ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 19 فبراير 2026 12:21 صباحاً - في وقت تتسارع فيه الحكومات حول العالم لاتخاذ إجراءات حاسمة للحد من تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال، تواصل دولة الإمارات ترسيخ نهج وطني متقدم يضع حماية النشء في صدارة الأولويات، من خلال تعزيز السياسات التربوية والمجتمعية التي تنظم استخدام المنصات الرقمية، وتدعم بناء بيئة آمنة تضمن تنشئة جيل واعٍ وقادر على التعامل المسؤول مع التكنولوجيا، ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد القلق العالمي من التأثيرات النفسية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام المبكر وغير المنظم لمنصات التواصل الاجتماعي، وما يترتب عليه من انعكاسات على التحصيل الدراسي والاستقرار النفسي للأطفال.
وتؤكد الإمارات أن تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي يمثل أولوية وطنية ومسؤولية مجتمعية مشتركة، حيث شددت القيادة الرشيدة على أهمية تعزيز السياسات التي تدعم السلامة الرقمية للأطفال، وتمكن الأسر من مواكبة التحولات التقنية المتسارعة، كما ركزت التوجهات الوطنية على ترسيخ الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وتطوير الأطر التعليمية والتوعوية التي تسهم في حماية الطلبة، وتعزز قدرتهم على الاستفادة من الأدوات الرقمية بشكل إيجابي، بما ينسجم مع رؤية الدولة في بناء مجتمع رقمي آمن ومستدام يضع الإنسان في صدارة أولوياته.
وتعكس هذه التوجهات إدراكاً عميقاً لحجم التحولات الرقمية التي يعيشها الأطفال اليوم، في ظل الانتشار الواسع للأجهزة الذكية والمنصات الرقمية، والتي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ليس فقط كوسائل ترفيه، بل كبيئات تفاعلية تؤثر بشكل مباشر في تشكيل الوعي والسلوك، ما يتطلب وجود أطر تنظيمية وتربوية متكاملة تضمن الاستخدام الآمن والمتوازن.
وعالمياً، تطبق أستراليا حظراً قانونياً مباشراً على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، في خطوة تهدف إلى حماية القُصّر من التأثيرات السلبية المرتبطة بالمنصات الرقمية، ويُلزم القانون شركات التكنولوجيا بمنع إنشاء حسابات للأطفال دون هذا العمر، ويفرض عقوبات صارمة على الشركات التي لا تلتزم بهذه الضوابط، في إطار توجه حكومي يعتبر حماية الأطفال في البيئة الرقمية جزءاً من منظومة الصحة العامة.
كما أقرت فرنسا قانوناً يمنع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عاماً، ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز الصحة النفسية للأطفال، وتقليل تعرضهم للمحتوى غير المناسب، أو التأثيرات المرتبطة بالمقارنة الاجتماعية والتنمر الإلكتروني، ويلزم القانون المنصات الرقمية باتخاذ إجراءات تقنية للتحقق من أعمار المستخدمين، ومنع القُصّر من إنشاء حسابات مخالفة.
وإلى جانب الحظر الكامل في أستراليا وفرنسا، فرضت البرتغال قيوداً جزئية تمنع الأطفال دون سن 13 عاماً من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مع اشتراط موافقة أولياء الأمور لمن هم بين 13 و16 عاماً، في محاولة لتحقيق توازن بين حماية الأطفال وتمكينهم من الاستخدام التدريجي والمسؤول للتكنولوجيا.
كما أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا والدنمارك وإيطاليا، عن خطط لدراسة أو تطبيق قيود مماثلة، في ظل توافق متزايد على ضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة لتنظيم وصول الأطفال إلى المنصات الرقمية. وفي آسيا، أعلنت ماليزيا نيتها تطبيق حظر مماثل للأطفال دون سن 16 عاماً، بينما تدرس دول أخرى، مثل باكستان والفلبين، مشاريع قوانين لتنظيم استخدام الأطفال للمنصات الرقمية.
بيئات مؤثرة
ويؤكد تربويون أن هذا التوجه العالمي يعكس تحولاً جوهرياً في فهم تأثير التكنولوجيا على الأجيال الجديدة، حيث لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت بيئات رقمية مؤثرة في تشكيل الهوية والسلوك والتفاعل الاجتماعي للأطفال.
وفي هذا السياق، أكد الخبير التربوي الدكتور عبداللطيف السيابي، أن التوجهات التي تتبناها دولة الإمارات تعكس رؤية استباقية لحماية الطلبة، مشيراً إلى أن المدارس تلاحظ بشكل متزايد تأثير الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية على تركيز الطلبة داخل الصف، موضحاً أن بعض الطلبة يعانون من تشتت الانتباه وضعف القدرة على التركيز نتيجة الاستخدام غير المنظم للأجهزة الذكية، ما يؤثر في مستوى التحصيل الدراسي والتفاعل الصفي.
وأضاف أن تنظيم استخدام المنصات الرقمية يسهم في إعادة التوازن إلى البيئة التعليمية، ويمنح الطلبة فرصة أكبر للتركيز على التعلم، مشيراً إلى أن المدرسة تلعب دوراً محورياً في توعية الطلبة بمخاطر الاستخدام المفرط، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، بما يدعم بناء جيل أكثر وعياً وقدرة على إدارة وقته بشكل فعال.
بدورها، أفادت الخبيرة التربوية الدكتورة فاطمة الظاهري، بأن تنظيم استخدام الأطفال للمنصات الرقمية يمثل خطوة ضرورية لحماية الطلبة من التأثيرات السلوكية المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط، مشيرة إلى أن بعض الطلبة يطورون أنماط استخدام تؤثر في سلوكهم وتفاعلهم الاجتماعي.
وأكدت أن وجود سياسات واضحة يسهم في توجيه الطلبة نحو الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، ويعزز قدرتهم على الاستفادة من الأدوات الرقمية في التعلم والتطوير، بدلاً من استخدامها بشكل يؤثر في نموهم الأكاديمي والاجتماعي.
وتري أن التوجهات التي تتبناها دولة الإمارات، إلى جانب التحركات العالمية، تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز حماية الأطفال في العصر الرقمي، وضمان استخدام آمن ومسؤول للتكنولوجيا، بما يسهم في إعداد جيل قادر على الاستفادة من الفرص الرقمية، دون التعرض لمخاطرها، في إطار رؤية وطنية شاملة تضع رفاه الإنسان وتنمية المجتمع في صدارة أولوياته.
خطوة استراتيجية
من جانبها قالت التربوية فوزية الشيخ، إن ما طرح خلال اجتماع مجلس التعليم أخيراً، يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة ضبط العلاقة بين الطالب والبيئة الرقمية، موضحة أن المدارس باتت تواجه تحديات يومية تتعلق بتأثير منصات التواصل الاجتماعي على تركيز الطلبة وانضباطهم الأكاديمي، موضحة أن تنظيم استخدام المنصات الرقمية لا يعني منعها، بل توجيهها، مشيرة إلى أن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى برامج توعوية تدمج مهارات المواطنة الرقمية ضمن المناهج، بما يساعد الطلبة على فهم حدود الاستخدام الصحيح، وتمكينهم من الاستفادة من التكنولوجيا كأداة تعلم، وليس كمصدر للتشتيت أو التأثير السلبي.
من جانبها، أوضحت التربوية سها قدسي، أن المبادرات الوطنية التي تركز على حماية الأطفال رقمياً تعكس التزام الدولة بضمان بيئة تعليمية صحية وآمنة، مؤكدة أن الأطفال في المراحل الدراسية المبكرة يحتاجون إلى بيئة مستقرة تدعم نموهم المعرفي والاجتماعي، بعيداً عن التأثيرات الرقمية غير المنضبطة.
وأشارت إلى أن التوازن بين استخدام التكنولوجيا والتعليم يمثل عاملاً أساسياً في دعم تطور الطلبة، موضحة أن التوجيهات الوطنية تساعد المدارس على تطوير سياسات واضحة تعزز الاستخدام المسؤول، وتدعم دور المدرسة في إعداد الطلبة لمستقبل رقمي أكثر أماناً.
الاستخدام غير المنظم
من جهتها، أكدت الاختصاصية الاجتماعية فاطمة الظنحاني أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في حماية الأطفال من مخاطر الاستخدام غير المنظم لمنصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن غياب الرقابة والتوجيه قد يؤدي إلى تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب، أو تطوير سلوكيات رقمية غير صحية.
وأوضحت أن التوعية الأسرية تمثل عاملاً أساسياً في تعزيز الاستخدام الآمن، مؤكدة أن تمكين أولياء الأمور بالمعرفة والأدوات المناسبة يساعدهم على توجيه أبنائهم، وبناء علاقة صحية ومتوازنة مع التكنولوجيا.
عامل أساسي
من جانبها، أوضحت الاختصاصية النفسية الدكتورة ميساء العبدالله أن الاستخدام المبكر والمفرط لمنصات التواصل الاجتماعي قد يؤثر في الصحة النفسية للأطفال، مشيرة إلى أن التعرض المستمر للمحتوى الرقمي قد يؤدي إلى القلق أو ضعف الثقة بالنفس. وأكدت أن تنظيم استخدام المنصات الرقمية يسهم في حماية الأطفال خلال مراحل النمو، ويساعدهم على تطوير مهارات اجتماعية ونفسية صحية، مشيرة إلى أن التوازن بين العالم الرقمي والواقع يمثل عاملاً أساسياً في بناء شخصية متوازنة.
أخبار متعلقة :