ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 4 مايو 2026 02:06 صباحاً - 2000 زوج وزوجة خضعوا لتحليل 782 جيناً مرتبطة بأمراض وراثية متنحية
كشفت دراسة علمية حديثة قادها علماء من «دبي الصحية» و«جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية»، أن برنامج الفحص الجينومي قبل الزواج في دبي شمل 1000 زوج من المقبلين على الزواج، أي 2000 شخص، عبر تحليل 782 جيناً مرتبطة بالأمراض الوراثية المتنحية، في خطوة تعزز جهود الإمارة في الوقاية المبكرة والحد من الأمراض الوراثية والنادرة.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر ميديسن»، إحدى أبرز المجلات الطبية العلمية في العالم، تحت عنوان «المسح الجينومي الشامل ما قبل الزواج في مجتمع الشرق الأوسط»، أن البرنامج نجح في تحديد 79 زوجاً من أصل 1000، بنسبة 8%، كانوا يحملون متغيرات جينية مسببة للمرض في الجين نفسه، ما قد يرفع احتمال إنجاب أطفال مصابين بأمراض وراثية متنحية.
وتناولت الدراسة أول تطبيق عملي لبرنامج إلزامي للفحص الجينومي قبل الزواج، منذ انطلاقه في 6 يناير 2025 وحتى 30 يوليو من العام نفسه، من خلال 18 مركزاً للرعاية الصحية الأولية في الإمارة، مع إتاحة الطلب رقمياً عبر تطبيق «دبي الآن»، بما يعكس توظيف الإمارة للتحول الرقمي في دعم خدمات الصحة الوقائية.
وبيّنت الدراسة أن النسبة المسجلة في دبي، والبالغة 8%، جاءت أعلى من النسبة المسجلة في دراسة أسترالية مشابهة، والتي بلغت 3.9%، ما يعزز أهمية المسح الجينومي الموسع في المجتمعات التي ترتفع فيها احتمالات انتقال الأمراض الوراثية المتنحية.
وأوضحت النتائج أن العينات جُمعت بنجاح من جميع المشاركين البالغ عددهم ألفي شخص، من دون الحاجة إلى إعادة جمع أي عينة، وبنسبة نجاح بلغت 100% وشمل الفحص 782 جيناً مرتبطة بأمراض وراثية متنحية، من بينها 558 جيناً أُدرجت بناءً على معايير تتصل بشدة المرض وتأثيره في العمر، أو القدرات الذهنية والحركية، أو الحواس أو المناعة أو التشوهات الخلقية، إضافة إلى 224 جيناً أُدرجت استناداً إلى بيانات جينومية محلية سبق رصدها لدى السكان الإماراتيين.
وأكدت الدراسة أهمية الاعتماد على البيانات الجينومية المحلية، إذ ساهمت الجينات الـ224 المضافة من قاعدة بيانات دبي الجينومية في تحديد 14 زوجاً من أصل 79 من الأزواج المعرضين للخطر، أي ما يعادل 18% من الحالات، وهي حالات كان من الممكن ألا تُكتشف لو اقتصر الفحص على القوائم الجينية التقليدية.
وأظهرت الدراسة أن أمراض الدم الوراثية كانت الأكثر شيوعاً بين المخاطر المكتشفة، إذ شكّلت 41% من حالات الأزواج المعرضين للخطر، بما يعادل 32 زوجاً من أصل 79. وشملت هذه الحالات 21 زوجاً معرضين لخطر إنجاب أطفال مصابين بألفا ثلاسيميا، و11 زوجاً معرضين لخطر أمراض مرتبطة ببيتا ثلاسيميا أو فقر الدم المنجلي.
وبينت الدراسة أن 59% من الأزواج المعرضين للخطر حملوا متغيرات مرضية في 33 جيناً آخر، مرتبطة بـ51 حالة مرضية مختلفة، الأمر الذي يؤكد أهمية توسيع نطاق الفحص الجيني وعدم الاكتفاء بالفحوص التقليدية المحدودة.
كما كشفت الدراسة أنه من بين 158 شخصاً من حاملي المتغيرات الجينية، تبيّن بالصدفة أن أربعة أشخاص يحملون نسختين من متغير جيني مسبب للمرض، بما يشير إلى احتمال إصابتهم فعلياً بمرض وراثي، وليس مجرد كونهم حاملين للمتغير الجيني، وتمت إحالتهم إلى الرعاية الطبية المتخصصة والمتابعة السريرية المناسبة.
وأشارت الدراسة إلى أن الأزواج المعرضين للخطر يتم تعريفهم بخيارات إنجابية وقائية، من بينها مبادرة «الأمل»، التي توفر دعماً حكومياً لعلاجات الخصوبة، بما يشمل أطفال الأنابيب والفحص الجيني للأجنة قبل الزراعة، بهدف تقليل احتمال انتقال الأمراض الوراثية إلى الأطفال.
ولفتت الدراسة إلى أن البرنامج نجح في تحسين زمن إصدار النتائج، إذ كان الهدف في البداية إصدارها خلال 28 يوماً، قبل تقليص المدة إلى 14 يوماً، وتمكنت الفرق المعنية لاحقاً من إيصال النتائج إلى 89.8% من الأزواج خلال 14 يوماً، بعد تطوير سير العمل وأتمتة عدد من خطوات تحليل النتائج وإصدار التقارير.
كما شملت الدراسة استطلاعاً لآراء عدد من الأزواج المعرضين للخطر، أظهر أن 88.7% منهم اعتبروا الفحص الجيني قبل الزواج مهماً لاتخاذ قرارات إنجابية واعية، فيما قال 84.9% إنهم شعروا بالارتياح لاستخدام المعلومات الجينية في قرارات تنظيم الأسرة. وأيد 62.3% استخدام أطفال الأنابيب والفحص الجيني للأجنة للأزواج المعرضين للخطر.
ورصدت الدراسة في المقابل جوانب نفسية واجتماعية مرتبطة بالفحص، إذ أفاد 67.9% من المشاركين بأنهم شعروا بالقلق أثناء انتظار النتائج، بينما قال 56.6% إن قلقهم زاد بشأن إنجاب أطفال في المستقبل، ما يسلط الضوء على أهمية الاستشارة الوراثية والدعم النفسي والاجتماعي ضمن مثل هذه البرامج الوقائية.
وشمل استطلاع آخر 20 من مقدمي الرعاية الصحية المشاركين في البرنامج، حيث قيّم 75% منهم البرنامج بأنه «إيجابي جداً»، و25% بأنه «إيجابي»، فيما اعتبر عدد منهم أن الوصمة الاجتماعية قد تمثل تحدياً أمام تقبل بعض الأزواج للنتائج، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى رفع الوعي المجتمعي بأهمية الفحص الجينومي ودوره الوقائي.
وأكدت الدراسة أن نتائج البرنامج تبرز جدوى الفحص الجينومي قبل الزواج وقيمته السريرية، باعتباره أداة وقائية مهمة ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى تقليل عبء الأمراض النادرة والوراثية، وتعزيز فرص الوقاية والتشخيص المبكر، وتمكين الأسر من اتخاذ قرارات مبنية على معلومات علمية دقيقة.
ويعكس نشر الدراسة في «نيتشر ميديسن» قوة المنظومة الصحية الأكاديمية المتكاملة في دبي، ودورها في تطوير نموذج يجمع بين الرعاية الصحية والبحث العلمي والابتكار الطبي، بما ينسجم مع نهج «المريض أولاً» الذي تتبناه «دبي الصحية»، ويعزز مكانة الإمارة على خريطة البحث الطبي العالمي.
وقال الدكتور محمد العوضي، المدير التنفيذي لمجمع صحة المرأة والطفل في «دبي الصحية»: «إن مركز الجينوم في «دبي الصحية» يجسد نموذجاً متكاملاً يجمع بين التعلم والبحث العلمي والرعاية الصحية، من خلال فريق يضم أطباء وباحثين من جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية، يعملون على تحويل الاكتشافات الطبية الحيوية إلى حلول عملية تسهم في تطوير خدمات الرعاية الصحية والارتقاء بجودتها».
وأضاف في تسجيل مصور له على صفحة دبي الصحية على انستغرام أن المركز يعمل على تحليل البيانات الجينومية بما يدعم تطوير خدمات الاستشارات والمتابعة للأفراد والأسر، ويمكّن الكوادر الطبية من اتخاذ قرارات علاجية دقيقة قائمة على أسس علمية، إلى جانب توفير منظومة شاملة من الفحوصات والتحاليل الجينية، والتشخيص الجيني للأمراض الوراثية والنادرة، وبرنامج الفحص الجيني قبل الزواج، بما يعزز البرامج الصحية ويدعم استراتيجية الجينوم الوطنية.
وقال الأستاذ الدكتور أحمد أبو طيون، مدير مركز الجينوم في «دبي الصحية» والمتخصص في الوراثة الجزيئية السريرية، إن نشر الدراسة في واحدة من أبرز المجلات الطبية العلمية عالمياً يمثل إنجازاً علمياً رفيعاً يعكس أهمية تكامل جهود فرق متعددة التخصصات.
وأضاف أن مركز الجينوم في «دبي الصحية» يجسد نموذجاً متكاملاً يجمع بين البحث العلمي والتطبيق السريري، من خلال تعاون علماء الأحياء الجزيئية، وعلماء الجينوم، ومتخصصي الوراثة الجزيئية السريرية، ومتخصصي المعلوماتية الحيوية وعلم الأحياء الحاسوبي، إلى جانب أطباء طب الأسرة، بما يسهم في تطوير حلول دقيقة تعزز الوقاية والتشخيص المبكر، وتدعم اتخاذ القرارات الطبية المبنية على البيانات الجينومية.
وأكد أن هذا العمل يبرز أهمية التكامل بين التخصصات المختلفة في تحويل الاكتشافات العلمية إلى تطبيقات عملية تسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية وتعزيز صحة الأفراد والأسر.
أخبار متعلقة :