الشرع من دبي.. سوريا تعيد رسم موقعها الاقتصادي في المنطقة

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 05:36 مساءً - من دبي، لم يكتفِ الرئيس السوري أحمد الشرع بعرض أرقام عن حجم الاقتصاد السوري، بل قدم ملامح رؤية أوسع للمرحلة المقبلة، تقوم على الانتقال من اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً، يسعى لجذب الاستثمار واستثمار الموقع الجغرافي لسوريا وإعادة توظيف قدراتها الزراعية والتجارية.

Advertisements

الأرقام التي طرحها الشرع خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي 2026 تعكس حجم التحول الذي تطمح إليه دمشق. فالاقتصاد السوري، الذي قال إنه بلغ نحو 60 مليار دولار في أفضل حالاته عام 2010 قبل أن يتراجع إلى نحو 20 ملياراً في 2024، قد يصل خلال العام الجاري إلى نحو 50 مليار دولار، فيما تستهدف البرامج والمشاريع الحكومية رفع حجمه إلى نحو 200 مليار دولار خلال فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.

ولا تكمن أهمية رقم الـ200 مليار في قيمته وحدها، بل في طبيعة الاقتصاد الذي تتحدث دمشق عن بنائه للوصول إليه. فالطرح السوري لا يقوم على استعادة مستويات ما قبل الحرب فقط، وإنما على توسيع قاعدة الاقتصاد وربطه بصورة أكبر بالاستثمار والتجارة والخدمات اللوجستية والزراعة والسياحة.

وهنا يبدو التحول نحو «اقتصاد مفتوح وحر»، الذي تحدث عنه الشرع، جزءاً أساسياً من إعادة تشكيل النموذج الاقتصادي السوري للمرحلة الجديدة.

الرئيس السوري أشار إلى أن بلاده تدرس التجارب الاقتصادية الأكثر ملاءمة لظروفها، في مقاربة تعكس توجهاً للاستفادة من النماذج الناجحة من دون استنساخها، مع إدراك أن التحولات الاقتصادية الكبيرة تحتاج إلى قرارات جريئة قد تكون لها آثار مرحلية قبل أن تظهر نتائجها بصورة أوسع على حياة المواطنين.

نافذة استثمارية جديدة

أحد أبرز عناصر هذه الرؤية هو محاولة تحويل سوريا من دولة كانت لسنوات موضوعاً للأزمات السياسية والأمنية إلى سوق تحمل فرصاً استثمارية.

الشرع قال إن الاستثمارات بدأت بالتوافد من دول الخليج وأوروبا ومناطق مختلفة من العالم، وإن مشروعات كبيرة انطلقت بالفعل في قطاعات مثل العقارات والسياحة، فيما تجري مباحثات بشأن مشروعات أخرى.

واللافت أن الحديث عن الاستثمار جاء مقترناً بتغيير أوسع في البيئة المحيطة بالاقتصاد السوري بعد رفع العقوبات الدولية التي كانت تقيد حركة البلاد الاقتصادية والمالية.

ووصف الشرع هذه اللحظة بتعبير لافت عندما قال إن «سوريا ولدت من جديد» بعد رفع العقوبات، في إشارة إلى أن دمشق تنظر إلى ما جرى بوصفه نقطة بداية لمرحلة اقتصادية مختلفة، تتيح لها إعادة الاتصال بالأسواق ورأس المال والاستثمارات الدولية.

ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال من 20 مليار دولار في 2024 إلى ما قد يصل إلى 50 ملياراً في 2026 لا يمثل فقط ارتفاعاً رقمياً، وإنما يعكس، وفق الرؤية التي قدمها الشرع، اتساعاً سريعاً في مساحة الحركة المتاحة أمام الاقتصاد.

سوريا نقطة وصل

الموقع الجغرافي يحتل مساحة مركزية في التصور السوري الجديد.

فالشرع تحدث عن سوريا بوصفها دولة تقع في موقع استراتيجي يربط الشرق بالغرب، وهي ميزة تسعى دمشق إلى ترجمتها إلى دور اقتصادي وتجاري، بعدما شكل موقع البلاد تاريخياً صلة وصل بين الخليج وبلاد المتوسط وأوروبا.

وهنا جاء توقفه عند استثمار «موانئ دبي العالمية» في ميناء طرطوس باعتباره مثالاً واضحاً على الاتجاه الذي ترغب سوريا في تعزيزه.

المشروع لا يقتصر في دلالته على تطوير ميناء، بل يفتح الباب أمام دمج سوريا بصورة أكبر في شبكات التجارة والخدمات اللوجستية الإقليمية والدولية، بما يعزز موقعها كممر للبضائع وحركة التجارة.

ولذلك ارتبط حديث الشرع عن طرطوس برسالة أوسع مفادها أن سوريا تريد التحول من مركز ارتبط خلال السنوات الماضية بالمشكلات والنزاعات إلى «نقطة وصل ووجهة للاستثمار والتبادل التجاري».

رهان يتجاوز النفط والصناعة

لكن التصور الاقتصادي الذي عرضه الرئيس السوري لا يتوقف عند البنية التحتية والتجارة.

فالزراعة برزت كأحد الرهانات الأكثر طموحاً، إذ قال إن سوريا مؤهلة لأن تصبح سلة غذاء إقليمية، وإن إدخال التقنيات الحديثة يمكن أن يرفع قدرتها إلى مستوى يسمح بتوفير الغذاء لنحو 100 مليون نسمة.

هذه الرؤية تستند إلى ما تملكه البلاد من أراضٍ زراعية وموارد وخبرة طويلة في الإنتاج الزراعي، لكنها تحمل أيضاً توجهاً نحو تغيير شكل القطاع نفسه، بالانتقال من الزراعة التقليدية إلى استخدام التكنولوجيا ورفع الإنتاجية وربط الإنتاج بصورة أكبر باحتياجات أسواق المنطقة.

وفي منطقة أصبحت فيها قضية الأمن الغذائي جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي للدول، يمنح هذا الطرح الزراعة السورية بعداً يتجاوز السوق المحلية إلى إمكانية القيام بدور إقليمي أوسع.

الاستقرار بوابة التنمية

ورغم أن الجانب الاقتصادي استحوذ على مساحة بارزة من حديثه، ربط الشرع تنفيذ هذه الرؤية بعامل آخر هو الاستقرار.

فالرئيس السوري أكد أن هدف بلاده ليس فقط تثبيت الاستقرار الداخلي، وإنما المساهمة في «منظومة الاستقرار في المنطقة»، محذراً في الوقت نفسه من أن توسع الحروب المحيطة قد ينعكس سلباً على الخطط التنموية.

وهنا يتداخل الاقتصادي مع السياسي بصورة مباشرة؛ إذ إن الاستثمار طويل الأجل والمشروعات الكبرى والتجارة العابرة للحدود جميعها تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة تسمح للشركات ورؤوس الأموال بالتخطيط لسنوات مقبلة.

ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن قراءة تأكيد الشرع أن القرار السوري مستقل، مع الاعتماد في الوقت نفسه على الأشقاء والأصدقاء لتسريع وتيرة التنمية والاستفادة من التجارب الناجحة.

فالرسالة التي قدمها تقوم على الجمع بين استقلال القرار والانفتاح على الشراكات، خصوصاً مع الدول العربية التي تستطيع أن تلعب دوراً في الاستثمار ونقل الخبرات وإعادة ربط الاقتصاد السوري بمحيطه.

من إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة

مجمل ما طرحه الشرع في دبي يشير إلى تغير في المفردات التي تقدم بها سوريا نفسها للمنطقة والعالم.

فالحديث لم يعد محصوراً في الحرب والعقوبات وإعادة الإعمار، وإنما انتقل إلى الناتج المحلي والاستثمارات والموانئ والسياحة والأمن الغذائي وسلاسل التجارة.

وهذا التحول في الخطاب يعكس محاولة الانتقال من مرحلة التعامل مع إرث السنوات الماضية إلى مرحلة البحث عن موقع سوريا الاقتصادي في السنوات المقبلة.

والهدف الذي وضعه الشرع، باقتصاد يصل إلى 200 مليار دولار خلال خمس إلى عشر سنوات، يمنح هذه الرؤية سقفاً واضحاً يمكن قياس تطورها على أساسه.

وبين اقتصاد يقترب من 50 مليار دولار اليوم وطموح يصل إلى أربعة أمثال هذا الحجم، تراهن سوريا على أن رفع القيود، وتدفق الاستثمار، واستعادة دورها كممر تجاري، وتطوير قطاعاتها الإنتاجية، يمكن أن تشكل مجتمعة أساساً لمسار اقتصادي مختلف.

ومن دبي، كانت الرسالة الأبرز في حديث الشرع أن سوريا تريد أن تقدم نفسها في المرحلة المقبلة ليس باعتبارها ملفاً للأزمات، بل باعتبارها فرصة اقتصادية وموقعاً استراتيجياً وشريكاً في استقرار وتنمية المنطقة.

أخبار متعلقة :