ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 29 أكتوبر 2026 07:36 مساءً - مكالمة واحدة كانت كافية لتهديد أكثر من مليون درهم، على الطرف الآخر شخص يقول إنه يمثل جهة حكومية، يخبر الضحية بأن حسابها المصرفي «مشبوه»، وأن الأمر عاجل، ويحذرها من إخبار أحد، ثم يقدم لها ما يبدو في لحظة الخوف حلاً سريعاً: تحويل الأموال إلى حساب آخر حتى انتهاء إجراءات «التحقق».
القصة حقيقية، وكادت تنتهي بخسارة المبلغ، قبل أن تتمكن شرطة دبي من استعادته وإعادته إلى صاحبته.
لكن بالنسبة إلى شيخة المهيري، مديرة الإعلام والتسويق في مركز دبي للأمن الإلكتروني، فإن القصة تكشف ما هو أبعد من وسيلة احتيال جديدة.
المحتال هنا لم يحتج إلى اختراق تقني معقد، بقدر حاجته إلى استغلال الخوف والضغط والاستعجال، وهي إشارات تقول المهيري إنها تتكرر حتى عندما تتغير أشكال الاحتيال.
وقالت المهيري، في حديثها لـ«حال الخليج»، إن من أكثر الأساليب التي تُلاحظ حالياً أن يمارس المحتال الضغط على الضحية ويحرمها من الوقت الكافي للتفكير.
وفي الواقعة الأخيرة، استغل المحتال صفة جهة حكومية لإقناع الضحية بأن حسابها موضع اشتباه، طالباً منها نقل أموالها إلى حساب آخر.
وتؤكد التفاصيل المنشورة عن القضية أن المحتال حذرها كذلك من إخبار أي شخص، قبل أن تتمكن شرطة دبي، عقب تلقي البلاغ، من استعادة أكثر من مليون درهم.
وهذه تحديداً الفكرة التي يحاول مركز دبي للأمن الإلكتروني نقلها إلى الجمهور عبر حملة «لا تنغش»: قد تتغير الرسالة والصوت والصورة والسيناريو، لكن بعض العلامات التي تسبق الاحتيال تتكرر.
فالحملة، التي أطلقها المركز بالتزامن مع شهر التوعية بالأمن السيبراني، تركز على إشارات مثل الاستعجال والضغط، وطلب السرية، والطلبات غير المعتادة، ومحاولة منع الشخص من التحقق بشكل مستقل.
وهي علامات أصبحت أكثر أهمية مع تطور أدوات الاحتيال من الرسائل وانتحال الشخصيات إلى الصور والأصوات والمستندات المتلاعب بها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
«يدوه سلامة» تمسك بالمحتال
لكن كيف تُشرح هذه المخاطر لجمهور لا يعمل في التكنولوجيا أصلاً؟
اختار المركز الإجابة بشخصية بعيدة عن الصورة التقليدية لخبير الأمن السيبراني: «يدوه سلامة»، جدة إماراتية افتراضية تتمتع بالفطنة والتأني ولا تتسرع في تصديق ما يصل إليها.
وتوضح المهيري أن اختيار شخصية الجدة جاء بهدف جعل الرسالة أقرب إلى المجتمع وأسهل في الوصول إلى مختلف أفراده، خصوصاً أن الأمن الإلكتروني، كما تقول، «ليس فقط للناس التقنية، هو لجميع أفراد المجتمع».
أما اسم «سلامة»، فيحمل بدوره دلالة مباشرة على السلامة والأمن.
وشخصيتها مبنية على فكرة بسيطة: لا تتسرع، واسأل دائماً قبل اتخاذ القرار: هل ما أراه حقيقي أم مزيف؟
وتتحول «يدوه سلامة» في الحملة إلى الشخصية التي «تقبض» أسبوعياً على المحتال، لتنقل رسالة تتكرر في جميع السيناريوهات: وسائل الخداع تتطور، لكن التدقيق في العلامات التحذيرية يمنح المستخدم فرصة للتوقف قبل الوقوع في الفخ.
هل تستطيع اكتشاف الاحتيال؟
وهذه الرسالة تحولت كذلك إلى تجربة تفاعلية، وتشرح المهيري أن اللعبة التي قدمتها الحملة للجمهور تضع المشاركين أمام سيناريوهات تتضمن مقاطع فيديو ورسائل نصية ورموز استجابة سريعة، ثم تطلب منهم اكتشاف العلامة التي تكشف محاولة الاحتيال.
قد تأتي مثلاً رسالة تخبر المستخدم بأنه فاز بجائزة، لكن الحصول عليها يتطلب دفع «رسوم توصيل»، وهنا تصبح مطالبة المستخدم بالدفع هي الإشارة التي يفترض أن تجعله يتوقف ويفكر.
وفي مثال آخر، يظهر رمز استجابة سريعة مزيف موضوع فوق الرمز الحقيقي، بينما يختبر سيناريو مختلف قدرة المشارك على التمييز بين الفيديو الحقيقي و«التزييف العميق». وتذكر المهيري مثالاً على مقطع أثار الشك بسبب خلل بصري ظهر فيه، مشيرة إلى أن سرعة اكتشاف العلامات الصحيحة تحدد موقع المشارك في لوحة النتائج.
ولا تنفصل هذه الأمثلة عن تحول أوسع في الاحتيال الرقمي، فبحسب البيانات التي استند إليها الإعلان الرسمي للحملة، ارتفعت محاولات الاحتيال المتطورة ومتعددة المراحل التي رصدتها منصة Sumsub بنسبة 180% خلال 2025 مقارنة بـ2024، لترتفع حصتها من 10% إلى 28% من إجمالي حالات احتيال الهوية التي رصدتها المنصة.
التوعية تصل إلى فنجان القهوة
ولكي لا تبقى الرسالة محصورة في المنصات الرقمية، تقول المهيري إن المركز تعاون مع أكثر من 30 مقهى ومطعماً في دبي، حاملاً الحملة إلى أماكن يقضي فيها الناس جزءاً من يومهم.
ووُضعت مواد الحملة على الأكواب، متضمنة رمز استجابة سريعة ينقل الجمهور إلى المنصة التوعوية والتجربة التفاعلية.
ووفق الأرقام التي كشفت عنها المهيري خلال المقابلة، سجل الرمز أكثر من 10 آلاف عملية مسح خلال أقل من أسبوع.
كما أشارت إلى الوجود المباشر للحملة في «الخوانيج ووك» من 22 إلى 30 من الشهر، من خلال منصة أتاحت للجمهور تجربة اللعبة التفاعلية والمشاركة في جوائز.
أما الحملة الأوسع، فأكد الإعلان الرسمي أنها امتدت طوال أكتوبر عبر منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الرقمية والإعلانات الخارجية والفعاليات المجتمعية، بالتعاون مع جهات حكومية وخاصة.
وتخصص الحملة كذلك مسابقات تبلغ القيمة الإجمالية لجوائزها 230 ألف درهم، تستهدف طلبة الجامعات وصناع المحتوى وأفراد المجتمع وفرق مراكز العمليات الأمنية في الجهات الحكومية بدبي.
