ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 6 مايو 2026 01:21 صباحاً - لم يكن بناء وتطوير القوات المسلحة في دولة الإمارات مجرد استجابة لحاجة أمنية، بل جاء ضمن رؤية استراتيجية شاملة وضعت الإنسان في صدارة الأولويات، باعتباره الركيزة الأساسية لأي قوة عسكرية حديثة، وعلى مدار أكثر من خمسين عاماً، نجحت الدولة في تأسيس منظومة تدريب وتعليم عسكري متكاملة، لم تكتف بإعداد الجنود، بل ركزت على صناعة القادة.
وتطوير المهارات، وبناء قدرات نوعية تواكب التحولات العالمية في طبيعة الحروب. وتكشف المؤشرات أن هذه المنظومة لم تتوقف عند حدود التدريب التقليدي، بل امتدت لتشمل التعليم الأكاديمي، والتكنولوجيا، والشراكات الدولية في التدريب وتبادل الخبرات، وهو ما يعزز الجاهزية للسيناريوهات كافة.
تأهيل
وبدأت ملامح التعليم العسكري في الإمارات مبكراً مع تأسيس كلية زايد الثاني العسكرية، التي مثلت أول صرح أكاديمي لتأهيل الضباط، في خطوة عكست إدراكاً عميقاً لأهمية بناء الكادر البشري بالتوازي مع بناء الدولة، إذ تأسست في الأول من يناير عام 1972، بناء على رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أدرك مبكراً أن بناء جيش قوي يبدأ بتأهيل الإنسان علمياً وعملياً، وليس فقط بتوفير السلاح.
واختيرت مدينة العين مقراً للكلية، لتكون نقطة انطلاق أول صرح أكاديمي عسكري في الدولة، حيث بدأت منذ تأسيسها في استقبال الدفعات الأولى من الطلبة، والعمل على إعدادهم وفق برامج تدريبية متكاملة تجمع بين الانضباط العسكري والتأهيل العلمي.
وهدفت الكلية إلى إعداد وتأهيل الضباط المرشحين، وتزويد القوات المسلحة بكوادر قيادية قادرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، حيث تعتمد على برامج تدريبية تجمع بين العلوم العسكرية والتطبيق العملي، بما يضمن تخريج ضباط يمتلكون مهارات القيادة والكفاءة الميدانية.
مكانة راسخة
وعلى مدار أكثر من خمسة عقود، رسخت الكلية مكانتها كأول مؤسسة أكاديمية عسكرية في الدولة، حيث خرّجت آلاف الضباط الذين تولوا مناصب قيادية في مختلف قطاعات القوات المسلحة، لتؤكد دورها المحوري في بناء الهيكل القيادي العسكري في الإمارات، واستمرارها منصة رئيسية لصناعة القادة، ومع مرور السنوات، توسعت هذه المنظومة لتشمل كليات ومعاهد متخصصة في مختلف المجالات العسكرية.
وتضم دولة الإمارات اليوم شبكة متكاملة من المؤسسات التعليمية العسكرية، التي تشكل منظومة متقدمة لإعداد وتأهيل الكوادر في مختلف أفرع القوات المسلحة، وتشمل هذه المنظومة كليات متخصصة مثل كلية خليفة بن زايد الجوية لتدريب القوات الجوية، وكلية راشد بن سعيد آل مكتوم البحرية لتأهيل كوادر القوات البحرية، إلى جانب كلية الدفاع الوطني التي تركز على الدراسات الاستراتيجية والأمنية العليا.
وكلية القيادة والأركان المشتركة المعنية بإعداد وتأهيل الضباط القادة. وتستوعب هذه المؤسسات سنوياً مئات الطلبة، حيث تتراوح الطاقة الاستيعابية في بعض البرامج بين 300 و500 طالب.
ضمن مسارات تعليمية تمتد من عامين إلى أربعة أعوام، تجمع بين التأهيل الأكاديمي والتدريب العسكري المكثف، ويعكس هذا التنوع في المؤسسات والتخصصات قدرة الدولة على إعداد كوادر متخصصة تلبي احتياجات مختلف القطاعات العسكرية، من الجو والبحر إلى القيادة الاستراتيجية.
ولا تقتصر هذه المؤسسات على التعليم النظري، بل تعتمد على مناهج متطورة تدمج بين العلوم العسكرية والتخصصات الحديثة، مثل الأمن السيبراني، والهندسة الدفاعية، وإدارة الأزمات، حيث يتم تدريب الطلبة على سيناريوهات واقعية باستخدام تقنيات المحاكاة المتقدمة، ويهدف هذا النهج إلى تخريج كوادر تمتلك القدرة على التعامل مع التحديات المعاصرة، ومواكبة طبيعة الحروب الحديثة التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والمعرفة.
مناورات مشتركة
لم تقتصر جهود دولة الإمارات في التدريب العسكري على البرامج الداخلية، بل امتدت إلى تنظيم واستضافة والمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة ومتعددة الجنسيات، أسهمت في رفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التعاون الدفاعي مع الدول الشقيقة والصديقة، وقد شكلت هذه المناورات إحدى أهم أدوات تطوير الأداء العسكري، من خلال اختبار القدرات في بيئات واقعية تحاكي مختلف التحديات.
وعلى مدار العقود الماضية، استضافت الدولة العديد من المناورات العسكرية، التي ركزت على تعزيز التنسيق بين القوات البرية والجوية والبحرية، إلى جانب تطوير آليات العمل المشترك مع الحلفاء.
ومن أبرز هذه المناورات، مناورات «درع الجزيرة»، التي استضافت أبوظبي أولى نسخها في أكتوبر 1983، بمشاركة قوات دول مجلس التعاون الخليجي، وشكلت محطة مهمة في تعزيز العمل العسكري الخليجي المشترك.
كما نظمت الإمارات مناورات «حصن الاتحاد»، وهي تدريبات عسكرية محلية تُنفذ في عدة مواقع، من بينها كورنيش أبوظبي، وتهدف إلى استعراض جاهزية القوات المسلحة، واختبار قدرتها على التعامل مع مختلف السيناريوهات الميدانية، بما يعكس مستوى التطور الذي وصلت إليه المنظومة العسكرية.
وفي إطار تعزيز الأمن البحري، شاركت الإمارات في مناورات بحرية في البحر الأحمر عام 2021، إلى جانب الولايات المتحدة والبحرين وغيرها من الدول، وهي المرة الأولى التي تشارك فيها هذه الدول معاً في تدريب بحري مشترك.
حيث ركزت المناورات على حماية الممرات البحرية وتعزيز أمن الملاحة، في ظل التحديات المتزايدة التي تشهدها المنطقة. وامتدت هذه الجهود إلى المناورات المشتركة مع جمهورية مصر العربية، حيث نفذت الإمارات تدريبات عسكرية مشتركة مع القوات المسلحة المصرية، شملت تمارين على الدفاع والهجوم باستخدام الذخيرة الحية.
وتستضيف الإمارات بشكل منتظم مناورات وتدريبات مع دول صديقة، من بينها الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، حيث تركز هذه التدريبات على تعزيز التنسيق الجوي والبحري، وتطوير قدرات العمل المشترك، بما يتماشى مع طبيعة العمليات العسكرية الحديثة.
وتواصل الإمارات توسيع نطاق مشاركاتها الخارجية، حيث تشارك في مناورات دولية خارج حدودها، مثل مناورات «إينيوخوس» في اليونان (2025)، التي تُعد من أبرز التمارين الجوية متعددة الجنسيات، إضافة إلى مشاركات في تدريبات جوية مع الصين، في إطار تنويع الشراكات الدفاعية وتبادل الخبرات.
وتؤكد هذه المناورات، سواء التي تستضيفها الدولة أو التي تشارك فيها خارجياً، أن التدريب العسكري في الإمارات يقوم على الانفتاح والتكامل، حيث تسهم هذه المشاركات في نقل الخبرات، وتطوير الأداء، وتعزيز القدرة على العمل ضمن تحالفات عسكرية، ما يرفع من جاهزية القوات المسلحة ويعزز مكانتها إقليمياً ودولياً.
اتفاقيات دفاعية
لم يكن تطوير التعليم والتدريب العسكري في دولة الإمارات قائماً على الجهد الداخلي فقط، بل ارتكز منذ بداياته على الانفتاح المنظم على الخبرات العالمية، عبر شبكة واسعة من الاتفاقيات الدفاعية التي تجاوز عددها 30 اتفاقية مع دول تعد من الأكثر تقدماً في المجال العسكري، هذه الشراكات لم تقتصر على تبادل الزيارات أو التدريب المحدود، بل امتدت لتشمل بناء منظومات متكاملة في مجالات التدريب، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الدفاعية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة التعليم العسكري داخل الدولة.
وتعد اتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، الموقعة عام 1994، واحدة من أبرز هذه المحطات، حيث أسهمت في تطوير برامج التدريب العسكري، ورفع كفاءة القوات المسلحة من خلال إدخال مفاهيم حديثة في القيادة والسيطرة والتخطيط العملياتي ومع مرور السنوات، تحولت هذه الشراكة إلى ركيزة أساسية في تحديث المناهج العسكرية، خاصة في مجالات التدريب المشترك واستخدام التقنيات المتقدمة، ما أتاح للكوادر الإماراتية الاحتكاك المباشر بأحدث النماذج العالمية.
وشكلت الاتفاقية الاستراتيجية مع فرنسا عام 2009 نقلة نوعية، لم تقتصر على الجانب السياسي أو الدفاعي، بل امتدت إلى إنشاء قاعدة عسكرية فرنسية في أبوظبي، ما وفر بيئة تدريب مشتركة مستمرة، وأسهم في تعزيز تبادل الخبرات العسكرية بشكل يومي، وليس فقط خلال المناورات، كما أتاح هذا التعاون تطوير برامج تدريبية متقدمة، خاصة في مجالات القوات البحرية والجوية، وهو ما انعكس على مستوى التأهيل داخل الكليات العسكرية.
أما الشراكة مع كوريا الجنوبية، التي بدأت في 2011، فقد ركزت بشكل واضح على التدريب المتخصص ونقل الخبرات في مجالات التقنية العسكرية، حيث تم تنفيذ برامج تدريب مشتركة، وتبادل خبرات في مجالات الدفاع الحديث، خاصة الأنظمة الذكية، كما شهد التعاون مع المملكة المتحدة تطوراً ملحوظاً، خصوصاً منذ عام 2016، من خلال توسيع نطاق المناورات المشتركة.
وإدخال برامج تدريب تعتمد على سيناريوهات واقعية تحاكي العمليات العسكرية المعقدة. وامتدت هذه الشراكات إلى الجانب الصناعي، من خلال اتفاقيات مع إيطاليا في 2019، ركزت على تطوير الصناعات الدفاعية، وربطها بشكل مباشر ببرامج التدريب العسكري، ما أتاح للطلبة والعسكريين التدريب على أحدث المعدات والتقنيات داخل الدولة.
كما عززت الشراكة الدفاعية مع اليونان في 2020 حضور الإمارات في منطقة شرق المتوسط، وفتحت مجالات جديدة للتدريب المشترك، خاصة في البيئات البحرية، ما أضاف بعداً عملياً جديداً لمنظومة التدريب.
وتشير هذه الاتفاقيات مجتمعة إلى أن التعليم العسكري في الإمارات لم يعد عملية محلية مغلقة، بل أصبح جزءاً من شبكة دولية لتبادل المعرفة، حيث يتم نقل الخبرات العالمية وتوطينها داخل المؤسسات العسكرية، بما يضمن استدامة التطوير، ويعزز قدرة الدولة على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب.
شراكات أكاديمية
إلى جانب الاتفاقيات الدفاعية، اتجهت الإمارات إلى تعزيز البعد الأكاديمي في التعليم العسكري، من خلال بناء شراكات استراتيجية مع جامعات ومؤسسات تعليمية مرموقة، بهدف تقديم نموذج تعليمي يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
هذا التوجه لم يكن ترفاً تعليمياً، بل جاء استجابة لحاجة حقيقية إلى إعداد ضباط يمتلكون فهماً عميقاً للتكنولوجيا والإدارة، إلى جانب المهارات العسكرية التقليدية.
وقد أسفرت هذه الشراكات عن إطلاق برامج تعليمية مشتركة في مجالات متعددة، من بينها العلوم العسكرية، والإدارة الاستراتيجية، والهندسة، والتكنولوجيا، حيث يتم تدريس هذه البرامج وفق معايير أكاديمية عالمية، مع ربطها مباشرة بالواقع العملي داخل المؤسسة العسكرية.
وتشير تقديرات إلى أن مئات الطلبة العسكريين يلتحقون سنوياً بهذه البرامج، التي تمتد لفترات تتراوح بين عامين وأربعة أعوام، ما يعزز مستوى التأهيل العلمي.
كما لعبت هذه الاتفاقيات دوراً محورياً في تحديث المناهج الدراسية داخل الكليات العسكرية، حيث تم إدخال تخصصات جديدة مثل الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات أصبحت جزءاً أساسياً من طبيعة الحروب الحديثة.
ولم يقتصر الأمر على تحديث المحتوى، بل شمل أيضاً تطوير أساليب التدريس، من خلال الاعتماد على المحاكاة، والتدريب العملي، والعمل الجماعي، بما يواكب أحدث النماذج التعليمية في العالم. وأسهمت هذه الشراكات كذلك في بناء كوادر أكاديمية متخصصة داخل الدولة، من خلال تبادل الخبرات مع الجامعات، واستقطاب خبراء دوليين للمشاركة في العملية التعليمية، ما رفع من جودة مخرجات التعليم العسكري.
كما أتاح هذا التعاون للطلبة فرصة الحصول على شهادات معترف بها دولياً، تجمع بين الطابع العسكري والأكاديمي، وهو ما يعزز قدرتهم على التكيف مع متطلبات المستقبل. وتعكس هذه الشراكات الأكاديمية تحولاً نوعياً في فلسفة التعليم العسكري في الإمارات.
حيث لم يعد الهدف تخريج عسكريين فقط، بل إعداد قيادات تمتلك مزيجاً من المعرفة العلمية والخبرة الميدانية، ما يجعلها أكثر قدرة على التعامل مع تحديات العصر، ويعزز مكانة الدولة كنموذج متقدم في دمج التعليم العسكري بالتعليم الأكاديمي.
أخبار متعلقة :