سبوريش لـ«حال الخليج»: على أوروبا أن تتعلم من الخليج مع انتقال مركز الثقل إلى آسيا

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 9 سبتمبر 2026 12:06 مساءً - أكد الدبلوماسي والسفير التشيكي للإمارات السابق ألكسندر سبوريش أن تراجع الوزن الاقتصادي النسبي لأوروبا وانتقال مركز القوة العالمية نحو الولايات المتحدة وآسيا يفرضان على القارة إجراء إصلاحات سياسية وأمنية واسعة، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى الاستفادة من تجربة مجلس التعاون الخليجي في الجمع بين التنسيق الإقليمي والحفاظ على سلطة الدول الوطنية.

Advertisements

وقال سبوريش، في مقابلة خاصة مع «حال الخليج» على هامش منتدى هيلي، إنه يؤمن بأهمية الاتحاد الأوروبي، لكنه لا يؤيد تركيز المزيد من السلطات في مقر مركزي واحد في بروكسل، معتبراً أن احتفاظ الدول بقدراتها السياسية والدفاعية تحت مظلتها الوطنية يمنح التكتلات الإقليمية قدراً أكبر من المرونة والفاعلية.

وأضاف: «علينا في أوروبا أن نحتفظ بقوتنا داخل دولنا الوطنية، كما تفعلون هنا في مجلس التعاون الخليجي، حيث تحتفظ الدول بالسلطة السياسية والقدرات الدفاعية وغيرها تحت مظلتها الوطنية».

انتقال القوة

وأوضح سبوريش أن أوروبا كانت مركزاً للقوة الاقتصادية والسياسية العالمية قروناً طويلة، إلا أن مكانتها النسبية تراجعت مع انتقال جانب كبير من القوة الاقتصادية إلى الولايات المتحدة وآسيا.

وأشار إلى أن القارة الأوروبية كانت تستحوذ في مراحل سابقة على نسبة كبيرة من الناتج الاقتصادي العالمي، بينما تبلغ مساهمتها اليوم نحو 16 في المئة، وفق تقديراته، في مقابل صعود مراكز قوة جديدة، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة والاقتصادات الآسيوية الناشئة.

وقال إن القوة الاقتصادية تمثل الأساس الذي تستند إليه القدرات السياسية والعسكرية للدول، ما يعني أن تراجع الوزن الاقتصادي الأوروبي ينعكس مباشرة على قدرة القارة على التأثير في النظام العالمي والدفاع عن مواقفها ومصالحها.

وأكد أن هذه التحولات لا تعني انتهاء الدور الأوروبي، لكنها تستوجب مراجعة الطريقة التي ينظم بها الاتحاد الأوروبي سلطاته، وكذلك طبيعة علاقته بالدول الأعضاء وبقية القوى العالمية.

النموذج الخليجي

ورأى سبوريش أن تجربة مجلس التعاون الخليجي تقدم نموذجاً يمكن لأوروبا الاستفادة منه، إذ تجمع دول المجلس بين التعاون ضمن إطار إقليمي مشترك واحتفاظ كل دولة بسلطاتها السياسية والدفاعية وسيادتها الوطنية.

وأوضح أن هذا النموذج يختلف عن الاتجاه الأوروبي نحو منح مزيد من الصلاحيات للمؤسسات المركزية في بروكسل، معرباً عن اعتقاده بأن تركيز السلطة لا يمثل بالضرورة المسار الأفضل لمواجهة التحولات الدولية المتسارعة.

وأكد أن التحدي الذي يواجه أي تكتل إقليمي يتمثل في إيجاد التوازن بين العمل الجماعي ومرونة القرار الوطني، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالأمن والدفاع والاقتصاد.

وأشار إلى أن توحيد المواقف بين أعداد كبيرة من الدول يظل مهمة شديدة الصعوبة، سواء تعلق الأمر بالدول الأعضاء في الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، ما يجعل آليات اتخاذ القرار ومدى احترام الخصوصيات الوطنية عاملين أساسيين في نجاح أي تكتل.

إصلاحات مترقبة

وتوقع سبوريش أن تشهد أوروبا خلال المرحلة المقبلة إصلاحات وتغييرات كبيرة، خصوصاً في مجال الأمن والدفاع، في ظل تصاعد النقاش بشأن مستقبل الدور الذي يؤديه حلف شمال الأطلسي «الناتو» في حماية القارة.

وقال إن أوروبا استفادت بعد الحرب العالمية الثانية من المظلة الأمنية التي وفرها الحلف، لكن التساؤلات المطروحة اليوم حول مدى استمرار هذه الحماية قد تدفع الدول الأوروبية إلى البحث عن ترتيبات أو مظلات أمنية جديدة.

وأضاف أن القارة بحاجة إلى هندسة أمنية قادرة على التعامل مع التهديدات المستجدة، إلى جانب تطوير قدراتها الذاتية وعدم الاكتفاء بالاعتماد على ترتيبات نشأت في ظروف دولية مختلفة.

ويرى سبوريش أن تعزيز قدرات الدول الوطنية، إلى جانب تنسيق أوروبي أكثر مرونة، قد يكون أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات من نقل مزيد من السلطات إلى المؤسسات المركزية.

صعود آسيا

وأشار سبوريش إلى أن الأهمية المتزايدة لآسيا لا تقتصر على صعود الصين، بل تشمل أيضاً اليابان وكوريا والهند وغيرها من الاقتصادات التي أصبحت تؤدي دوراً محورياً في التجارة والطاقة والنظام الاقتصادي الدولي.

وأوضح أن هذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على العلاقات بين أوروبا ودول الخليج، ولا سيما في ظل تنامي أهمية الأسواق الآسيوية لصادرات الطاقة الخليجية.

وقال إن دول الخليج باتت تمتلك خيارات وشراكات اقتصادية متنوعة، في وقت يتراجع فيه الوزن النسبي لأوروبا داخل الاقتصاد العالمي، ما يستوجب من الدول الأوروبية إعادة تقييم سياساتها الاقتصادية وعلاقاتها مع المنطقة.

وأضاف أن التغير في موازين القوى لا يقاس بحجم الاقتصادات وحده، وإنما يظهر أيضاً في القدرة على تأمين الموارد وبناء الشراكات والتأثير في القرارات الدولية.

الأمن الاقتصادي

وأكد سبوريش أن أحد أبرز الدروس التي يمكن لأوروبا استخلاصها من الخليج يرتبط بمفهوم الأمن الاقتصادي، مشيراً إلى اعتماد الدول الأوروبية على المنطقة في استيراد النفط والغاز الطبيعي المسال وبعض أنواع الأسمدة.

وأوضح أن الاضطرابات التي تواجه طرق الإمداد، ولا سيما عبر مضيق هرمز، تكشف مدى ارتباط الأمن الأوروبي باستقرار الخليج واستمرار تدفق التجارة والطاقة.

وأضاف أن دول الخليج قادرة على تطوير مسارات بديلة لتصدير منتجاتها إلى أوروبا إذا تعطلت الطرق التقليدية، إلا أن إنشاء هذه المسارات قد يستغرق وقتاً.

وفي المقابل، قد تدفع الأزمات أوروبا إلى البحث عن مصادر بديلة، بالتزامن مع توسعها في الطاقة المتجددة واعتمادها الطاقة النووية جزءاً من مزيج الطاقة النظيفة.

وأشار إلى أن أوروبا لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز، رغم التحول الأخضر وتراجع دور الفحم، ما يجعل بناء علاقات مستقرة وطويلة الأمد مع دول الخليج ضرورة استراتيجية.

وخلص سبوريش إلى أن انتقال مركز الثقل نحو آسيا وتراجع القوة النسبية لأوروبا لا يعنيان غياب القارة عن المشهد، لكنهما يفرضان عليها إعادة بناء قدراتها، وإصلاح مؤسساتها، وإيجاد توازن جديد بين العمل الأوروبي المشترك وقوة الدول الوطنية.

أخبار متعلقة :