الصناعة تقود سباق مهارات وظائف المستقبل

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 14 يوليو 2026 06:36 مساءً - لم يعد الحصول على شهادة جامعية وحده كافياً لضمان وظيفة مستقرة، فمع تسارع الثورة الرقمية والانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي، أصبحت المهارات هي العملة الأكثر قيمة في سوق العمل العالمي، بينما تتراجع أهمية كثير من التخصصات التقليدية لصالح كفاءات قادرة على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات.

Advertisements

وفي اليوم العالمي لمهارات الشباب، يؤكد أكاديميون وخبراء أن العالم يشهد تحولاً جذرياً في مفهوم التوظيف، حيث تقود الصناعة والشركات الكبرى اليوم عملية بناء مهارات المستقبل، في وقت تسابق فيه الحكومات والمؤسسات التعليمية الزمن لإعادة تصميم منظومات التعليم والتدريب بما يتماشى مع احتياجات الاقتصاد الجديد.

كفاءات مناسبة

ورغم وجود ملايين الباحثين عن عمل حول العالم، فإن الشركات تواجه في المقابل صعوبة متزايدة في العثور على الكفاءات المناسبة، نتيجة اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم والمهارات التي يتطلبها سوق العمل.

وتشير التوقعات إلى أن العالم سيشهد خلال السنوات المقبلة ظهور ملايين الوظائف الجديدة المرتبطة بالتحول الأخضر والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، بينما ستختفي أو تتغير طبيعة العديد من الوظائف التقليدية.

كما يتوقع أن يشكل الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً أكثر من 22% من سكان العالم بحلول عام 2050، الأمر الذي سيرفع الطلب على الكفاءات في قطاعات الصحة والرعاية، إلى جانب الحاجة إلى إعادة تأهيل العاملين في مختلف القطاعات لمواكبة التحولات المتسارعة.

التعلم مدى الحياة

ويرى الدكتور يوسف العساف، رئيس جامعة روشستر للتكنولوجيا بدبي، أن سد فجوة المهارات يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة التعليم، بحيث لا يقتصر اكتساب المعرفة على سنوات الدراسة الجامعية، وإنما يتحول إلى رحلة تعلم مستمرة ترافق الإنسان طوال حياته المهنية.

وأوضح أن التعليم الأساسي يظل حجر الأساس في بناء رأس المال البشري من خلال ترسيخ مهارات القراءة والكتابة والحساب والتفكير النقدي والتواصل، إلا أن التعليم الجامعي بات مطالباً بمراجعة برامجه بصورة مستمرة، لأن كثيراً من التخصصات والمهارات أصبحت تفقد قيمتها خلال سنوات قليلة بفعل التطور التقني.

وأشار إلى أن المناهج الجامعية لم تعد قادرة على البقاء ثابتة لفترات طويلة، بل ينبغي أن تتسم بالمرونة، وأن تُحدَّث باستمرار بالشراكة مع القطاعات الصناعية التي تمتلك رؤية مباشرة حول الوظائف والمهارات المستقبلية.

الصناعة في مقعد القيادة

من جانبها، أكدت الدكتورة فاطمة طاهر من جامعة زايد، أن القطاع الخاص أصبح شريكاً رئيسياً في رسم مستقبل المهارات، نظراً لارتباطه المباشر بالتطورات اليومية في الأسواق، وقدرته على تحديد المهارات الصاعدة وتلك التي بدأت تتراجع أهميتها.

وأضافت أن استثمار الشركات في تدريب موظفيها يقدم مؤشراً عملياً على المهارات الأكثر طلباً، ويخلق فرصاً وظيفية جديدة، وهو ما يفسر الانتشار الواسع للشهادات المهنية التي تقدمها شركات التكنولوجيا العالمية مثل أمازون ويب سيرفيسز، ومايكروسوفت، وجوجل، وسيسكو، وسيلزفورس، والتي أصبحت تمثل مسارات عملية لتأهيل الشباب لسوق العمل.

منصات تدريب عالمية

بدوره، قال الدكتور عبدالله إسماعيل الزرعوني، أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة روشستر للتكنولوجيا بدبي، إن الشركات العالمية تمتلك منصات رقمية وشبكات تدريب واسعة تجعلها لاعباً رئيسياً في نشر التعلم خارج الأطر الأكاديمية التقليدية.

وأشار إلى أن هذا الدور، رغم أهميته، لا يكفي وحده لسد فجوة المهارات، لأن برامج الشركات غالباً ما تركز على احتياجاتها المباشرة، بينما تبقى فئات عديدة بحاجة إلى دعم إضافي، مثل العاملين في القطاع غير الرسمي، والعاملين في القطاعات المتراجعة، والشركات الصغيرة التي لا تمتلك الموارد اللازمة للاستثمار في التدريب.

وأكد أن الحكومات والمؤسسات الدولية مطالبة بوضع أطر تنظيمية تضمن جودة البرامج التدريبية، وتعزز الاعتراف بالشهادات المهنية، وتوسع فرص الوصول إلى التعلم لجميع فئات المجتمع.

من جهتها، أوضحت الدكتورة ديمة القوّادري، أستاذ مساعد ومديرة برنامج تصميم العمارة الداخلية بجامعة هيريوت وات دبي، أن ملايين الوظائف في المنطقة يمكن أن تستفيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلا أن نقص المهارات الرقمية والبنية التحتية المناسبة لا يزال يشكل عائقاً أمام تحقيق هذه الاستفادة.

وأكدت أن مستقبل العمل لن يقاس بعدد الشهادات الأكاديمية، وإنما بقدرة الأفراد على التعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات، مشيرة إلى أن الشراكة بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص تمثل الركيزة الأساسية لإعداد كوادر تمتلك المهارات التي يحتاجها الاقتصاد الجديد.

تستثمر في مهارات المستقبل

وأكد حمد الكعبي، نائب مدير كلية الإمارات للتطوير التربوي – مركز التعليم المستمر، أن اليوم العالمي لمهارات الشباب يجسد أهمية الاستثمار في مهارات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، باعتبارها من أبرز المحركات التي ستشكل ملامح العقود المقبلة.

وقال إن دولة الإمارات تواصل ترسيخ مكانتها العالمية في تبني التقنيات المتقدمة، انطلاقاً من رؤية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، موضحاً أن تمكين الشباب بالمهارات الرقمية يمثل استثماراً استراتيجياً في بناء اقتصاد معرفي مستدام.

وأضاف أن الكلية تعمل عبر مركز التعليم المستمر على تطوير برامج نوعية لبناء القدرات المهنية للتربويين والقيادات المدرسية، بما يعزز جاهزيتهم لتوظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة في تطوير العملية التعليمية.

الشباب في قلب التنمية

بدورها، أكدت رزان البشيتي، المدير التنفيذي لمؤسسة إنجاز الإمارات، أن التجربة الإماراتية أثبتت نجاحها في وضع الشباب في قلب خطط التنمية، من خلال الاستثمار في التعليم النوعي، وتنمية المهارات المستقبلية، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال.

وأوضحت أن المؤسسة تركز على تزويد الشباب بالخبرات العملية والمهارات الحياتية والمهنية التي تسهل انتقالهم من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، مؤكدة أن الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص أصبحت ضرورة لإعداد جيل قادر على قيادة اقتصاد المعرفة.

الاستثمار في المواهب

وقال محمد الحمادي، مدير أول الموارد البشرية في بيبسيكو، إن الاحتفاء باليوم العالمي لمهارات الشباب يمثل مناسبة لتأكيد أهمية الاستثمار في المواهب الإماراتية، التي أثبتت قدرتها على التعلم والتطور والابتكار.

وأشار إلى أن الشركة تحرص على توفير تجارب عملية تسهم في تنمية مهارات القيادة والإبداع والعمل الجماعي، بما يعزز جاهزية الشباب لقيادة التغيير وإحداث أثر إيجابي في مجتمعاتهم.

نافذة إلى الفرص العالمية

من جانبه، أكد عمر شيحان، المدير العام العالمي لاختبار توفل في مؤسسة ETS، أن تمكين الشباب يبدأ بإتاحة الأدوات التي تعزز تنافسيتهم عالمياً، مشيراً إلى أن اعتماد اختبارات "توفل" في أكثر من 13 ألف مؤسسة تعليمية في 160 دولة يفتح أمام الشباب الإماراتي آفاقاً أكاديمية ومهنية واسعة، ويدعم توجه الدولة نحو إعداد كفاءات قادرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي.

مهارات اليوم... وظائف الغد

ويرى الخبراء أن العالم دخل مرحلة أصبحت فيها المهارات، وليس الشهادات وحدها، المعيار الحقيقي للنجاح المهني. ومع اتساع فجوة المهارات وتسارع التحول الرقمي، يبرز التعاون بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والصناعة باعتباره الخيار الأكثر فاعلية لإعداد قوة عاملة قادرة على مواكبة اقتصاد المستقبل، وتحويل تحديات الذكاء الاصطناعي إلى فرص للنمو والابتكار.

أخبار متعلقة :