ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 1 فبراير 2026 02:21 صباحاً - تشكّل تجربة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، منذ توليه ولاية العهد في فبراير 2008، مساراً تنفيذياً مختلفاً في العمل الحكومي، يقوم على القرب من الناس، والنزول إلى الميدان، واعتبار المجتمع شريكاً في تشخيص التحديات، لا مجرد متلقٍ للسياسات، ومع مرور السنوات، تحوّل هذا القرب من ممارسة تواصل، إلى منهج حوكمة متكامل، انعكس على طبيعة القرار الحكومي، وآليات العمل التنفيذي، وأولويات التنمية الاجتماعية في دبي.
لم يكن هذا النهج وليد لحظة، أو مرتبطاً بمبادرة واحدة، بل تبلور تدريجياً، عبر قرارات ومبادرات وتوجيهات وزيارات ميدانية، ومشاركة في الفعاليات العامة، والأفراح والأتراح، وهو ما أتاح قراءة مباشرة لاحتياجات المجتمع، وأسهم في نقل الكثير من القضايا من نطاق الملاحظة اليومية إلى دائرة القرار، ثم إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس، وبهذا المعنى، أصبح القرب من الناس أداة عمل، لا إطاراً رمزياً، ومدخلاً لتطوير العديد من القطاعات التي تشكّل في مجموعها أساس الاستقرار الاجتماعي.
ومنذ السنوات الأولى لتوليه ولاية العهد، اعتمد سموه المجالس المجتمعية، كقناة أساسية للتواصل المباشر مع المواطنين، متجاوزاً الطابع التقليدي للمجالس، بوصفها فضاءات اجتماعية فقط، لتصبح منصات استماع ورصد للاحتياجات والاقتراحات اليومية، وفي هذه المجالس، لم يكن الحوار منفصلاً عن العمل التنفيذي، بل كان جزءاً من دورة صنع القرار، حيث تنقل الأفكار والمقترحات والاحتياجات إلى الجهات المعنية، وتدرس في سياقها الواقعي، وتُترجم إلى إجراءات أو مراجعات للسياسات القائمة.
هذا النهج أسهم بشكل واضح في إعادة تشكيل طريقة تعامل الجهات الحكومية مع القضايا الخدمية، إذ جرى الانتقال من معالجة الحالات الفردية، إلى إعادة هندسة الإجراءات، وتبسيط المسارات، وتسريع الإنجاز، خصوصاً في القطاعات التي تمس حياة الأسر بشكل مباشر، ومع مرور الوقت، أصبحت المجالس مؤثرة في قياس رضا المجتمع، وتوجيه العمل الحكومي نحو أولويات أكثر التصاقاً بالواقع.
ومع تراكم هذا النهج، لم تعد المجالس المجتمعية مجرد أداة استماع، بل تحولت إلى مساحة اختبار حقيقي للسياسات قبل تعميمها، حيث أسهمت النقاشات المباشرة في رصد الفجوات بين التشريع والتطبيق، وبين ما هو مخطط على الورق، وما يواجهه المواطن فعلياً، وفي هذا السياق، برزت المجالس كأحد المسارات التي مكّنت القيادة من الوقوف على التفاصيل اليومية، التي قد لا تنعكس في التقارير الدورية، سواء ما يتعلق بالخدمات، أو البنية التحتية، أو احتياجات الأحياء السكنية.
وساعد هذا التفاعل المباشر في بناء فهم أعمق للأثر الاجتماعي للقرارات الحكومية، حيث لم يعد تقييم الأداء محصوراً بالمؤشرات الرقمية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بدرجة رضا الناس، وسهولة حياتهم اليومية، واستقرار أسرهم، ومع مرور الوقت، انعكس هذا التوجه في إعادة ترتيب الأولويات الحكومية، وتوجيه الموارد نحو ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر، بما يعزز الثقة بين المجتمع والمؤسسات، ويجعل القرار الحكومي أكثر التصاقاً بالواقع.
رؤية مبكرة للدمج المجتمعي
في خطوة سبّاقة، عكست رؤية قيادية إنسانية بعيدة المدى، جاءت مبادرة «مجتمعي... مكانٌ للجميع»، لتؤسس لمسار متكامل، يعزز الدمج المجتمعي، ويكرّس حق أصحاب الهمم في المشاركة الكاملة في مختلف مناحي الحياة، وقد شكّلت المبادرة منذ انطلاقها عام 2013، إطاراً عملياً لترسيخ مفهوم المدينة الشاملة، التي تضع الإنسان في قلب سياساتها وخدماتها.
وقد شكّلت المبادرة نقطة تحوّل في التعاطي المؤسسي مع ملف أصحاب الهمم، حيث انتقلت الجهود من مبادرات إلى التزام حكومي واضح، انعكس في تطوير البنية التحتية، وتحسين الوصول إلى الخدمات، وتعزيز المشاركة المجتمعية.
ومع هذا التحول، لم يعد الدمج هدفاً عاماً فقط، بل معيار من معايير جودة الحياة، وعنصر أساسي في التخطيط الحضري والخدمي.
ومع إطلاق «تحدي دبي للياقة» في عام 2017، انتقل ملف الصحة من نطاق الحملات التوعوية المؤقتة، إلى إطار مجتمعي أوسع، يربط الصحة بأسلوب الحياة اليومي، وهدفت المبادرة إلى تشجيع مختلف فئات المجتمع على تبنّي النشاط البدني، وتحويل الرياضة إلى ممارسة جماعية، لا نشاط نخبوي أو موسمي، ومع اتساع المشاركة المجتمعية، تحولت المبادرة إلى فعالية سنوية مدرجة ضمن أجندة دبي الرسمية، وأسهمت في ترسيخ مفهوم الصحة الوقائية، وتعزيز الوعي بأهمية الحركة والنشاط في تحسين جودة الحياة، كما شكّلت المبادرة مثالاً على كيفية تحويل فكرة بسيطة إلى سياسة مجتمعية مستدامة، عبر التفاعل المباشر مع الناس، وقراءة سلوكهم واحتياجاتهم.
في العام ذاته، جاءت مبادرة «دبي 10X»، لتعيد تعريف مفهوم الأداء الحكومي، عبر دعوة الجهات إلى التفكير خارج الأطر التقليدية، وتقديم حلول تسبق أفضل الممارسات العالمية بعشر سنوات.
وأسهم هذا التوجه في تسريع التحول الرقمي، وإعادة تصميم الإجراءات والخدمات، وتقليص زمن تقديمها، بحيث أصبح الابتكار جزءاً من منظومة العمل المؤسسي، لا مبادرات منفصلة أو تجريبية، كما شهد عام 2017 إطلاق مبادرة «يوم لدبي»، التي هدفت إلى ترسيخ ثقافة التطوع والمسؤولية المجتمعية، عبر تشجيع أفراد المجتمع على تخصيص يوم واحد على الأقل سنوياً للأعمال التطوعية.
ومع تطور المبادرة، تحولت إلى منصة رقمية متكاملة، نظّمت مشاركة المتطوعين، وربطتهم بالمبادرات المجتمعية المختلفة، وأسهمت في توسيع قاعدة المشاركة، وتحقيق الاستدامة في العمل المجتمعي.
القرب من الناس
إلى جانب الأطر المؤسسية، شكّل حضور سموه في الأفراح والأتراح، والمناسبات الاجتماعية، امتداداً عملياً لنهج القرب من الناس، هذا الحضور لم يكن رسمياً، بل عكس اهتماماً مباشراً بأحوال المجتمع، فقد أسهم هذا الحضور الإنساني القريب من الناس، في ترسيخ التلاحم المجتمعي، وتعزيز شعور الأفراد بأن القيادة جزء من نسيج المجتمع، تشاركهم مناسباتهم وتتفهم مشاعرهم، بما عمّق روابط الثقة والود، ورسّخ قيم القرب والتواصل الإنساني مع القيادة الرشيدة.
في عام 2023، أطلق سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم مبادرة «إماراتي»، ضمن تطبيق «دبي الآن»، لتوفير منصة موحدة وشاملة، تغطي احتياجات المواطنين من خدمات المدينة، بما عزز جودة الحياة الرقمية، وسهّل الوصول إلى الخدمات الحكومية، ورفع مستوى التكامل بين الجهات، وفي العام ذاته، أُطلقت مبادرة «رعاية»، التي استهدفت تطوير منظومة صحية متكاملة لكبار المواطنين وأصحاب الهمم، حيث شملت عند إطلاقها 19 ألفاً من كبار المواطنين، و12 ألفاً من أصحاب الهمم في دبي، وقدّمت المبادرة خدمات صحية نوعية، عبر شبكة من المستشفيات، وخدمات العيادات المنزلية، وخط ساخن مخصص، بما راعى احتياجات هذه الفئات، وسهّل حصولها على الرعاية الصحية.
وانطلاقاً من رؤية تعتبر استقرار الأسرة الإماراتية ركيزة أساسية للتنمية الاجتماعية، تعامل سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم مع ملف الإسكان بوصفه سياسة متكاملة، تمس جودة الحياة، وتعزز التماسك المجتمعي، لا مجرد توفير وحدات سكنية.
وجاءت التوجيهات المرتبطة بالإسكان، نتيجة قراءة ميدانية لاحتياجات الأسر، انعكست في قرارات تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية، وتسريع توفير السكن الملائم، وتعزيز الاستقرار الأسري، وفي هذا السياق، صدرت توجيهات العام الماضي بإعفاء 303 مواطنين من سداد قروض إسكانية متبقية، بلغت قيمتها 101 مليون درهم، في خطوة عكست توجهاً يضع مصلحة الأسرة في صدارة الأولويات، وقد تزامن ذلك مع تخصيص أراضٍ لمشاريع الإسكان الميسّر، على مساحة 1.46 مليون متر مربع، لتوفير 17,080 وحدة سكنية، ضمن رؤية تسعى إلى توفير خيارات سكنية متنوعة، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
كما اعتُمدت رؤية محدّثة لتخطيط مناطق سكن المواطنين، وضعت رفاه الأسرة محوراً للتخطيط الحضري، وشملت إنشاء 152 حديقة، بحيث لا تزيد المسافة إلى أقرب حديقة على 150 متراً، وبناء مسارات دراجات بطول يتجاوز 33 كيلومتراً، إلى جانب إنشاء منتزهات مركزية، ومجالس مجتمعية، وصالات أفراح، ما نقل مفهوم الإسكان من «وحدة سكنية» إلى «حي متكامل»، يحتضن الأسرة ويدعم استقرارها.
روابط مجتمعية
وفي سياق تعزيز الروابط المجتمعية، شهد سموه افتتاح «حوي ند الشبا»، كأول مشروع ضمن مبادرة «حوي دبي»، التي تهدف إلى إنشاء جيل جديد من المساحات المجتمعية المستوحاة من «الفريج الإماراتي»، بما يحافظ على جوهر الأحياء التقليدية، ويعيد إحياء دور الساحات المفتوحة كمساحات جامعة للسكان.
وأسهم المشروع في تعزيز التفاعل الاجتماعي، وتشجيع ممارسة الأنشطة الخارجية، ودعم الأسر المحلية ومشاريعهم، وجمع مختلف الفئات العمرية في بيئات ترحيبية، تعكس الهوية المجتمعية، كما أُطلقت مبادرة «مجتمعات دبي» كمنصة رقمية، تضم نحو 100 مجتمع متنوع الاهتمامات والأنشطة، وتهدف إلى تمكين السكان والزوار من التواصل، وبناء تجارب مشتركة، وتعزيز الروابط الاجتماعية، بما يدعم النسيج المجتمعي، ويرسّخ قيم التسامح والتعايش.
وفي إطار تعزيز الصحة العامة، أُطلقت مبادرة «دبي مولاثون» لتوفير مسارات رياضية منظّمة داخل سبعة مراكز تجارية رئيسة خلال الفترة الصباحية في شهر أغسطس، بما يتيح ممارسة النشاط البدني في بيئات مكيّفة وآمنة، ويدعم مستهدفات «أجندة دبي الاجتماعية 33»، واستراتيجية جودة الحياة.
ومع اتساع نطاق المبادرات الاجتماعية والمجتمعية، تضمنت رؤية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، توجهاً واضحاً نحو بناء بيئة حضرية لا تقتصر على توفير الخدمات، بل تهتم بنوعية الحياة، وشكل التفاعل بين الناس، وطبيعة الفضاءات المشتركة التي تجمعهم، وقد انعكس ذلك في التركيز على تطوير المساحات المجتمعية المفتوحة، وتنظيم الأنشطة التي تعزز التواصل بين الأفراد، وتعيد الاعتبار لقيم الجيرة، والتكافل، والانتماء.
وفي هذا الإطار، لم تُطرح المبادرات المجتمعية بوصفها فعاليات مؤقتة، بل كجزء من رؤية أوسع، تسعى إلى تعزيز الترابط الاجتماعي، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة العصرية، والحفاظ على الهوية المحلية، وأسهم هذا النهج في تحويل المفاهيم الاجتماعية إلى سياسات عملية، تُترجم عبر مشاريع ومبادرات ملموسة، وتُقاس آثارها على مستوى التفاعل المجتمعي والاستقرار الأسري.
وعلى امتداد ثمانية عشر عاماً، تحوّل القرب من الناس في تجربة سموه، من ممارسة فردية إلى منهج حوكمة، جرى دمجه في تصميم السياسات، وتطوير الخدمات، وقياس الأداء الحكومي، وأسهم هذا النهج في رفع كفاءة الاستجابة الحكومية، وتحسين جودة الحياة، ومع امتداد هذه التجربة عبر ما يقارب عقدين، يمكن قراءة نهج القرب من الناس في تجربة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، بوصفه مساراً تراكمياً، أعاد تشكيل العلاقة بين المجتمع وصانع القرار، ليس على مستوى التواصل فقط، بل على مستوى صياغة السياسات وآليات التنفيذ.
وفي هذا الإطار، برزت فكرة «الحي» كوحدة اجتماعية أساسية في التخطيط والتنمية، لا تقل أهمية عن الفرد أو الأسرة، وانعكس ذلك في التركيز على تطوير الأحياء السكنية، بوصفها فضاءات معيشية متكاملة، تتداخل فيها الخدمات، والمساحات المفتوحة، والمرافق المجتمعية، بما يعزز التفاعل اليومي بين السكان، ويعيد الاعتبار لقيم الجيرة والترابط الاجتماعي.
ولم يعد التخطيط الحضري محصوراً في البنية التحتية الصلبة، بل امتد ليشمل البعد الاجتماعي والثقافي للحياة اليومية.
جودة الحياة
كما أسهم القرب من أفراد المجتمع، في إعادة صياغة مفهوم جودة الحياة، بحيث لم يعد مؤشراً عاماً أو شعاراً تنموياً، بل منظومة سياسات مترابطة، تشمل الصحة الوقائية، والبيئة الحضرية، وسهولة الوصول إلى الخدمات، وتوازن الحياة الأسرية، وفرص التفاعل المجتمعي، وظهر ذلك بوضوح في المبادرات التي استهدفت تشجيع أنماط الحياة النشطة، وتنظيم العمل التطوعي، وتطوير المنصات الرقمية التي تسهّل حياة المواطنين، وتقرّب الخدمات منهم.
وعند النظر إلى هذه التجربة في سياقها الزمني، يتضح أن ما تحقق لم يكن نتيجة قرارات معزولة، بل حصيلة تراكمية لنهج ثابت، اعتمد الاستماع، والتفاعل، والتجريب، والتطوير المستمر، وهو نهج أسهم في ربط السياسات بالواقع، والأرقام بحياة الناس، والتخطيط الحضري والاجتماعي بتطلعات الأسر الإماراتية.
في عام 2018، جرى اعتماد مجالس الشباب وربطها مباشرة بصنّاع القرار، في خطوة نقلت الشباب من موقع الاستماع، إلى موقع المشاركة الفعلية في صياغة السياسات، وقد أسهم هذا التوجه في إشراك آلاف الشباب في برامج قيادية، ولجان استشارية، ومبادرات حكومية، أُخذت من خلالها أفكارهم وملاحظاتهم في الاعتبار عند تطوير السياسات المرتبطة بالتعليم، والابتكار، والعمل الحكومي، وقد أسهم إشراك الشباب في دوائر الحوار وصناعة القرار، في إحداث تحوّل نوعي في النظرة إلى دورهم داخل المنظومة الحكومية، حيث لم يعد حضورهم مرتبطاً بالتمثيل الرمزي، بل أصبح جزءاً من عملية التفكير والتخطيط للمستقبل، ومع هذا التحول، جرى التعامل مع الشباب بوصفهم شركاء في التنمية، ومصدراً للأفكار المرتبطة بالابتكار، والتقنيات الحديثة، وأنماط العمل الجديدة، كما ساعد هذا التوجه في خلق قنوات تواصل مستمرة بين الشباب والجهات الحكومية، ما أتاح رصد تطلعاتهم وتحدياتهم في مجالات التعليم، والعمل، وريادة الأعمال، وسهّل مواءمة السياسات مع احتياجات الأجيال الجديدة.
وأسهم ذلك في تعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة، وربط الطموحات الفردية بالأهداف الوطنية، بما يدعم استدامة التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.
أخبار متعلقة :