ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 5 مايو 2026 12:36 صباحاً - على امتداد خمسة عقود من توحيد القوات المسلحة الإماراتية، لم تكن مسيرة الدفاع عن الوطن حكراً على الرجال وحدهم، بل شاركت المرأة الإماراتية في هذه السيرة الوطنية من موقع الواجب والمسؤولية.
لتؤكد أن حماية المكتسبات وصون الاتحاد مسؤولية مشتركة بين أبناء الوطن وبناته، تتكامل فيها الأدوار ضمن منظومة وطنية واحدة تقوم على الانتماء والولاء والعمل الجماعي.
وتأتي هذه المشاركة في سياق تطور شامل شهدته دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد، حيث لم تقتصر النهضة على البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، بل امتدت إلى بناء الإنسان وتمكينه، وتعزيز حضوره في مختلف القطاعات الحيوية، ومنها القطاع العسكري الذي يعد أحد أعمدة السيادة الوطنية.
وفي هذا الإطار، برزت المرأة الإماراتية كعنصر فاعل في منظومة الدفاع والأمن، ليس فقط كمشاركة مساندة، بل ككفاءة وطنية أثبتت حضورها في مواقع متعددة.
وفي الذكرى الخمسين لتوحيد القوات المسلحة، يبرز حضور المرأة الإماراتية بوصفه أحد الشواهد الحية على عمق التحولات التي شهدتها المؤسسة العسكرية، ليس فقط على مستوى التسليح والجاهزية والتدريب، بل أيضاً في تمكين الكفاءات الوطنية وإتاحة الفرصة أمام المرأة لتكون جزءاً فاعلاً من منظومة الدفاع والأمن والاستقرار، وفي ترسيخ مفهوم أن الأمن الوطني مسؤولية مجتمعية شاملة.
وتعكس تجربة المرأة الإماراتية في القوات المسلحة نهجاً مؤسسياً قائماً على الثقة والكفاءة وتكافؤ الفرص، إذ انتقلت مشاركتها من التدريب العسكري النظامي إلى مجالات نوعية تشمل الطب العسكري، والهندسة، والاتصالات، والطيران، والدعم اللوجستي، والإدارة، والعمليات، وحفظ السلام، في مسار يؤكد أن خدمة الوطن مسؤولية مشتركة يحملها أبناء الإمارات وبناتها.
رؤية قيادية وتمكين مبكر
تعد هذه التجربة ثمرة لرؤية قيادية حكيمة آمنت مبكراً بقدرة المرأة على المشاركة في مختلف ميادين التنمية والعمل الوطني. وكان لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، دور محوري في هذا المسار، من خلال دعمها المتواصل لتمكين المرأة وتشجيعها على دخول مجالات جديدة، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن المرأة شريك أساسي في بناء المجتمع وصون مكتسباته.
وفي هذا السياق، جاءت دولة الإمارات في طليعة الدول الخليجية والعربية التي أولت تمكين المرأة في المجال العسكري اهتماماً مبكراً، وفتحت أمامها أبواب المشاركة في القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية.
ومع مرور السنوات، أثبتت المرأة الإماراتية جدارتها، وأظهرت قدرة لافتة على العمل ضمن بيئات تتطلب دقة عالية وسرعة في الاستجابة وانضباطاً وجاهزية مستمرة، وهو ما عزز حضورها المؤسسي.
شكل عام 1990 محطة مفصلية في هذا المسار، بعد أربعة عشر عاماً على توحيد القوات المسلحة، مع تأسيس مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية، أول مدرسة عسكرية لتدريب الإناث في دولة الإمارات وعلى مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وقد مثل تأسيس المدرسة نقطة تحول في تاريخ مشاركة المرأة الإماراتية في العمل العسكري، إذ فتح أمامها باب التدريب النظامي، ورسخ ثقافة وطنية مفادها أن خدمة الوطن وحماية مكتسباته مسؤولية لا ترتبط بالجنس، بل بالقدرة على تحمل الواجب والاستعداد له.
وتحوّلت المدرسة إلى صرح وطني لإعداد وتأهيل المنتسبات، ليس فقط بدنياً وعسكرياً، بل قيادياً أيضاً، عبر منظومة تدريب تقوم على الانضباط واللياقة والعمل الجماعي والعمل في ظروف مختلفة، بما يسهم في بناء شخصية عسكرية متكاملة.
وقد وفرت وزارة الدفاع والقوات المسلحة في المدرسة كوادر تدريبية مؤهلة ذات خبرة طويلة، إلى جانب تأهيل علمي عالٍ، ما جعلها بيئة تدريبية متقدمة تسهم في إعداد أجيال من الكفاءات النسائية.
ومنذ تأسيس المدرسة، توسع حضور المرأة الإماراتية داخل القوات المسلحة تدريجياً، فلم يقتصر على التدريب الأساسي أو الأدوار الإدارية، بل امتد إلى مجالات نوعية تشمل الطب العسكري، والهندسة، والاتصالات، والطيران، والدعم اللوجستي، والإدارة، والعمليات وغيرها.
وعكس هذا التوسع حجم الثقة التي منحتها المؤسسة العسكرية للمرأة، وحجم الجهد الذي بذلته ابنة الإمارات لتكون على قدر هذه الثقة، في ظل بيئات عمل تتطلب انضباطاً عالياً وقدرة على التعامل مع الضغوط.
كما أثبتت المرأة الإماراتية كفاءتها في أداء واجباتها العسكرية والإدارية والطبية والفنية، واعتلت مناصب قيادية وإدارية، ونالت رتباً عسكرية عليا، وفق معيار يعتمد على الجدارة والكفاءة والانضباط والقدرة على الإنجاز.
وفي عام 2014، جاء القانون الاتحادي رقم 6 بشأن الخدمة الوطنية والاحتياطية ليشكل محطة إضافية في تعزيز مشاركة المرأة، حيث أتاح لها الالتحاق اختيارياً، ما رسخ مفهوم الشراكة في الدفاع عن الوطن.
كما برزت نماذج ملهمة في هذا السياق، من بينها مريم المنصوري، أول إماراتية تقود طائرات مقاتلة، والتي أصبحت رمزاً لطموح المرأة الإماراتية وقدرتها على الوصول إلى أعلى مستويات التخصص العسكري.
حفظ السلام والدور الإنساني
ولا ينفصل حضور المرأة الإماراتية في القوات المسلحة عن البعد الإنساني لسياسة دولة الإمارات، إذ توسع دورها من العمل العسكري الداخلي إلى مجالات حفظ السلام والمشاركة في الجهود الإنسانية.
وفي عام 2018، وقعت وزارة الدفاع والاتحاد النسائي العام وهيئة الأمم المتحدة للمرأة مذكرة تفاهم لتطوير قدرات المرأة العربية في العمل العسكري وحفظ السلام، في خطوة عززت الحضور الدولي للإمارات في هذا المجال.
وتوالت البرامج التدريبية، لتتحول هذه المبادرات إلى مسار مؤسسي مستدام، يسهم في إعداد كوادر نسائية قادرة على العمل في بيئات دولية متعددة.
وجاء تدشين مركز فاطمة بنت مبارك للمرأة والسلام والأمن امتداداً لهذا النهج، في إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1325، بما يعزز دور المرأة في جهود الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً، ويدعم مشاركتها في صناعة السلام.
إن مسيرة المرأة الإماراتية في القوات المسلحة تمثل نموذجاً وطنياً متكاملاً يعكس تطور الدولة في تمكين الإنسان وتعزيز مشاركته في مختلف القطاعات الحيوية، فهي ليست مجرد مشاركة وظيفية، بل حضور مؤسسي ممتد يجمع بين الانضباط والكفاءة والبعد الإنساني، لتظل المرأة الإماراتية شريكاً أساسياً في حماية الوطن، وصون مكتسباته، والمساهمة في بناء مستقبله.
1990:
تأسيس أول مدرسة عسكرية للإناث في الدولة (خولة بنت الأزور)
2014:
الخدمة الوطنية تفتح مساراً اختيارياً لمشاركة المرأة
2018:
مذكرة تفاهم إماراتية أممية لتأهيل المرأة العربية في حفظ السلام
50
عاماً تطوراً متصاعداً لدور المرأة الإماراتية في القوات المسلحة
أخبار متعلقة :