ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 15 أغسطس 2026 08:50 مساءً - سلطت مجلة "تايم" الأمريكية الضوء على تجربة دبي الفريدة في الحفاظ على نظافة الأماكن العامة، معتبرة أن ما يميز الإمارة لا يرتبط فقط بالغرامات والرقابة، بل بقدرتها على تحويل احترام المكان العام إلى سلوك يومي لدى السكان والزوار.
وفي تقرير تناول التجربة من زاوية اجتماعية، استشهدت المجلة بموقف عايشه أحد كتابها في مترو دبي، عندما شاهد مجموعة من الزوار يتناولون المشروبات والمثلجات أثناء توجههم إلى إحدى المحطات. وبينما كان أفراد المجموعة يستعدون لمواصلة طريقهم، طلبت منهم إحدى السيدات التي بدت أكثر معرفة بالمدينة أن يضعوا الزجاجات والأكواب في سلة المهملات.
وعندما سألها أحدهم بسخرية عما إذا كانت هناك غرامة على إلقاء النفايات، جاء ردها مختلفاً، إن القضية، بحسب ما نقلته المجلة، ليست في قيمة الغرامة، وإنما في الحفاظ على نظافة المدينة.
وترى «تايم» أن هذه اللحظة البسيطة تختصر جانباً مهماً من تجربة دبي؛ فالقوانين والعقوبات موجودة بالفعل، لكنها ليست العامل الوحيد الذي يدفع الناس إلى الالتزام، إذ يمكن أن يتحول السلوك المفروض في البداية بالقواعد إلى قناعة شخصية مع مرور الوقت.
وربط التقرير تجربة دبي بما يعرف في علم الاجتماع والدراسات الحضرية بـ«نظرية النوافذ المكسورة»، التي تقوم فكرتها على أن مظاهر الإهمال والفوضى في الأماكن العامة قد تشجع على مزيد من السلوكيات السلبية، بينما يمكن للبيئة النظيفة والمنظمة أن تدفع الناس إلى التعامل معها بالقدر نفسه من المسؤولية.
وأشارت المجلة إلى أن هذه الفكرة لا تتعلق بالجريمة فقط، بل تمتد إلى طريقة تعامل الناس مع المدن التي يعيشون فيها. فالمكان المهمل قد يعطي انطباعاً بأن إلقاء القمامة أو مخالفة القواعد أمر يمكن التغاضي عنه، بينما تفرض الأماكن النظيفة معياراً اجتماعياً مختلفاً.
ويستند التقرير في هذه المقارنة إلى تجربة عاشها الكاتب في مترو كلكتا بالهند قبل عقود، حين شاهد ركاباً يتدخلون بأنفسهم لإجبار أحد الركاب على تنظيف مخلفاته من الرصيف. ويشير الكاتب إلى أن مترو كلكتا كان آنذاك أكثر نظافة من البيئة المحيطة به، وهو ما عزز شعور الركاب بالمسؤولية تجاه الحفاظ عليه.
أما في دبي، فتبدو الصورة مختلفة؛ إذ لا تقتصر النظافة على مترو الأنفاق، بل تمتد إلى مختلف الأماكن العامة في المدينة، ما يجعل نظافة المترو جزءًا من نمط أوسع من التنظيم والنظافة في دبي.
دبي.. النظافة كجزء من صورة المدينة
وأبرزت «تايم» تصنيف دبي المتكرر ضمن المدن الأكثر نظافة عالميًا، معتبرة أن هذه الصورة تمثل عنصرًا مهمًا في جاذبية الإمارة للمستثمرين والمقيمين والسياح، إلى جانب كونها جزءًا من القوة الناعمة للمدينة.
ولفت التقرير إلى المفارقة المرتبطة بالتنوع السكاني الكبير في دبي، حيث يعيش فيها ملايين الأشخاص القادمين من دول وثقافات مختلفة، ثم يصبح الالتزام بقواعد النظافة العامة سلوكًا مشتركًا داخل المدينة.
ونقلت المجلة عن أحد سكان دبي، الذي عاش فيها نحو ثلاثة عقود، أن التغيير يمكن ملاحظته منذ اللحظة التي يصل فيها الأشخاص إلى مطار دبي الدولي؛ فحتى من اعتادوا بعض السلوكيات غير المنضبطة في بلدانهم الأصلية، يجدون أنفسهم في بيئة جديدة تحفزهم على البحث عن صناديق القمامة والالتزام بالنظام العام.
الغرامات ليست القصة كاملة
لكن التقرير شدد على أن تفسير نظافة دبي بالغرامات وحدها سيكون تبسيطًا للمشهد.
وأوضحت «تايم» أن القوانين والعقوبات تظل عنصراً أساسياً في فرض النظام، لكنها ليست بالضرورة ما يحافظ على السلوك على المدى الطويل. فمع مرور الوقت، قد ينتقل الفرد من التفكير في العقوبة إلى تبني قناعة مختلفة، مفادها أن المكان الذي يعيش فيه يستحق أن يبقى نظيفًا.
وهنا ترى المجلة أن دبي لا تعتمد فقط على الردع، بل تسعى إلى بناء مسؤولية جماعية تجاه الأماكن العامة، بحيث يصبح الحفاظ على نظافة المدينة جزءًا من السلوك الطبيعي وليس مجرد استجابة للخوف من الغرامة.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
وأشارت «تايم» إلى أن السلطات في دبي تعمل أيضًا على اختبار كاميرات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمراقبة كيفية تعامل الأشخاص مع الأماكن العامة، مع إمكانية فرض غرامات على من يتم ضبطه وهو يلقي النفايات.
لكن اللافت في التجربة، بحسب التقرير، أن دبي لا تضع التكنولوجيا والعقوبات في مقدمة أدواتها وحدها، بل تحاول بالتوازي التأثير في السلوك نفسه.
وفي هذا السياق، تناولت المجلة دور لجنة دبي للآداب العامة، التي أُطلقت بهدف تعزيز السلوكيات الإيجابية بين أفراد المجتمع، بدل الاقتصار على التعامل مع المخالفات بعد وقوعها.
ونقل التقرير عن سعيد النظري، الأمين العام للجنة، أن فعالية أدوات الإنفاذ لا تعني إمكانية الاستغناء عن مشاركة المجتمع، مشيراً إلى أن الهدف هو أن يصبح المجتمع نفسه جزءًا من عملية الوقاية ومعالجة السلوكيات التي تؤثر في جودة الحياة.
من معاقبة المخالف إلى تكريم الملتزم
وأبرزت «تايم» جانبًا آخر من التجربة يتمثل في الحوافز الإيجابية، إذ بدأت لجنة دبي للآداب العامة في تكريم أشخاص يظهرون سلوكيات مدنية إيجابية، من بينها المساهمة في الحفاظ على نظافة الأماكن العامة.
وترى الفكرة أن تحسين سلوك المجتمع لا يتحقق دائماً عبر العقاب؛ ففي بعض الحالات، يمكن للاعتراف بالسلوك الإيجابي وتشجيعه أن يكون وسيلة أكثر استدامة لترسيخ العادات المدنية.
وبذلك، تبدو تجربة دبي، كما عرضتها المجلة، قائمة على مزيج من الأدوات: قوانين واضحة، وعقوبات، ورقابة تقنية، إلى جانب التحفيز والمشاركة المجتمعية.
وفي ختام تقريرها، قارنت «تايم» بين تجربة مترو كلكتا ودبي، مشيرة إلى أن نظافة مترو المدينة الهندية لم تمنع بعض السلوكيات السلبية من التسلل إليه مع مرور الوقت، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من البصق وغيرها من مظاهر الإهمال.
أما دبي، فتقدم نموذجاً مختلفاً، بحسب المجلة، إذ لا تعتمد على الغرامات والرقابة وحدهما، بل تسعى إلى ترسيخ المسؤولية المدنية وتشجيع السكان على المشاركة في الحفاظ على مستوى جودة الحياة داخل المدينة. وترى «تايم» أن هذه التجربة تستحق المتابعة لمعرفة ما إذا كان بالإمكان تحويل الالتزام بالنظام والنظافة من مجرد قواعد إلى ثقافة حضرية راسخة.
أخبار متعلقة :