تـأخـر سن الزواج انعكاسات اجتماعية وصحية واقتصادية

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 22 يناير 2026 12:06 صباحاً - تحقيق - سعيد الوشاحي ومريم العدان

Advertisements

في زمن غير بعيد، كان تجاوز الشاب أو الفتاة سن العشرين دون زواج يثير تساؤلات واستغراباً، في ظل نظرة مجتمعية ترى الزواج خطوة طبيعية مبكرة مرتبطة بالاستقرار وتكوين أسرة وتحمّل المسؤولية، غير أن هذه النظرة شهدت تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث استبدلت بالأسئلة القديمة عبارات جديدة، مثل «بعدك صغير»، و«عيش حياتك وعقب عرس»، وتطوّر الأمر لدى البعض إلى ترسيخ قناعة بوجود عمر محدد للزواج قد لا يقل عن الثلاثين أو الخمسة والثلاثين، وربما يتجاوز ذلك، ويربطون النضج بتقدم العمر، وأنه كلما تأخر سن الزواج كان الزوجان أكثر وعياً ومسؤولية.

ويظهر الاستطلاع الذي أجرته «حال الخليج» عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، تعمّق هذه القناعة التي نقلت الزواج من كونه قراراً مرتبطاً بجاهزية الفرد في سن مبكرة، إلى كونه اليوم مقترناً بعمر محدد، وذلك ما أكدته نتائج التصويت، حيث أيد %49 من المشاركين عبر منصة «إكس»، و36 % عبر «إنستغرام» فكرة ربط الزواج بسن معينة في مؤشر يعكس تغير نظرة الجيل الحالي إلى هذا المفهوم.

السن لا تحدد الجاهزية

ويرى بخيت محمد المقبالي أن الزواج في سن مبكرة، لا سيما في المناطق الريفية، لا يزال خياراً شائعاً ومفضلاً لدى الكثير من الأسر، إذ غالباً ما يتم قبل سن العشرين أو بعد ذلك بقليل. ويضيف أن هذا التوجه يأتي حرصاً من الأهالي على تأمين الاستقرار الاجتماعي لأبنائهم في مرحلة مبكرة من حياتهم، إلى جانب غرس مفهوم تحمل المسؤولية الأسرية منذ الصغر، وهو ما يمثل علامة فارقة مقارنة بالمناطق الأخرى.

وأكد أن تأخير الزواج قد يفتح الباب أمام عزوف الشباب عنه مستقبلاً، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة وتبدل الطموحات، مشيراً إلى أن السن الأنسب للزواج من وجهة نظره تتراوح بين 18 و22 عاماً، لأنها المرحلة التي تتيح للفرد بناء أسرته والنمو معها نفسياً واجتماعياً.

العمر ليس معياراً

في المقابل، يقول أحمد الهاشمي، إن العمر وحده لا يمكن اعتباره معياراً ثابتاً للزواج، ويؤكد أن الجاهزية للارتباط تختلف من شخص لآخر تبعاً لعوامل متعددة، أبرزها النضج الشخصي، والاستقرار المالي، والرغبة الحقيقية في الزواج، موضحاً أن التركيز على سن معينة قد يغفل الفروق الفردية بين الأشخاص من حيث الاستعداد النفسي والعاطفي والقدرة على تحمل المسؤولية.

وأضاف أن ذلك يفرض ضغوطاً اجتماعية غير مبررة على الشباب والشابات، ويحيل الزواج من خيار حياتي واعٍ إلى سباق مع الزمن قد يؤدي أحياناً إلى قرارات متسرعة تنعكس سلباً على استقرار الأسرة على المدى البعيد، مشيراً إلى أن البعض كان يبرر تأخر الزواج أو العزوف عنه بأسباب مثل كثرة الأعباء المالية وارتفاع تكاليف السكن والمهور ومتطلبات تأثيث المنازل، إلى جانب الضغوط الاقتصادية العامة، بينما برزت أخيراً مفاهيم مغلوطة عن الزواج بأنه تقييد ومسؤولية لا يمكن الإيفاء بها إلا في سن معينة، مع الترويج لعبارات «بعدك صغير»، و«ليش مستعجل»، و«عيش حياتك وبعدها تزوج»، ما غذى فكرة تأجيل الزواج حتى منتصف الثلاثين وما بعده.

الاعتماد على الأسرة

وقالت رشا النقبي، إن من أبرز أسباب تأخر سن الزواج اليوم، خاصة لدى الرجال، هو الاعتماد المتزايد على الأسرة، حيث بات بعض الشباب يتكئون على الأهل في تسيير شؤون حياتهم، ما يقلل شعورهم بالمسؤولية والاستعداد لتكوين أسرة مستقلة، مشيرة إلى أن الزواج في السابق كان يتم في سن مبكرة، وكان مبنياً على وعي حقيقي، بينما تغيرت المعايير اليوم وغذت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الصورة المثالية المبالغ فيها عن الزواج، ما جعل البعض يتردد في خوض التجربة خوفاً من عدم القدرة على مجاراة هذه التوقعات، في وقت لفتت فيه إلى أن للبيئة والأهل تأثيراً مباشراً في وعي الرجل والمرأة تجاه الزواج سواء بشكل إيجابي أو سلبي.

تبعات اجتماعية ونفسية

وترى باسمة محفوظ علي أن تأخر سن الزواج يحمل تبعات اجتماعية ونفسية، خاصة في المجتمعات المحافظة التي لا تزال تنظر إلى الزواج كمرحلة أساسية في حياة المرأة، موضحة أن التأخير كان يضع المرأة تحت ضغط دائم من المحيط الاجتماعي، حتى وإن كانت ناجحة مهنياً ومستقرة، وأن بعض الفتيات يؤجلن الزواج بسبب الخوف من فشل التجربة في ظل ارتفاع معدلات الطلاق، معتبرة أن هذا الخوف مشروع، لكنه قد يتحول إلى تردد دائم. كما رأت أن الزواج رغم تحدياته يظل شراكة إنسانية قائمة على التفاهم وتحمل المسؤولية المشتركة.

الشراكة والاستقلالية

ويرى ثاني بن سالمين البدواوي أن الزواج لا يُعد عبئاً نفسياً، بل شراكة حقيقية تقوم على الاستقلال وبناء الأسرة، ويمثل ستراً للزوج والزوجة، وأساساً للاستقرار الاجتماعي، مضيفاً أن نمط الحياة اليوم تغير بشكل ملحوظ، ما انعكس على نظرة بعض الأفراد للزواج.

وأوضح أن استقلال بعض الفتيات مادياً أسهم في تراجع التفكير بالزواج لديهن في ظل شعورهن بعدم الحاجة إلى شريك يشاركهن متطلبات الحياة الزوجية، إلى جانب الرغبة في الابتعاد عن المسؤوليات المرتبطة بتكوين أسرة، مضيفاً أن امتلاك الفتاة لدخل ثابت واستقلال مالي كامل دون شراكة في الالتزامات قد يدفعها إلى تأجيل الزواج أو العزوف عنه نتيجة عدم الرغبة في مشاركة شخص آخر متطلبات الحياة اليومية أو مسؤولية الأبناء.

قرار صعب

وقالت شوق الحربي، إن قرار الزواج أصبح اليوم أكثر صعوبة مقارنة بالسابق، ليس بسبب العزوف عنه، بل بسبب ارتفاع مستوى الوعي لدى الأفراد، موضحة أن المسؤولية باتت أوضح، ومعنى الشراكة أكثر حضوراً في وعي الشباب والفتيات، مشيرة إلى أن الزواج لم يعد قراراً يتخذ بدافع الاستعجال أو الهروب، بل خطوة تحتاج إلى قناعة حقيقية واستعداد نفسي، وأن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت أحياناً في رفع سقف التوقعات، لكنها كشفت واقعاً أحادياً عن العلاقات والتحديات عند فشل الحياة الزوجية دون التطرق لحالات النجاح، ما أسهم في تكوين نظرة سلبية وخاطئة تجاه الزواج.

كما ذكرت أن سبب تردد بعض الفتيات في الإقدام على الزواج يتمثل في غياب الاستقرار النفسي والتفاهم، والخوف من الارتباط بشريك غير قادر على تحمل المسؤولية، مشيرة إلى أن التردد لا يرتبط بالمظاهر أو الشكل الخارجي، بل بجوهر العلاقة وقدرتها على الاستمرار.

ظاهرة عربية

إلى ذلك، قال الدكتور أحمد العموش، أستاذ علم الاجتماع التطبيقي بجامعة الشارقة، إن تأخر سن الزواج بين الشباب ليس قضية إماراتية أو خليجية فقط، بل ظاهرة اجتماعية تسود المجتمع العربي منذ عقدين، نتيجة الانفتاح الحضاري وتغير الأولويات لدى الشباب من الجنسين، حيث لم يعد الزواج المطلب الأول، فقد سبقه التعليم والوظيفة والرفاه الاجتماعي، مضيفاً أن تفشي ظاهرة تأخر الزواج أدى إلى تناقص حجم الأسرة أولاً، وبروز فروقات فكرية بين الأبناء والوالدين ثانياً بسبب الفارق العمري الكبير، ما يتسبب في صعوبات في التربية ويضع الأبناء في عزلة اجتماعية بسبب شعورهم بالوحدة وغياب الفكر الذي يحتضن رغباتهم.

تأثير في الخصوبة

وأوضحت الدكتورة نعمة السيد جميل، أخصائية أمراض النساء والتوليد، أن تأخر الزواج لما بعد منتصف سن الثلاثين لا يعد خطراً مباشراً، لكنه يرتبط بتراجع الخصوبة وازدياد مضاعفات الحمل مع التقدم في العمر، مشيرة إلى أن انخفاض عدد البويضات وجودتها مع ارتفاع نسبة الأخطاء الصبغية ينعكس على فرص الحمل، وأن انتظام الدورة الشهرية لا يعني بالضرورة خصوبة جيدة، وإنما يدل على حدوث الإباضة فقط.

وبيّنت أن معدلات الإجهاض ترتفع مع التقدم في العمر، حيث تتراوح بين 10 % و15 % لدى النساء دون سن 35، وترتفع إلى %25 بين سن 35 و39، وتتجاوز 35 % بعد سن الأربعين.

كما ذكرت أن خطر التشوهات الخلقية يزداد مع العمر، خصوصاً الاختلالات الصبغية، مثل متلازمة داون، مؤكدة أن الحمل بعد سن 37 غالباً ما يرافقه مضاعفات مثل ارتفاع ضغط الدم الحملي وسكري الحمل وزيادة معدلات الولادة القيصرية والولادة المبكرة وتأخر نمو الجنين داخل الرحم، وأوضحت أيضاً أن تأخر الحمل يؤثر في الرحم والمبايض بما يشمل انخفاض مخزون المبيض وتراجع الاستجابة الهرمونية للمبيض وزيادة احتمالية اضطرابات بطانة الرحم.

كما أشارت إلى أن الأورام الليفية تزداد مع التقدم في العمر، بينما بطانة الرحم المهاجرة لا تزيد بالضرورة، لكنها قد تكتشف في مراحل متأخرة، وشددت على أن ضعف الخصوبة قد يكون صامتاً ولا يسبب أعراضاً واضحة، محذرة من الاكتفاء بالفحوصات الروتينية التي لا تُعد كافية في هذه الحالات.

أحمد الحداد: ظاهرة مقلقة لها آثار سلبية

قال الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد، كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إن التأخر عن الزواج أصبح ظاهرة مقلقة في كثير من المجتمعات، وله آثار سلبية، منها تفشي العنس وطول العزوبة، وضياع كثير من النساء، سواء كن ثيبات أو أبكاراً، فضلاً عن قلة النسل في المجتمعات، ما يدفع إلى الاستعانة باستيراد من يسد حاجتها في الأعمال والتخصصات المختلفة، وكل ذلك ما لا يحبذه الشرع الشريف.

وأكد فضيلته أن ديننا الإسلامي يحب التكاثر البشري بما أحل الله تعالى من النكاح، ولذلك أباح للرجال تعدد الزوجات من أجل تكاثر النسل وإعفاف النساء، مستشهداً بالحديث النبوي: «تناكحوا تَكْثُروا؛ فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة»؛ أي أفاخر بكم الأمم حتى تكون هذه الأمة أكثر عدداً، وأن الكثرة عزّة وقوة.

وبيّن فضيلة الدكتور الحداد أن السبيل لتلافي هذه الظاهرة هو حث الشباب على الزواج المبكر، وحث البنات على عدم الإعراض عن الزواج بحجة الوظيفة أو طلب المواصفات العالية في الزوج، أو المطالب الكثيرة للعرس وتجهيزاته، لا سيما أن حكومة بذلت جهوداً لتسهيل الزواج من خلال توفير المجالس الكبيرة الفخمة المجانية والمحمولة بالضيافة لإقامة الأعراس بدلاً من الصالات والفنادق المكلفة والمرهقة، وتحديد المهور، وإقامة الأعراس الجماعية مع المساعدات الطيبة، وكل ذلك بهدف تحفيز الرجال والبنات على الزواج وتقليل التكاليف.

أخبار متعلقة :