ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 25 أبريل 2026 11:06 صباحاً - في خطوة تعيد كوريا الجنوبية إلى خريطة الاكتشافات الأحفورية، أعلن باحثون عن نوع جديد من الديناصورات يحمل اسم (Doolysaurus huhmini)، وهو أول اكتشاف من نوعه في البلاد منذ نحو 15 عاماً، وفق ما أورده متحف التاريخ الطبيعي في لندن (Natural History Museum)، ويعود هذا الكائن إلى العصر الطباشيري، أي قبل ما بين 100 و113 مليون سنة، حيث عُثر على بقاياه في جزيرة أباي ضمن تكوينات صخرية غنية بالحفريات، هذا الاكتشاف لا يعكس فقط عودة النشاط العلمي في المنطقة، بل يسلط الضوء على مواقع كورية جديدة قد تتحول إلى نقاط جذب علمي وسياحي مستقبلاً.
تقنية تكشف ما تخفيه الصخور
ما يميز هذا الاكتشاف ليس فقط الكائن ذاته، بل الطريقة التي تم بها الكشف عنه، فقد استخدم العلماء تقنيات الأشعة المقطعية (CT scan) لدراسة الأحفورة دون كسرها، ما أتاح لهم رؤية تفاصيل دقيقة داخل الصخور، بما في ذلك جمجمة شبه كاملة، وهو أمر نادر في حفريات كوريا، بحسب ما نشرته (ScienceDaily)، ويعكس هذا الاستخدام للتقنيات الحديثة تحولاً في علم الأحافير، حيث لم يعد الاكتشاف يعتمد فقط على الحفر، بل على أدوات رقمية تعيد قراءة الماضي بدقة غير مسبوقة.
ديناصور صغير… بنمط حياة مفاجئ
ينتمي "دوليساوروس" إلى فصيلة "الثيسيلوصوريدات"، وهي مجموعة من الديناصورات الصغيرة التي كانت تعيش على اليابسة، لكن التحليل العلمي كشف جانباً غير متوقع في نمط حياته، إذ عُثر داخل جسمه على "حصى معدية"، ما يشير إلى أنه لم يكن نباتياً بالكامل، بل قارتاً يتغذى على النباتات وربما كائنات صغيرة، وفق ما أكدته تقارير (ScienceDaily)، وتشير التقديرات أيضاً إلى أنه كان صغير الحجم نسبياً، وربما مغطى بطبقة زغبية، ما يعكس تنوعاً بيولوجياً أكبر في تلك الحقبة.
اسم من عالم الكرتون… حين يلتقي العلم بالثقافة
لكن ما منح هذا الاكتشاف زخماً جماهيرياً هو اسمه، فقد سُمّي "دوليساوروس" نسبة إلى شخصية كرتونية شهيرة في كوريا الجنوبية تُعرف باسم "دولي"، وهي شخصية ارتبطت بذاكرة أجيال منذ الثمانينيات، ووفق ما ذكره موقع (Earth.com)، المتخصص في الأخبار العلمية، أشار الباحثون إلى أن هذه الشخصية معروفة لكل جيل في كوريا، ما يجعل الاكتشاف أقرب إلى الجمهور، ويفتح الباب أمام اهتمام أوسع يتجاوز الأوساط العلمية.
جوسيونغ… كيف تحولت آثار أقدام إلى اقتصاد كامل
لفهم الإمكانات الاقتصادية لمثل هذا الاكتشاف، يكفي النظر إلى تجربة مقاطعة جوسيونغ (Goseong)، التي تُعد واحدة من أبرز دراسات الحالة في هذا المجال، فالمنطقة، التي تضم أحد أكبر مواقع آثار أقدام الديناصورات في العالم، لم تكن في الأصل وجهة سياحية بارزة، لكنها استطاعت عبر الاستثمار في هذا الإرث الجيولوجي أن تعيد تشكيل اقتصادها المحلي.
فقد عملت السلطات الكورية على تطوير الموقع من مجرد منطقة أحفورية إلى منظومة متكاملة تشمل متحف جوسيونغ للديناصورات، ومسارات تعليمية، ومهرجانات سنوية تستقطب الزوار من داخل كوريا وخارجها، ووفق بيانات سياحية كورية، تستقبل المنطقة مئات الآلاف من الزوار سنوياً، ما ساهم في تنشيط قطاعات الضيافة والخدمات، وخلق فرص عمل، وتعزيز حضور كوريا في مجال السياحة العلمية.
جزيرة أباي… هل تكون جوسيونغ الجديدة؟
انطلاقاً من هذه التجربة، يرى مراقبون أن جزيرة أباي، حيث اكتُشف "دوليساوروس"، تمتلك مقومات مماثلة يمكن أن تؤهلها لمسار مشابه، فوجود أحفورة شبه كاملة لديناصور جديد، مدعومة بتقنيات علمية حديثة واسم ثقافي جذاب، يشكل أساساً يمكن البناء عليه لتطوير موقع علمي سياحي.
ومع الاهتمام الإعلامي الذي رافق الاكتشاف، فإن تحويل الجزيرة إلى وجهة تعليمية وسياحية عبر إنشاء مراكز عرض أو متاحف مصغرة أو برامج تعليمية قد يسهم في جذب الزوار، خصوصاً العائلات والطلاب، كما أن الربط بين الاكتشاف وشخصية كرتونية معروفة يعزز فرص تسويقه، سواء من خلال الفعاليات أو المنتجات الثقافية.
وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى "دوليساوروس" كاكتشاف علمي فقط، بل كبداية محتملة لمسار اقتصادي وسياحي جديد، على غرار ما حدث في جوسيونغ.
العلم كقوة ناعمة… من الأحفورة إلى الهوية
في هذا الإطار، تعكس كوريا الجنوبية نموذجاً متقدماً في توظيف الاكتشافات العلمية ضمن استراتيجيات أوسع تشمل التعليم والسياحة والاقتصاد الإبداعي، فالجمع بين التقنية، والثقافة، والاستثمار المحلي يتيح تحويل الاكتشافات إلى أدوات تأثير تتجاوز المجال الأكاديمي.
ديناصور صغير… ومستقبل كبير
في النهاية، قد يبدو "دوليساوروس" كائناً صغيراً عاش قبل أكثر من 100 مليون سنة، لكنه اليوم يمثل فرصة كبيرة، فرصة لإعادة قراءة الماضي، وبناء مستقبل اقتصادي وثقافي جديد، حيث تتحول الأحفورة من بقايا صامتة في الصخور إلى محرك حي للتنمية.
أخبار متعلقة :