح المنظمة أكثر سرعة في الاستجابة، وأكثر قدرة على منح العاملين في الميدان الصلاحيات والموارد اللازمة، وأكثر استعداداً للعمل مع الوسطاء الإقليميين الذين يستطيعون الوصول إلى الأطراف المعنية بالنزاع.
وتنطلق معالي لانا نسيبة من هذه المعادلة في رؤيتها، إذ ترى أن قوة الأمين العام لا تتحدد فقط بالصلاحيات الرسمية، بل أيضاً بالثقة التي يحظى بها، وبقدرته على التواصل مع الحكومات المتخاصمة، وتقديم الخيارات العملية، وتحويل النفوذ الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة. من هنا، فإن الرهان على التحرك المبكر لا يعني أن الأمم المتحدة ستتمكن من منع جميع الحروب، بل عليها أن تستثمر ما تملكه من أدوات قبل أن تضيق فرص الحل.
معالجة الأسباب
ومن هذه الزاوية، يصبح حقن الدماء معياراً سياسياً وأخلاقياً لنجاح الوساطة، لكنه ليس معيارها الوحيد؛ إذ ينبغي أن تقود الخطوات الإنسانية، متى أمكن، إلى معالجة الأسباب السياسية التي أنتجت النزاع، حتى لا يتحول وقف مؤقت للعنف إلى مجرد استراحة تسبق جولة جديدة من القتال.من هذا المنطلق، لا يقاس نجاح الوساطة فقط بما تفضي إليه من اتفاقات، وإنما أيضاً بقدرتها على منع الأزمات من التصعيد. فالوساطة تستطيع دائماً تجاوز الحسابات الاستراتيجية للدول. لكنها تعني أن ترك الأزمات تتفاقم من دون تدخل سياسي جاد يجعل الحلول أكثر صعوبة وكلفة، ويقلّص المساحة المتاحة أمام الوسطاء.وتشكل الدبلوماسية الوقائية خط الدفاع الأول أمام الأزمات، إذ تقوم على التحرك المبكر لمنع تحول الخلافات والنزاعات إلى صراعات مسلحة، أو الحد من اتساع نطاق الصراعات القائمة، حيث يتيح التدخل المبكر فتح قنوات الاتصال وإيجاد مساحات للتسوية قبل تفاقم الأزمات. وأن تظل الحلول السياسية الخيار الأول والأساسي لتسوية النزاعات، بما في ذلك مراجعات جميع الأدوات التي تشكل هيكل السلام في الأمم المتحدة، وتحقيق التكامل الأفضل للوقاية.
مسار سياسي
وقد دافعت معالي لانا نسيبة في رؤيتها للأمم المتحدة عن هذا النوع، معتبرة أنها ليست حلولاً مؤقتة عديمة الجدوى، بل خطوات يمكن أن تؤسس لمسار سياسي أوسع إذا جرى البناء عليها ومتابعة تنفيذها. كما دعت إلى التعاون مع الوسطاء الإقليميين والجهات التي تحظى بثقة أطراف النزاع، بدلاً من افتراض أن المنظمة الدولية يجب أن تقود كل عملية وساطة بمفردها. وهنا تبرز إحدى النقاط المهمة في التجربة الإماراتية حيث أن قيمة الوساطة لا تكمن في تفعيلها بعد الحروب، بل في القدرة على توظيف العلاقات الدبلوماسية لفتح الأبواب المغلقة في أي نزاع، وتقريب وجهات النظر، وتوفير الظروف اللازمة لوقف التصعيد وحقن الدماء.
فالرؤية تقوم ليس فقط على منع الحرب من الاندلاع، وإنما أيضاً منع عودة النزاع بعد توقفه، عبر معالجة جذوره السياسية والاقتصادية، وإعادة بناء الثقة، وتوفير الضمانات اللازمة لتثبيت السلام. الدبلوماسية الوقائية وغني عن القول أن الدبلوماسية الوقائية ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لدولة الإمارات، حيث تتبناها كخيار استراتيجي أمثل لمعالجة النزاعات، وتكثيف الحوار السياسي، ودعم الاستقرار الإقليمي والعالمي، حيث تواصل الدولة اتصالاتها المكثفة مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتشجيع خفض التصعيد وبناء جسور التواصل الشامل بين كافة الأطراف المعنية. وتستند هذه الجهود الدبلوماسية إلى رؤية استراتيجية تسعى إلى حماية المقدرات التنموية وتوفير بيئة آمنة تضمن ازدهار الشعوب.
تسوية
الرؤية الإماراتية تقوم على الدبلوماسية الوقائية كخيار استراتيجي عبر بناء مسارات تفاوضية تتيح تحويل التوترات إلى فرص للتفاهم. وهي رؤية تستحق أن تُقرأ بعمق من قبل صناع الرأي، وتمثل خريطة طريق للتسويات الأممية، حيث لا تنظر الإمارات إلى الوساطة باعتبارها أداة ظرفية، بل بوصفها أحد المبادئ المؤسِّسة لسياستها الخارجية، إذ تتيح العلاقات الاستراتيجية للدولة الوصول إلى القوى المؤثرة، بينما تمنحها الوساطة والمساعدات وبناء الثقة القدرة على التواصل مع أطراف أخرى قد يصعب على القوى الكبرى الوصول إليها، وهو ما عزز قبولها وسيطاً ومنحها مساحة أوسع للتحرك.
إنجازات دبلوماسية
باتت الإمارات تعرف بأنها عاصمة الوساطة وحل النزاعات، بعد أن حققت جهودها ومساعيها في هذا المضمار إنجازات رائعة أشاد بها العديد من دول العالم ومؤسساته ذات الصلة، فقد أسهمت بشكل كبير في تعزيز السلام والأمن والاستقرار في العديد من الأقاليم. يبلغ مجموع الوساطات الإماراتية التي تمّت خلال حرب أوكرانيا 27 وساطة، والتي تأتي انطلاقاً من العلاقات المتميزة التي تجمع دولة الإمارات بكل من روسيا الاتحادية وأوكرانيا، ليصل العدد الإجمالي للأسرى الذين تم تبادلهم بين البلدين في هذه الوساطات إلى 8,537 أسيراً.
تمتلك دولة الإمارات اليوم سجلاً ثرياً يُحتذى في هذا الخصوص، لذا فإن مواقف الدولة على الصعيد الدبلوماسي كانت موضع احترام وتقدير من كافة دول العالم، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية الدولية وغيرها، وأصبحت دولة الإمارات من الدول التي يُعول عليها لتحقيق السلم والأمن والتنمية.الكاتب
