ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 2 أغسطس 2026 02:36 صباحاً - الاستعداد النفسي والاجتماعي يعزز قدرة الزوجين على بناء علاقة متوازنة
نجاح الحياة الزوجية لا يقوم على المشاعر وحدها بل يحتاج إلى مهارات ومعارف
برامج أسرية تجمع المعرفة والتدريب العملي لتعزيز الحوار وفهم المسؤوليات
قد يبدأ الزواج بعقد واحتفال، لكن بناء الأسرة الناجحة يبدأ قبل ذلك بكثير، من وعي الطرفين بطبيعة المرحلة الجديدة، وقدرتهما على تأسيس علاقة تقوم على الحوار والاحترام وتحمّل المسؤولية. ومع تغير أنماط الحياة، وتعدد المتطلبات الاجتماعية والنفسية، أصبح التأهيل قبل الزواج مساراً مهماً، يساعد الشباب والفتيات على دخول الحياة الزوجية بفهم أعمق لمتطلباتها، واستعداد أكبر لبناء أسرة مستقرة.
ويؤكد مختصون أن نجاح الحياة الزوجية لا يقوم على المشاعر وحدها، بل يحتاج إلى مهارات ومعارف تساعد الزوجين على التواصل الفاعل، وإدارة الاختلافات، وفهم الحقوق والواجبات، واتخاذ القرارات المشتركة، بما يعزز فرص بناء علاقة أسرية قائمة على التفاهم والشراكة.
ومن هذا المنطلق، تتزايد المبادرات والبرامج المجتمعية المعنية بالتأهيل الأسري، انطلاقاً من أن إعداد الزوجين قبل الزواج، يمثل استثماراً في الأسرة، ويسهم في تعزيز الوعي بالمسؤوليات المشتركة، وتهيئة الطرفين للتعامل مع متطلبات الحياة اليومية، بروح من التعاون والتقدير.
«رحلة عمر»
وتقدم مؤسسة الشارقة للتنمية الأسرية نموذجاً عملياً في مجال التأهيل قبل الزواج، من خلال مبادرة «رحلة عمر»، التي تستهدف إعداد المقبلين على الزواج، وتعزيز جاهزيتهم للحياة الأسرية.
وكشفت المؤسسة عن استفادة 878 شاباً وشابة من برامج التأهيل خلال عام 2025 وحتى نهاية النصف الأول من عام 2026، عبر 26 برنامجاً تدريبياً، تناولت جوانب نفسية واجتماعية ومهارية مرتبطة بالحياة الزوجية.
وشهدت البرامج ارتفاعاً في أعداد المستفيدين، إذ بلغ عدد المشاركين خلال عام 2025 نحو 360 مستفيداً، فيما ارتفع العدد خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 518 مستفيداً، بما يعكس الاهتمام المتزايد ببرامج إعداد المقبلين على الزواج.
وركزت البرامج على عدد من المحاور الأساسية، من بينها اختيار شريك الحياة، والذكاء العاطفي، والحقوق والواجبات الزوجية، وإدارة الخلافات، والتعامل مع التحديات الأسرية، إضافة إلى مهارات التواصل، وفهم الشخصيات، واتخاذ القرارات المشتركة.
حال الخليج
وتضم مبادرة «رحلة عمر» برامج متخصصة، منها «اختيار نصفك الآخر»، و«زواج صحي.. حياة مستقرة»، و«من التحدي إلى التوازن»، و«مهارات الاستعداد الزوجي»، كما تقدم المؤسسة برامج توعوية داخل الجامعات، للوصول إلى الشباب والفتيات في مراحل مبكرة.
ولا تعتمد هذه البرامج على الجانب النظري فقط، بل تقوم على الحوار والتدريب العملي، ومناقشة المواقف الواقعية، بما يساعد المشاركين على اكتساب مهارات عملية، تسهم في بناء علاقة زوجية أكثر وعياً وتوازناً.
مودة ورحمة
وأكد فضيلة الشيخ الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد (كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي) أن التأهيل النفسي والديني والاجتماعي للمقبلين على الزواج، يمثل أهمية كبيرة، لما له من أثر مباشر في استقرار الحياة الزوجية.
وأوضح أن التأهيل يساعد الزوجين على معرفة مسؤولية كل طرف تجاه الآخر، ويعزز مفهوم حسن العشرة الذي أمر به الله تعالى في قوله: «وعاشروهن بالمعروف».
وأشار إلى أن المعروف يشمل أداء الحقوق الزوجية التي أقرها الشرع والعرف الصحيح، ومعرفة كل طرف ما له وما عليه، بعيداً عن التقصير أو الإنكار أو التعالي.
وبيّن أن الحياة الزوجية تقوم على الود والرحمة، وأن المودة تتحقق من خلال لين الكلام، وطيب النفس، والتغافل عن الزلات، فيما تعني الرحمة النظر إلى الطرف الآخر بعين العطف والرأفة، وعدم تحويل الأخطاء العابرة إلى سبب للإهانة أو القسوة.
وأكد أن الأسرة تمثل نقطة البداية في بناء الإنسان، وأن الوالدين يتحملان مسؤولية التربية والتنشئة، مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
ودعا إلى تعزيز برامج التأهيل للمقبلين على الزواج، مشيراً إلى أن عدداً من الدول طبقت برامج للإعداد الأسري، من بينها ماليزيا، التي حققت نتائج إيجابية في هذا المجال.
تمكين المرأة
وتؤكد الدكتورة أمينة الماجد (رئيس جمعية المرأة سند للوطن) أن إعداد المرأة للحياة الزوجية، يمثل استثماراً في استقرار الأسرة، مشيرة إلى أن امتلاك المعرفة والمهارات لا يهدف فقط إلى التعامل مع تحديات الحياة الزوجية، بل يسهم في بناء شخصية أكثر وعياً وقدرة على تحمل المسؤولية، وإدارة المواقف الأسرية المختلفة.
وتوضح أن الجمعية أطلقت مشروع «تمكين الفتاة الإماراتية لقيادة أسرتها»، انطلاقاً من أهمية بناء الوعي قبل الزواج، حيث يستهدف الفتيات المقبلات على الزواج والمتزوجات حديثاً، من خلال برامج تدريبية تجمع بين الدورات وورش العمل، والزيارات الميدانية، ومحاكاة القصص الواقعية والنماذج الحية، إلى جانب تقديم الاستشارات والدعم للمشاركات بعد انتهاء البرنامج.
وأضافت أن برامج التأهيل تحتاج إلى أن تكون عملية وتفاعلية، تجمع بين المعرفة والتطبيق، وتمنح المشاركات مساحة للتعلم والنقاش والاستفادة من الخبرات المتخصصة.
وأشارت، من خلال تجربة برنامج «إعداد الفتاة للزواج»، الذي تنفذه الجمعية، إلى أن نتائج الاستبانات وتحليل مخرجات النسخ السابقة، أظهرت ارتفاعاً في مستوى الوعي والثقة، والاستعداد للحياة الزوجية، إلى جانب اكتساب المشاركات مهارات في الحوار، وإدارة الخلافات، والتخطيط المالي، والتعامل مع الضغوط.
وعي يسبق المسؤولية
وترى الدكتورة أمل باصهيب (باحثة واستشارية تربوية وأسرية) أن الثقافة الأسرية والتأهيل الاجتماعي قبل الزواج، أصبحا ضرورة مجتمعية، في ظل المتغيرات المتسارعة، وما يصاحبها من تحديات فكرية ونفسية واقتصادية واجتماعية. وتوضح أن الزواج ليس مجرد ارتباط بين شخصين، وإنما مشروع حياة يحتاج إلى وعي ومهارات واستعداد حقيقي لتحمل المسؤوليات وإدارة المواقف المختلفة، مشيرة إلى أن بناء الاستقرار الأسري يرتبط بامتلاك الزوجين القدرة على التواصل، وفهم طبيعة العلاقة الزوجية.
وأكدت أن برامج التأهيل تمنح المقبلين على الزواج أدوات عملية، تساعدهم على فهم الجوانب النفسية والاجتماعية والمالية، بما يعزز قدرتهم على التعامل مع متطلبات الحياة الأسرية.
بدورها، تؤكد الدكتورة عائشة الجناحي (كاتبة ومدربة ومحاضرة في شؤون الأسرة) أن التأهيل النفسي والمعرفي للمقبلين على الزواج، يسهم في بناء توقعات واقعية عن الحياة الزوجية، وفهم طبيعة العلاقة، باعتبارها رحلة تحتاج إلى تعاون وتكيف مستمر.
وتوضح أن من أهم المهارات التي يحتاجها الزوجان تعلّم أساليب التواصل، والتعبير عن الاحتياجات، والاستماع الفعال، وإدارة الخلاف، إضافة إلى مناقشة القضايا الأساسية قبل الزواج، مثل الإنجاب، والأدوار الأسرية، والإدارة المالية، والعلاقة بالأهل.
تجارب تعزز الاستعداد
وتكشف تجارب المشاركات في برامج التأهيل الأسري عن أثر هذه المبادرات في تعزيز الوعي والثقة والاستعداد للحياة الزوجية، إذ أصبحت مساحة لاكتساب مهارات ومعارف تساعد على فهم طبيعة العلاقة الزوجية، والاستعداد لمسؤوليات المرحلة الجديدة.
وتوضح إيمان أحمد حسن ( مدربة ومقبلة على الزواج) أن التحاقها ببرامج التأهيل قبل الزواج، جاء رغبة في تطوير ذاتها، والاستعداد لهذه المرحلة، مشيرة إلى أن أهمية هذه البرامج تكمن في ما توفره من معرفة متخصصة في مجالات الإرشاد الأسري، وعلم النفس والتنمية الأسرية.
وتؤكد أن تجربتها عززت لديها أهمية امتلاك مهارات التواصل، وفهم طبيعة العلاقة الزوجية وإدارة الخلافات، لافتة إلى أن نجاح الحياة الزوجية لا يقوم على طرف واحد، وإنما يعتمد على الشراكة والتفاهم والاحترام المتبادل بين الزوجين.
بدورها، تشير منى إبراهيم الهلالي (صانعة أجيال ومتزوجة منذ تسعة أشهر)، إلى أن مشاركتها في برامج التأهيل قبل الزواج، جاءت انطلاقاً من رغبتها في تطوير ذاتها، والاستعداد لدورها كزوجة وأم واعية، قادرة على بناء أسرة مستقرة.
وتلفت إلى أن التجربة كشفت لها أهمية الإعداد المسبق للحياة الزوجية، مؤكدة أن البرامج التأهيلية توفر بيئة تفاعلية، تجمع بين المعرفة والنقاش والتجارب الواقعية، وتسهم في إعداد أفراد أكثر قدرة على اتخاذ القرارات السليمة، ومواجهة تحديات الحياة الأسرية.
أخبار متعلقة :