ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 30 أبريل 2026 11:21 مساءً - لم تكن مجرد صفقة بنادق وذخيرة، بل كانت محاولة لاختراق النظام المالي والسيادي للدولة من الداخل. خلف واجهات شركات "المواد الغذائية" وحسابات التجارة الصورية، كان "الشياطين الـ 13" يحيكون مخططاً دولياً لتمويل النزاعات، مستخدمين تسجيلات وتزويراً احترافياً لإخفاء ملايين الطلقات المتجهة إلى بورتسودان. وبينما ظن "راشد عمر" وعقيد الجيش "عثمان الزبير" أن مساراتهم آمنة، كانت أعين أمن الدولة ترصد أنفاسهم، لتنتهي اللعبة ببيان حاسم من النائب العام أسدل الستار على رهان "صلاح قوش" الأخير.
كشفت التحقيقات عن "هندسة مالية" دقيقة قادها المتهم الأول راشد عمر عبد القادر علي، وهو رجل أعمال ينشط في تجارة المواد الغذائية والقطن كغطاء لأنشطته، والمسؤول عن التنسيق بين لجنة التسليح وشركات التوريد. وبالتعاون مع محمد الفتح محمد بيك، مستشار وزارة المالية السودانية والمقرب من مجلس السيادة، تم التلاعب المحاسبي لتضخيم قيمة الصفقات وتوزيع العمولات غير المشروعة عبر حسابات مصرفية داخل الدولة. وفي تسجيل صوتي موثق، يظهر البيك وهو ينسق مع راشد تفاصيل توزيع الغنائم، حيث حدد مبلغ 2,654,000 دولار (ما يعادل 8,640,000 درهم) كعمولات ناتجة عن تضخم قيمة الصفقة الأولى التي أُعلنت بـ 13 مليون دولار بينما قيمتها الفعلية 10 ملايين فقط.
أظهرت المحادثات الموثقة نية مبيتة للتلاعب بالنظام الجمركي والرقابي للدولة، حيث طلب راشد عمر، الذي يمتلك "شركة راشد عمر للوساطة" التي تلقت أموال الصفقة الأولى، من شريكه محمد بيك إجراء "تعديلات فنية" وتزوير مستندات عبر إضافة ميزات ومواصفات وهمية للشحنة لإخفاء طابعها العسكري. كان هذا الاحتيال يتم بالتنسيق مع عثمان محمد الزبير محمد، وهو عميد في القسم المالي بالقوات المسلحة السودانية والمسؤول المباشر عن إبرام الصفقات وتدقيق شحنات الأسلحة عند وصولها للسودان، كما يتولى مسؤولية إصدار الموافقات النهائية للصرف.
الخطة "ب"
لم يقتصر المخطط على الشحنة المضبوطة، بل كشفت التسجيلات عن طموحات إجرامية أوسع للشبكة بقيادة صلاح عبد اللّٰه محمد صالح (الملقب بصلاح قوش)، رئيس جهاز المخابرات السوداني الأسبق وأحد المؤسسين الأوائل لتنظيم القاعدة في السودان والمدرج في قائمة العقوبات الأمريكية. رصدت الأجهزة المختصة تسجيلاً بصوت قوش، الذي تولى أدوار التوجيه والتنسيق وكان يستقطع عمولات شخصية من أموال الجيش السوداني دون علمه، يستفسر فيه عن تهريب 5 ملايين طلقة غرانوف إضافية عبر 6 صفقات أخرى أعد لها المتهمون. وكان المخطط يقضي باستخدام مبالغ من "أرباح" الصفقة الأولى لتمويل هذا التوريد العاجل عبر طائرة خاصة.
اجهات تجارية
وظفت الشبكة الإجرامية 6 شركات مسجلة في الدولة كأدوات لتمرير المدفوعات تحت غطاء معاملات تجارية صورية، حيث برزت شركة راشد عمر للوساطة كجهة تولت استلام أموال الصفقة الأولى، بينما عملت شركة بورتيكس تريد ليمتد كمورد أساسي للأسلحة في حسابات الشبكة. وفي سياق تدفق الأموال، استلمت شركة سودامينا المبالغ الأكبر المحولة من شركة "بترولاينز" الحكومية السودانية، في حين لعبت شركات وردة المسرة، وبلو ساند، وأبو لارا أدواراً لوجستية ومصرفية في تمرير وغسل الأموال والتعامل مع الحوالات غير المشروعة لضمان استمرار العمليات المشبوهة بعيداً عن الرقابة.إحباط المخطط:
سيادة الدولة
في عملية نوعية عكست كفاءة المنظومة الأمنية، تمكنت الأجهزة المختصة من فك شفرات المخطط وتعقب مسارات الأموال المعقدة والشحنات المشبوهة بدقة متناهية. هذه اليقظة أدت إلى شل حركة الشبكة الإجرامية وإلقاء القبض على المتهمين الـ13 قبل تمرير العتاد لوجهته النهائية.
وبحسب تأكيدات النيابة العامة، فإن إجهاض الشحنة الأولى كان بمثابة حجر الزاوية الذي أدى لانهيار المخطط بالكامل، وحال دون تنفيذ العمليات الست الأخرى التي كان "الشياطين" قد أعدوا لها. وفي رسالة حاسمة، شددت الدولة على أن أمنها وسيادتها "خط أحمر"، مؤكدة أنها لن تتهاون في تطبيق القانون بكل حزم ضد كل من تسول له نفسه استغلال مؤسساتها أو نظامها المالي في أي أنشطة تخل بالنظام العام.
أخبار متعلقة :