ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 15 مايو 2026 11:51 صباحاً - تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند من أنجح العلاقات الثنائية والتعاون الدبلوماسي، إذ تقوم على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في العديد من المجالات، وهي علاقات قديمة ضاربة في عمق التاريخ، وشهدت تطوراً من شراكة تقليدية قائمة على التبادل التجاري إلى شراكة استراتيجية شاملة تتطلع بثقة نحو مستقبل واعد.
وأخذت العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين طابعاً رسمياً واستراتيجياً منذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث قامت على أسس ثقافية ودينية واقتصادية، وبنيت على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر من أجل التنمية والازدهار للبلدين والشعبين، اللذين تربطهما روابط تجارية مشتركة تمتد لسنوات طويلة.
وأسهمت العلاقات الاقتصادية والتجارية المتنامية بينهما في استقرار العلاقات الثنائية بين البلدين وتوطيدها بصورة سريعة وأكثر تعمقاً وتنوعاً، من خلال شراكات قوية في مجالات التجارة والتداول والاستثمار، وتوسعت هذه الشراكة وتنوعت حتى أضحت شراكة استراتيجية تركز على التعاون في قطاعات الدفاع والطاقة والفضاء وتكنولوجيا المعلومات والأمن والاقتصاد والصحة والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات، لترتقي العلاقة إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الدائم.
علاقات دبلوماسية
وتأسست العلاقات الدبلوماسية رسمياً بين الدولتين الصديقتين في عام 1972، وعينت دولة الإمارات أول سفير لها لدى نيودلهي في العام 1972، وحرصت قيادتا البلدين على تعزيز قوة وزخم القلات الثنائية من خلال اللقاءات الثنائية بين قادة البلدين، ففي يناير عام 1975 قام المغفور له القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بزيارة تاريخية إلى الهند، التقى خلالها مع الراحل فخر الدين علي أحمد رئيس جمهورية الهند آنذاك، والراحلة أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند آنذاك وشهدت الزيارة التوقيع على الاتفاقية الثقافية بين دولة الإمارات وجمهورية الهند، التي تعتبر الإطار الأساسي لتعزيز العلاقات الثقافية بين الشعبين الصديقين. كما زار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان جمهورية الهند في أبريل 1992 وشهدت الزيارة توقيع الاتفاقية الثنائية لتجنب الازدواج الضريبي على الدخل ورأس المال بين البلدين.
زيارات متبادلة
وتحرص قيادة البلدين على تعزيز وتطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة والتعاون في جميع المجالات من خلال تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين الجانبين، حيث شكلت زيارات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى جمهورية الهند محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، وأسهمت بشكل مباشر في نقل التعاون الثنائي من مرحلة الشراكة التقليدية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وجسدت هذه الزيارات خلال السنوات الماضية، الإرادة السياسية الواضحة من القيادة الإماراتية في بناء علاقات طويلة الأمد مع الهند، تقوم على المصالح المشتركة والرؤية المتقاربة في قضايا إقليمية ودولية.
وتعود أولى الزيارات الرسمية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى الهند إلى عام 2016، ثم تكررت في عام 2017، حين كان سموه ضيف الشرف في احتفالات الهند بيوم الجمهورية الـ68، وشكلت هذه الزيارة نقلة نوعية في العلاقات الثنائية بين البلدين، وساهمت في توثيق العلاقات التاريخية وتوسيع آفاق التعاون إذ شهدت التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة وعدداً من مذكرات التفاهم بين البلدين وجرى تبادل وثائق الاتفاقيات بين الجانبين.
وفي عام 2023 زار سموه جمهورية الهند حيث حضر أعمال القمة الــ 18 لقادة مجموعة العشرين 2023 والتي شاركت فيها دولة الإمارات كضيف شرف. وفي يناير 2026 قام سموه بزيارة عمل إلى جمهورية الهند، لبحث وتعزيز مختلف جوانب التعاون والعمل المشترك في إطار العلاقات التاريخية والشراكتين الاستراتيجية والاقتصادية الشاملتين بين البلدين.
وفي ظل انسجام الرؤى السياسية، والتكامل الاقتصادي، والتعاون في الملفات الاستراتيجية الكبرى، شكلت زيارات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى الهند نقلة نوعية في بناء علاقة استراتيجية متعددة الأبعاد، وهي علاقة مرشحة لمزيد من النمو والتقدم، كما ترجمت توجه دولة الإمارات، في ترسيخ الانفتاح على القوى الآسيوية الصاعدة، وفي مقدمتها الهند، وتعزيز العلاقات معها، والاستفادة من تجربتها التنموية، وما حققته من تقدم في العديد من المجالات.
وفي مارس عام 2007 زار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، نيودلهي على رأس وفد رفيع في زيارة استغرقت يومين وذلك تلبية لدعوة رسمية من الدكتور مان موهن سينج رئيس الوزراء الهندي، واكتسبت الزيارة أهمية خاصة لما شهدته من إبرام عدد من الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التعاون بين البلدين واستعراض أوجه التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري وفرص الاستثمار المتاحة بين الدولتين.
كما زار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، في مارس عام 2010، جمهورية الهند، والتقي سموه، رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ آنذاك، حيث تم استعراض عدد من المواضيع الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية وسبل تعزيز آفاق السلام والاستقرار في المنطقة، وإيجاد آليات العمل على توسيع آفاق التعاون بين دولة الإمارات وجمهورية الهند في شتى الميادين الاقتصادية والثقافية وغيرها، وذلك تتويجاً لعلاقات الجوار والصداقة التاريخية التي تربط البلدين والشعبين الصديقين.
كما حرصت جمهورية الهند على توثيق وتعزيز العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة وزار ناريندرا مودي رئيس وزراء جمهورية الهند الدولة عدة مرات، وكانت أول زيارة في أغسطس 2015 تلتها بعد ذلك زيارات أخرى في فبراير 2018، وأغسطس 2019، ويونيو 2022، ويوليو 2023، وديسمبر 2023، وفبراير 2024.
وفي ابريل عام 2019 تسلم ناريندرا مودي وسام زايد وهو أعلى وسام مدني في دولة الإمارات، تقديراً وتثميناً لدوره في دعم وترسيخ علاقات الصداقة التاريخية والتعاون الاستراتيجي المشترك بين البلدين الصديقين على الصعد كافة.
رؤية مشتركة
وفي فبراير 2022 خلال ختام قمة ثنائية أطلقت دولة الإمارات وجمهورية الهند «الرؤية الإماراتية - الهندية المشتركة» عبر الاتصال المرئي والتي جمعت صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ودولة ناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند الصديقة.
وترتبط دولة الإمارات وجمهورية الهند، بعلاقات ثقافية عميقة الجذور، وعززت هذه الروابط من خلال الاتفاقية الثقافية الثنائية الموقعة بينهما في عام 1975، إذ منذ ذلك الحين تم تنظيم مجموعة ضخمة من الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية المشتركة، فيما شهد مارس من العام 2019 تدشين متحف «زايد ـ غاندي» الرقمي في منارة السعديات بأبوظبي والذي أقيم تكريما لذكرى القائدين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومهاتما غاندي الزعيم الهندي الراحل، وتعتبر الجالية الهندية أكبر جالية أجنبية في الإمارات وتسهم بشكل كبير في الاقتصاد المحلي.
نموذج بناء
ونجحت الدولتين الصديقتين خلال السنوات الماضية في تأسيس قاعدة صلبة للارتقاء بالعلاقات الإستراتيجية إلى آفاق جديدة من النمو الاقتصادي المشترك، وتأسيس الشراكات بين مجتمعي الأعمال، وتحفيز نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال بما يعود بالنفع على الشعبين الصديقين، وهو ما يستهدفه كبار المسؤولين في الجانبين الذين يعملون معاً بروح الفريق الواحد لتحقيق هذه الغاية بما يخدم مصلحة البلدين قيادة وشعباً.
كما تحرص قيادتي البلدين على تعزيز الشراكة الثنائية في قطاع الطاقة الذي يشمل النفط والغاز والطاقة المتجددة. وتم التوقيع على اتفاقيتين جديدتين طويلتي الأمد لتوريد الغاز الطبيعي المسال بين شركة أدنوك للغاز وشركة النفط الهندية المحدودة وهيئة الغاز الهندية المحدودة (جايل) بحجم 1.2 مليون طن متري سنوياً و0.5 مليون طن متري سنوياً على التوالي. وتمثل هذه الاتفاقيات بداية حقبة جديدة للتعاون في قطاع الطاقة بين البلدين، وحث الشركات على استكشاف المزيد من هذه الفرص. والاتفاق على تعزيز تعاونهما في مجالات الهيدروجين والطاقة الشمسية وربط شبكات الكهرباء.
الصحة
ويعد القطاع الصحي من أبرز أوجه التعاون بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند، وشهد التعاون الطبي بين البلدين تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً برغبة الطرفين في تعزيز الشراكات في مجالات الرعاية الصحية، والبحث العلمي، وتبادل الخبرات الطبية، ويُعتبر هذا التعاون نموذجاً للتكامل الثنائي المثمر.
وتستقطب الإمارات عدداً كبيراً من الأطباء والممرضين والفنيين الصحيين من الهند، نظراً للكفاءة العالية التي يتمتع بها العاملون في القطاع الطبي الهندي، وساهم هذا في دعم النظام الصحي الإماراتي وتقديم خدمات علاجية عالية المستوى. كما يتوجه العديد من المواطنين والمقيمين في الإمارات إلى الهند لتلقي العلاج في المستشفيات المتقدمة هناك، خاصة في مجالات مثل علاج الأورام، وزراعة الأعضاء، وجراحات القلب، ما ساهم في تعزيز السياحة العلاجية بين البلدين. وخلال جائحة «كوفيد-19»، لعب البلدان دوراً مشتركاً في تبادل الدعم والإمدادات الطبية، مثل الأدوية واللقاحات، ما عزز من قدرتهما المشتركة على مواجهة التحيات العالمية الصحية.
التعليم
وشهد التعاون التعليمي بين البلدين تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، مما يعكس حرص الطرفين على تعزيز الشراكة الإستراتيجية وتحقيق التنمية المستدامة من خلال الاستثمار في التعليم، وقامت العديد من الجامعات الهندية بافتتاح فروع لها في دولة الإمارات، مما يتيح للطلاب الإماراتيين والمقيمين فرصة الحصول على تعليم عالي المستوى دون الحاجة إلى السفر.
كما تستقطب الجامعات الإماراتية عدداً متزايداً من الطلبة الهنود للدراسة فيها، لما تقدمه من برامج تعليمية متميزة. وهناك اتفاقيات للتبادل الأكاديمي بين الجامعات الإماراتية والهندية، تشمل تبادل الأساتذة والطلبة، وتنظيم مؤتمرات وورش عمل مشتركة، إضافة إلى مشاريع بحثية تعاونية في مجالات التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي.
وتنتشر المدارس الهندية في مختلف إمارات الدولة، وتقدم مناهج دراسية معتمدة من الهيئات التعليمية الهندية، مما يوفر تعليماً عالي الجودة لأبناء الجالية الهندية الكبيرة في الإمارات.
ويعد التعاون التعليمي بين الإمارات والهند نموذجاً ناجحاً للشراكة في مجال المعرفة، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على مستقبل الأجيال القادمة. كما توجد شراكات بين الجامعات والمراكز البحثية الإماراتية والهندية في مجال الطب الحيوي والابتكار الطبي. كما يجري العمل على مشاريع بحثية مشتركة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي في الطب، والطب الوقائي، والرعاية الصحية عن بُعد.
بنية رقمية
وتناول التعاون بين البلدين مختلف المجالات والقطاعات، وفي عام 2024، وقعت وزارة الاستثمار في دولة الإمارات مذكرة تفاهم مع وزارة الإلكترونيات وتقنية المعلومات في جمهورية الهند لاعتماد إطار تعزيز التعاون الثنائي الاستثماري بين الجانبين في قطاع البنية التحتية الرقمية مع التركيز بشكل خاص على إنشاء مشاريع مراكز البيانات في جمهورية الهند، وهي خطوة مهمة نحو تطوير الفرص الاستثمارية في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي بين البلدين، ما يعكس أهمية الجهود التي تقودها دولة الإمارات وجمهورية الهند في سبيل تعزيز التعاون الإقليمي والرقمي.
واليوم باتت العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والهند أكثر شمولاً مقارنة بالماضي القريب وتحولت الشراكة بين بين البلدين لشراكة استراتيجية شاملة آخذة بالنمو والازدهار، حيث لم تعد ترتكز في الوقت الحاضر على التجارة التقليدية وتجارة الطاقة بل توسعت بوتيرة سريعة لتشمل مجالات أخرى، كالمسائل العسكرية والأمنية ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني، ومشاريع البنية التحتية والعلوم والتكنولوجيا ومجالات الفضاء، وتتجه هذه العلاقات الثنائية بقوة وثقة نحو مستقبل أفضل للبلدين.
أخبار متعلقة :