ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 6 مايو 2026 12:06 صباحاً - بينما تقف دولة الإمارات شامخة في ذكراها الخمسين لتوحيد قواتها المسلحة، لا تستحضر الذاكرة الوطنية مجرد قرار تنظيمي أو مؤسسي صدر قبل نصف قرن، بل تستعيد ملحمة وجودية صيغت بحروف من نور، وعُمّدت بدماء الشهداء وطموح المؤسسين، إنها حكاية «درع الوطن» التي حولت بناء القوة العسكرية من مشروع تنظيمي بسيط إلى مسار ملحمي ينبض بقيم الفداء والولاء، وعهد أبدي بحماية الاتحاد وصون مكتسباته، حيث يتجدد اليوم في وجدان الشعب كرمز للقوة والتضحية.
يوم توحدت القلوب
في السادس من مايو عام 1976، لم يكن القرار التاريخي بتوحيد القوات المسلحة تحت راية واحدة وقيادة مركزية مجرد إجراء إداري، بل كان الإعلان الفعلي عن اشتداد عود الاتحاد وترسيخ أمنه واستقراره، ومنذ تلك اللحظة، تحولت المؤسسة العسكرية إلى الركن الأساسي الذي يتكئ عليه الوطن في طموحاته.
واليوم، وبعد مرور خمسة عقود، تتجلى هذه المسيرة في أبهى صورها، ليس فقط من خلال الجاهزية القتالية والتطور التكنولوجي والتسليح النوعي الذي وصلت إليه قواتنا، بل من خلال تلك الروابط الوجدانية التي تجمع الشعب بقيادته وجيشه، وتلك التضحيات العظيمة التي قدمها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فبذلوا أرواحهم لتبقى راية الإمارات خفاقة.
قصة الفداء الأولى
لا يمكن قراءة تاريخ التضحية الإماراتية دون الوقوف إجلالاً أمام اسم الشرطي سالم بن سهيل خميس بن زعيل الدهماني، صاحب الرقم العسكري 190، هذا البطل الذي خط بدمه أولى صفحات المجد في جزيرة طنب الكبرى في الثلاثين من نوفمبر عام 1971، قبل إعلان قيام الدولة بـ48 ساعة فقط، واجه ابن سهيل مع خمسة من رفاقه عدوان المحتل الإيراني بصدور عارية إلا من الإيمان والكرامة، ليكون استشهاده بمثابة الإعلان الروحي لقيام دولة لا تفرط في ذرة تراب، ومنذ ذلك اليوم، حُفرت الشهادة في جينات الذاكرة الوطنية كعنوان للإخلاص المطلق.
يوم الشهيد
انطلاقاً من هذا التاريخ المشرف، وبناءً على توجيهات المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان «رحمه الله»، اعتمدت الدولة في عام 2015 «يوم الشهيد» كمناسبة وطنية سنوية ومحطة لا تهدف فقط للذكرى، بل هي رسالة عرفان لأبطال جسدوا أسمى معاني العطاء، ولأن يوم الشهيد يندمج كلياً مع مسيرة توحيد القوات المسلحة.
فكلاهما وجهان لعملة واحدة هي «السيادة»، ترجمت القيادة الرشيدة هذا الوفاء إلى نهج مستدام، تمثل في إنشاء «مكتب الشؤون التنموية وأسر الشهداء» بديوان الرئاسة، بتوجيهات من صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليكون ترجمة فعلية لاهتمام القيادة الحكيمة بأسر الشهداء وذويهم، حيث يتولى المكتب تقديم الدعم المتكامل لأسرة وأبناء كل شهيد، وتأمين أوجه الرعاية والاهتمام كافة، في مشهد يجسد التلاحم الفريد بين القيادة والشعب، حيث لا يُنسى من ضحى، ولا يُترك أهله إلا وهم في قلب الرعاية والاهتمام.
واحة الكرامة
في قلب العاصمة أبوظبي تقف «واحة الكرامة» شاهداً هندسياً وتاريخياً على بطولات أبناء الإمارات، هذا الصرح الذي افتتح في 30 نوفمبر 2016، يمتد على مساحة 46 ألف متر مربع، ويضم في أرجائه «ميدان الفخر» و«جناح الشرف».
ويبرز «نصب الشهيد» بتصميمه الفريد للفنان إدريس خان، حيث يتكون من 31 لوحاً من الألمنيوم يستند بعضها إلى بعض، في رمزية عميقة للتكاتف والتعاضد بين القيادة والشعب والجيش، أما «جناح الشرف»، فيحمل دلالة مؤثرة، حيث نقشت أسماء الشهداء على ألواح صنعت من قطع هياكل آليات حربية شاركت بالفعل في مهام ميدانية، ليرتبط الميدان بالذاكرة، والواجب بالخلود.
منارات تخلد التضحية
لم تتوقف شواهد الوفاء عند العاصمة، ففي الشارقة، وجّه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بإنشاء ساحة ونصب الشهداء في حرم المدينة الجامعية، وتسمية الشارع الخلفي لها بـ«شارع الشهداء»، لتبقى ذكراهم حاضرة في عقول الشباب والطلبة جيلاً بعد جيل.
ويشمخ نصب الشهداء في الشارقة بارتفاع عشرة أمتار، تتوسطه ألواح ذهبية محفور عليها الآية الكريمة: ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ))، في مزيج يجمع بين القدسية والوطنية.
محطة وطنية
يقول الدكتور سالم الطنيجي، المحاضر في الجامعة القاسمية بالشارقة إن شهداء الإمارات سيبقون في ذاكرة الوطن عنواناً للفخر والوفاء، فهم الذين قدّموا أرواحهم دفاعاً عن تراب الدولة ورايتها، وكتبوا بدمائهم أسمى فصول التضحية في مسيرة الاتحاد، مؤكداً أن ذكراهم ليست مناسبة للحزن، بل محطة وطنية متجددة لاستلهام معاني الولاء والانتماء والإخلاص.
مؤكداً أن رعاية الدولة لأسر الشهداء تمثل نموذجاً راسخاً في الوفاء لمن ضحوا من أجل الوطن، وتجسد نهج القيادة الرشيدة التي لا تنسى أبناءها الأبرار، ولا تغفل ما قدموه في ميادين الواجب والشرف، مشيراً إلى أن صرح الشهيد «واحة الكرامة» في أبوظبي سيظل رمزاً خالداً يذكر الأجيال بأن أمن الإمارات واستقرارها ثمرة تضحيات رجال صدقوا ما عاهدوا الوطن عليه.
وأكد الدكتور الطنيجي، بمناسبة اليوبيل الذهبي لتوحيد القوات المسلحة، أن السادس من مايو 1976 شكّل محطة تاريخية فارقة في مسيرة الدولة، حين توحدت القوات المسلحة تحت قيادة واحدة وراية واحدة، بعد أن كانت لكل إمارة قوتها الخاصة، ليصبح هذا القرار أحد أعمدة الاتحاد الراسخة، وضمانة حقيقية لحماية سيادة الدولة وأمنها واستقرارها.
مشيراً إلى أن رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، جسدت إيماناً عميقاً بأن قوة الاتحاد تحمي الاتحاد، وأن بناء جيش وطني موحد لم يكن مجرد قرار عسكري، بل مشروع وطني غيّر مسار الدولة، ورسّخ مكانتها، وحمى مكتسباتها، وفتح الطريق أمام بناء قوات مسلحة حديثة تستند إلى الإنسان الإماراتي والكفاءة والتقنية.
وقال الدكتور الطنيجي إن الاتحاد يعني القوة، والقوة تعني الأمان، وتوحيد القوات المسلحة كان الضمانة التي جعلت اتحادنا أكثر صلابة ورسوخاً، فيما يبقى الشهيد حياً في وجدان أبناء الوطن، لافتاً إلى أن واجب جيل اليوم أن يواصل ما بدأه جيل المؤسسين والشهداء، بالعلم والعمل والإخلاص، حتى تبقى راية الإمارات عالية خفاقة.
قوة وتضحية
وقال سالم عامر صالح هلابي المري، شقيق أحد شهداء الوطن، إن ذكرى توحيد القوات المسلحة ليست مناسبة عسكرية فحسب، بل محطة وطنية نستحضر فيها معنى الاتحاد والقوة والتضحية، وننظر من خلالها بعين الفخر إلى درع الوطن، وبعين الوفاء إلى شهداء الإمارات الذين قدّموا أرواحهم ليبقى الوطن آمناً عزيزاً شامخاً.
وأضاف: «لقد توحدت قواتنا المسلحة لتكون حصناً منيعاً يحمي مكتسبات الاتحاد، وارتقى الشهداء ليؤكدوا أن حب الإمارات ليس شعاراً، بل عهد يُصان بالدم والولاء. وفي هذا اليوم، تبقى تضحيات شهدائنا أوسمة شرف نعتز بها، ودرساً خالداً للأجيال في معنى الفداء والانتماء»
وأكد أن القوات المسلحة الإماراتية ستظل مدرسة في حب الوطن والذود عن حياضه، بما تحمله من قيم الشجاعة والانضباط والوفاء، قائلاً: طوبى لشهدائنا في عليائهم، وهنيئاً للوطن بحماته المخلصين، الذين يواصلون حمل الراية بكل عزيمة وإخلاص.
وأكد الدكتور سيف بن عبود البدواوي، المؤرخ الإماراتي، أن توحيد القوات المسلحة في السادس من مايو عام 1976، شكّل محطة مفصلية في مسيرة دولة الإمارات، وجاء ثمرة للمساعي الحثيثة والرؤية الوحدوية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أدرك منذ وقت مبكر أن بناء الاتحاد لا يكتمل إلا بوجود قوة عسكرية موحدة تحمي مكتسباته وتصون أمنه واستقراره.
وأضاف إن القوات المسلحة كانت قبل قرار التوحيد موزعة بين ستة تشكيلات عسكرية محدودة الإمكانات والعدد والتسليح، قبل أن تتحول، خلال عقود قليلة، إلى مؤسسة عسكرية وطنية متطورة تحظى بتقدير واسع، لما بلغته من جاهزية وانضباط وتسليح حديث وخبرة ميدانية اكتسبتها من مشاركاتها في مهام حفظ السلام، ومنها المشاركة تحت مظلة الأمم المتحدة في كوسوفو.
وأشار إلى أن مسيرة التطوير لم تقتصر على التسليح والجاهزية، بل شملت منظومة التدريب والتأهيل العسكري، موضحاً أنه في السابق كان تدريب ضباط الصف يتطلب إرسالهم إلى دول شقيقة مثل الأردن أو السودان، بينما تمتلك الإمارات اليوم كليات ومعاهد عسكرية متخصصة في مختلف المجالات، قادرة على إعداد الكفاءات الوطنية وفق أعلى المعايير.
وأكد البدواوي أن القوات المسلحة الإماراتية لم تكن قوة دفاعية فحسب، بل قامت أيضاً بأدوار إنسانية داخل الدولة وخارجها، من بينها إسهاماتها في مناطق داخلية، ومشاركاتها الخارجية في إزالة الألغام في لبنان، ودعم جهود البناء والتنمية، ومنها بناء المستشفيات في أفغانستان. وقال من حق كل إماراتي، وكل عربي يقيم على أرض الإمارات، أن يفتخر بهذه القوات التي أصبحت مصدر أمن وعزة وفخر، وتجسيداً حياً لما يمكن أن تصنعه الرؤية الواضحة والإرادة الوطنية الصلبة.
إلى ذلك، يقول الدكتور السيد درويش، أستاذ الإعلام بجامعة زايد، إن ذكرى توحيد القوات المسلحة تمثل مناسبة وطنية عميقة الدلالات، تجدد استحضار قيم التضحية والانتماء التي جسدها أبناء الوطن في مختلف المراحل، مشيراً إلى أن هذه الذكرى تظل مرتبطة في الوعي الجمعي بمعاني العطاء التي أسهمت في ترسيخ الأمن والاستقرار.
ويرى أن الاحتفاء بهذه المناسبة لا يقتصر على بعدها التاريخي، بل يعكس مسيرة وطنية متواصلة تقوم على العمل والالتزام والمسؤولية، مؤكداً أن ما تحقق من تطور وتقدم هو نتيجة تضافر الجهود والإيمان المشترك بأهمية حماية المكتسبات وتعزيزها. وقال إن تضحيات أبناء الوطن تمثل ركيزة أساسية في بناء منظومة القيم المجتمعية.
حيث تعزز مفاهيم الولاء والانتماء، وتدعم استمرارية الهوية الوطنية، مضيفاً إن استحضار هذه القيم يسهم في ترسيخ وعي متوازن لدى الأجيال الجديدة بأهمية الاستقرار ودوره في تحقيق التنمية، مشيداً بالدور الذي تقوم به المؤسسات المختلفة في إبراز هذه المعاني وتعزيز حضورها في الخطاب العام.
ولفت إلى أن نقل هذه القيم بأساليب معاصرة يسهم في تعميق ارتباط المجتمع بتاريخه الوطني ويعزز الشعور بالمسؤولية تجاه المستقبل، مؤكداً أن هذه المناسبة تظل فرصة لتجديد الالتزام بالمحافظة على منجزات الوطن، والعمل بروح جماعية لمواصلة مسيرة البناء، بما يعكس استمرارية النهج الوطني القائم على الوحدة والتكاتف.
وقال الدكتور نصر عارف، أكاديمي: تمرّ الذكرى الخمسون لتوحيد القوات المسلحة الإماراتية والمجتمع الإماراتي يحتفي ببطولات جيشه وقدراته المتميزة في التصدي للاعتداءات الإيرانية الغادرة التي تستهدف المدن والبنية التحتية في مختلف مناطق الدولة وإفشالها.
مشيراً إلى أن هذه المناسبة واحدة من المحطات التي يتذكر فيها أهل الإمارات شهداء الوطن الذين ضحوا بحياتهم من أجل عزته وكرامته وصون مقدراته وكان أولهم من دافع عن الجزر الإماراتية أمام العدوان الإيراني على جزيرة أبو موسى، مؤكداً أن الاحتفاء بالشهداء يستوجب من الأجيال الجديدة أن تدرك معنى الوطن وضرورة التضحية من أجله وتقديم الروح دفاعاً عن كرامته.
ختاماً، إن الحكاية التي بدأت باستشهاد سالم بن سهيل، ومرت بقرار التوحيد التاريخي، وصولاً إلى منصات التكريم في واحة الكرامة، تؤكد حقيقة واحدة: أن قوة الإمارات لا تُقاس فقط بجودة سلاحها، بل بعقيدة رجالها ونسائها، وأن الاتحاد الذي شيده الآباء بحكمة، حماه الأبناء بتضحياتهم، وسيظل مصوناً بعزيمة لا تلين، لتبقى راية الإمارات شامخة أبد الدهر.
أخبار متعلقة :