6 مرتكزات لتأهيل جيل «z» لسوق العمل

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 10 فبراير 2026 12:51 صباحاً - في قراءة معمقة لتحولات البشرية ضمن سياق تاريخ الكون، شبّه معالي محمد بن عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، رئيس مؤسسة القمة العالمية للحكومات، عمر الإنسان بـ«العشر ثواني الأخيرة» مقارنة بعمر الكون، لحظة زمنية قصيرة، لكنها كانت كفيلة بإحداث تحولات جذرية أعادت تشكيل مسار الحضارة الإنسانية، ودفعت العالم إلى سباق غير مسبوق مع الزمن والتكنولوجيا والمعرفة.

Advertisements

ومع تسارع هذه التحولات، برز جيل الشباب، وخصوصاً جيل Z، بوصفه قوة فاعلة تضغط على السياسات العامة والأنظمة التعليمية، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أنه سيشكل نحو 40 % من القوى العاملة عالمياً بحلول عام 2040. جيل يعيد تعريف مفهوم العمل والنجاح.

ولا ينظر إلى الوظيفة والراتب بوصفهما الغاية النهائية، بل يبحث عن التعلم المستمر، والمعنى، والتوازن، والمشاركة في صناعة المستقبل.

وفي هذا السياق، أجمع مسؤولون في قطاع التعليم، خلال مشاركاتهم في القمة العالمية للحكومات، على أن مواكبة توقعات جيل Z تتطلب إعادة بناء منظومة التعليم على أسس جديدة، تقوم على 6 مرتكزات رئيسة، تمثل خارطة طريق لتأهيل هذا الجيل، ليس فقط للاندماج في سوق العمل، بل للإسهام الفاعل في تشكيل مستقبل الحضارة الإنسانية.

ويرى مختصون أن التأهيل يتطلب منظومة تعليمية متكاملة لا تحتمل التأجيل، تبدأ بالتركيز على مهارات المستقبل وفي مقدمتها التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، وتُستكمل عبر التعليم التطبيقي المرتبط بسوق العمل من خلال المشاريع والتجارب العملية المبكرة، إلى جانب الدمج الذكي للتقنية والذكاء الاصطناعي بوصفهما أدوات تمكين لا بدائل عن التفكير الإنساني.

إضافة للدعم النفسي وبناء الانضباط الذاتي لضمان توازن المتعلم وقدرته على التعلم في بيئة رقمية ضاغطة، إضافة إلى ترسيخ الهوية والمعنى في العملية التعليمية بما يعزز الانتماء والشعور بالجدوى، وصولاً إلى مسارات تعليمية مرنة وشخصية تستجيب لاختلاف قدرات وميول الطلبة، وتُعدهم للاندماج الفاعل في سوق العمل المستقبلي بثقة وكفاءة.

ويُعرف جيل Z بـ«جينزي»، وهو الجيل الذي وُلد بين منتصف التسعينيات وبدايات العقد الثاني من الألفية الجديدة، ويُعد أول جيل نشأ في بيئة رقمية متصلة بالإنترنت والتقنيات الذكية.

ويتميّز بسرعة الوصول إلى المعرفة، والاعتماد على التعلم الذاتي والمستمر، والبحث عن المعنى والتوازن بين الحياة والعمل، إلى جانب وعيه بالقضايا المجتمعية، مقابل تحديات تتعلق بالتركيز والضغط النفسي في ظل الإيقاع الرقمي المتسارع.

حجر الأساس

وأكدت جيلدا ألسيفار وزيرة التعليم والرياضة والثقافة في جمهورية الإكوادور، أن الاستثمار في التعليم يمثل حجر الأساس لبناء مستقبل مستدام، وأوضحت أن تأهيل الطلبة، ولا سيما جيل Z، يتطلب سياسات تعليمية مرنة تدمج المهارات الرقمية، والتفكير النقدي، والهوية الثقافية، بما يضمن إعداد شباب قادر على المنافسة في سوق العمل العالمي.

والمشاركة الفاعلة في التنمية المجتمعية والاقتصادية. وشددت على أن تمكين الشباب بالمعرفة والمهارات يمثل استثماراً طويل الأمد في استقرار المجتمعات ونموها.

وأكدت أن التركيز على المهارات بات أولوية تتقدم على كثافة المحتوى الدراسي، في ظل عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. وتشمل هذه المهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل الفعال، والعمل الجماعي.

إضافة إلى القدرة على التعلم المستمر. وترى أن المناهج يجب أن تبنى بوصفها وسيلة لتنمية المهارات، لا غاية في حد ذاتها، بما يضمن جاهزية الطلبة لمهن لم تتشكل ملامحها بعد.

فرصة حقيقية

ومن جانبه أكد البروفيسور جون لي تشي كين رئيس جامعة التربية في هونغ كونغ، أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لإعادة صياغة منظومة التعليم على مستوى العالم، شريطة أن يتم توظيفه كأداة داعمة للعملية التعليمية وليس بديلاً عن الدور الإنساني للمعلم.

وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال التكنولوجيا إلى الصفوف الدراسية، بل في كيفية استخدامها لتعزيز قدرات الطلبة على التعلم المستقل، وتحليل المعلومات، وبناء المعرفة بصورة واعية.

وأشار إلى أن المؤسسات التعليمية مطالبة بإعادة النظر في مناهجها وأساليبها التعليمية، بما يضمن إعداد الطلبة للتعامل مع عالم متغير تحكمه البيانات والأنظمة الذكية. ولفت إلى أن جيل Z، بحكم نشأته في بيئة رقمية مفتوحة، يحتاج إلى تعليم يركز على تنمية مهارات التفكير النقدي.

والذكاء العاطفي، والمسؤولية الأخلاقية في استخدام التكنولوجيا، مؤكداً أن التعليم في جوهره عملية إنسانية تهدف إلى إعداد قادة قادرين على خدمة مجتمعاتهم والمساهمة في بناء مستقبل أكثر توازناً. كما أكد ضرورة دمج الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي ضمن أطر واضحة، تراعي النزاهة الأكاديمية وحماية البيانات، وتعزز الثقافة الرقمية لدى الطلبة.

تعليم تطبيقي

بدوره أكد الدكتور عيسى البستكي رئيس نادي العلمي ورئيس جامعة دبي، أن التعليم التطبيقي يمثل ركيزة أساسية في إعداد الطلبة لمهارات المستقبل.

مشيراً إلى أن الانتقال من التعليم النظري إلى نماذج قائمة على الممارسة والتجربة بات ضرورة تفرضها طبيعة سوق العمل المتغير، وليس مجرد توجه حديث، لافتاً إلى أن ربط المناهج بالواقع العملي يسهم في بناء خريج قادر على الفهم العميق والتطبيق الفعلي واتخاذ القرار في بيئات مهنية حقيقية.

وأوضح أن جيل Z يتميز بوعي مبكر، وسرعة في التفاعل مع المتغيرات، وتطلع واضح إلى تعليم يمنحه قيمة حقيقية ومعنى مباشر لما يتعلمه، مؤكداً أن هذا الجيل لا يكتفي بالمعلومة، بل يبحث عن مهارة قابلة للتطبيق وتجربة تحاكي الواقع المهني، وهو ما يجعل التعليم التطبيقي الخيار الأكثر توافقاً مع احتياجاته وتوقعاته، سواء من حيث أساليب التعلم أو طبيعة المحتوى.

وأشار إلى أن تطوير المناهج الأكاديمية والتطبيقية يتم بشكل مستمر لمواكبة المتغيرات العالمية المتسارعة، من خلال إدراج مهارات المستقبل والتخصصات الناشئة ضمن المسارات التعليمية، بما يضمن جاهزية الطلبة للتعامل مع التحولات التقنية والمهنية.

مؤكداً أن مواكبة هذه المتغيرات داخل المناهج لم تعد خياراً، بل شرطاً أساسياً لتأهيل جيل Z وتمكينه من الاندماج الفاعل في سوق العمل بثقة وكفاءة.

لافتاً إلى أن التعليم التطبيقي يشكل محوراً رئيسياً في هذا التوجه، من خلال التركيز على التعلم بالممارسة، وربط المحتوى الأكاديمي بتجارب عملية واقعية تتيح للطلبة اكتساب المهارات المطلوبة وتطبيقها في بيئات تحاكي سوق العمل الفعلي.

نقلة نوعية

وأوضح مايكل كوشيندرفر الأستاذ المشارك في هندسة الطيران والفضاء، والزميل الأول في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان، جامعة ستانفورد، أن تأهيل الطلبة في المرحلة الجامعية يتطلب نقلة نوعية في طرق التدريس.

ترتكز على بناء قدراتهم في فهم الأنظمة الذكية واتخاذ القرار في بيئات معقدة وغير مؤكدة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجالاً متخصصاً يقتصر على فئة محدودة، بل أصبح مهارة أساسية ينبغي أن يمتلكها طلبة مختلف التخصصات.

وأضاف أن جيل Z بحاجة إلى تعليم تطبيقي يربط بين المعرفة النظرية والواقع العملي، ويمنح الطلبة أدوات التحليل وحل المشكلات المعقدة، إلى جانب ترسيخ الوعي الأخلاقي في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. وأشار إلى أن الانفتاح على التجارب التعليمية العالمية والتفاعل مع ثقافات مختلفة يسهم في بناء شخصيات أكثر إبداعاً وتعاطفاً، وقادرة على قيادة التحولات المستقبلية بثقة وكفاءة.

أولوية وطنية

من جهته أكد الدكتور خليفة السويدي، الأمين العام لمؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية والتربوية، أن الحديث عن تأهيل جيل Z لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً مرحياً، بل يمثل أولوية وطنية واستراتيجية تمس مستقبل التعليم وسوق العمل والتنمية الشاملة.

مشيراً إلى أن هذا الجيل يعيش في عالم متغير تحكمه السرعة والتقنية، ما يستدعي إعادة بناء المنظومة التعليمية على أسس مختلفة، تركز على الإنسان قبل المحتوى، وعلى المهارة قبل المعلومة، وعلى القيم قبل الشهادة.

وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة فحسب، بل في قدرة المؤسسات التعليمية على صياغة تجربة تعلم متكاملة تعزز التفكير النقدي، وتحفز الإبداع، وتربط التعلم بالواقع العملي والهوية المجتمعية.

لافتاً إلى أن التعليم الذي لا يمنح الطالب معنى لما يتعلمه، ولا يرسخ لديه الشعور بالمسؤولية والانتماء، سيظل تعليماً قاصراً عن تحقيق أثر مستدام، مهما بلغت حداثة أدواته أو تطور وسائله.

وأفاد السويدي أن مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية والتربوية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من تمكين المتعلم نفسياً ومعرفياً ومهارياً، والعمل على بناء مسارات تعليمية مرنة تستوعب اختلاف القدرات والميول.

وتفتح آفاقاً متعددة أمام الطلبة لاكتشاف ذواتهم والاستعداد لمهن المستقبل، مؤكداً أن تأهيل جيل Z اليوم هو الضمان الحقيقي لمجتمع قادر على الابتكار، واقتصاد قائم على المعرفة، وتعليم يصنع قادة الغد لا مجرد خريجين.

الارتقاء بالتعليم

ومن جهته أكد حميد الهوتي، الأمين العام لجائزة خليفة التربوية، أن تطوير منظومة التقييم التربوي يمثل ركيزة أساسية في الارتقاء بجودة التعليم، وتأهيل جيل Z لمتطلبات المستقبل، وذلك في ضوء ما طُرح خلال القمة العالمية للحكومات حول جاهزية الأنظمة التعليمية.

وأوضح أن جائزة خليفة التربوية تعمل في إطار مواكبة توجهات وزارة التربية والتعليم في تبني التقنيات الحديثة وبرامج الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تطوير أدوات تقييم تقيس أداء الطلبة بصورة أكثر شمولية، وتعزز مهارات التفكير والتحليل والابتكار.

وأشار الهوتي إلى أن الجائزة تولي اهتماماً بمنهجيات التقييم الحديثة، حيث تتضمن فئة «المعلم المبدع» في مجال التعليم العام معياراً يركز على آليات تقييم الطلبة.

، والطرق المبتكرة التي يوظفها المعلم، من خلال المشاريع التعليمية، وملفات الإنجاز، والتقييم المستمر، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة وبرامج الذكاء الاصطناعي في دعم وتحليل نواتج التعلم.

وأكد أن التقييم الفاعل يجب أن يكون جزءاً من عملية التعلم، يسهم في تحسين المخرجات التعليمية، ويعزز ثقة الطلبة، ويحوّل التقييم من مصدر ضغط نفسي إلى أداة داعمة للتعلم والتطوير، مشدداً على التزام الجائزة بدعم النماذج التعليمية المبتكرة ذات الأثر التعليمي والمجتمعي.

تقليص الفجوة

وركز الخبير التربوي الدولي الدكتور محمد عبيدات، على أن تقليص الفجوة بين التعليم النظري ومتطلبات الواقع العملي بات أولوية في تأهيل طلبة جيل Z، في ظل التحولات المتسارعة في سوق العمل.

مشيراً إلى أن الاقتصار على المحتوى الأكاديمي التقليدي لم يعد كافياً، ما يستدعي تبنّي نماذج تعليمية تقوم على التجربة والتطبيق، مثل التعلم القائم على المشاريع، والتدريب المبكر، وريادة الأعمال، إلى جانب محاكاة بيئات العمل داخل المؤسسات التعليمية. ويُسهم هذا التوجه في تحويل المعرفة إلى مهارات عملية قابلة للتطبيق، بما يقرّب الطلبة من احتياجات السوق ويعزز جاهزيتهم المهنية.

وفي محور مواز، يولي عبيدات أهمية خاصة لتعزيز الانضباط النفسي بوصفه عنصراً أساسياً في دعم المسار التعليمي لجيل Z، لا سيما في ظل تصاعد مستويات القلق والتشتت الذهني المرتبط بالحياة الرقمية.

مؤكداً أن بناء الانضباط النفسي يبدأ من داخل البيئة التعليمية، عبر توفير منظومة دعم نفسي متكاملة، وتنمية مهارات إدارة الوقت، والتركيز، وضبط السلوك الرقمي. ويسهم هذا النهج في مساعدة الطلبة على تحقيق توازن صحي بين التعلم والحياة اليومية، بما ينعكس إيجاباً على قدرتهم على الاستمرار في التعلم بفاعلية واستقرار.

تعزيز القيم

ويرى عبيدات أن جيل Z يبحث عن تعلم يرتبط بالمعنى والغاية، وليس مجرد تحصيل معرفي، مشددين على أن ترسيخ الهوية الوطنية والإنسانية، وتعزيز القيم، وربط التعليم بالمسؤولية المجتمعية، يمثل امتداداً طبيعياً لتعزيز الانضباط النفسي والدافعية الذاتية، ويُسهم هذا المسار في جعل التعليم تجربة ذات مغزى، تُشعر الطلبة بالانتماء والجدوى، وتدفعهم إلى التفاعل الإيجابي مع مجتمعهم ومستقبلهم.

أخبار متعلقة :