ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 17 سبتمبر 2026 12:36 مساءً - أكد معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، أن التعامل مع الوضع الراهن يقوم على مسارين متوازيين، يتمثل الأول في إدارة الأزمة والمواجهة الحالية بأقل أضرار ممكنة، فيما يركز الثاني على قراءة شكل العلاقات في المستقبل، في ظل الجوار الجغرافي والعلاقات المعقدة والمتشابكة في المنطقة.
وقال قرقاش خلال جلسة «الإعلام في زمن التحولات الكبرى» ضمن فعاليات اليوم الثالث لقمة الإعلام العربي وحاوره عماد الدين أديب، إن هناك نوعاً من تلمس الوضع الحالي والبحث في كيفية الخروج منه، مشيراً إلى أن المنطقة لا تزال في أزمة ومواجهة، ما يجعل إدارة هذه المرحلة وتقليل أضرارها واجباً، بالتوازي مع التفكير في طبيعة العلاقات التي ستتشكل مستقبلاً.
وأوضح، أن واقع الجوار الجغرافي وتشابك العلاقات يفرضان النظر إلى ما بعد الأزمة، لافتاً إلى أن المنطقة شهدت انهياراً للمنظومة الأمنية التي كانت قائمة، الأمر الذي يستدعي إيجاد نوع من التفاهمات الجديدة التي تتناسب مع المرحلة المقبلة.
وأكد قرقاش، أن توجه دولة الإمارات في التعامل مع هذا الوضع المعقد يقوم على 3 جوانب رئيسة، يتصدرها الردع والدفاع عن سيادة دولة الإمارات، إلى جانب المرونة المطلوبة للحوار مع إيران بهدف إيجاد صياغة جديدة للعلاقة في المستقبل. وأشار إلى أن الأزمة الحالية ستنتهي في نهاية المطاف، وأن المهم في المرحلة الراهنة هو إدارتها بعقل، وفي الوقت نفسه العمل على التمهيد لفتح صفحة جديدة في مرحلة ما بعد الأزمة.
وأضاف أن الجانب الثالث يرتبط بالتزام القيادة، مؤكداً أن التزام قيادة دولة الإمارات الأول هو تجاه سيادة الدولة وشعبها، ومن ثم العمل على كل ما يمكن لحماية الدولة في ظل الظروف الراهنة.
وشدد قرقاش على أن الإمارات، بالتوازي مع إدارة الأزمة، تمضي قدماً في السياسة التي وصفها بـ«الجيواقتصادية»، بما يضمن استمرار مسارها الاقتصادي والتنموي وعدم تأثره بالتطورات التي تشهدها المنطقة.
وأشار إلى حرص الدولة على المحافظة على مسارها مع بقية دول العالم، مستشهداً بالزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا، مؤكداً أن الإمارات لا تريد أن تؤدي التطورات الراهنة إلى عرقلة مسارها الاقتصادي والتنموي أو تحركها مع دول العالم.
وأكد معاليه ضرورة التمييز بين بناء العلاقة مع إيران واستعادة الثقة، موضحاً أن استمرار العلاقات والاتصال والحوار تفرضه اعتبارات واقعية ترتبط بالجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، فيما تحتاج استعادة الثقة، في تقديره، إلى سنوات عديدة.
وقال قرقاش إن العلاقة بين دول المنطقة وإيران لا بد منها، وبالتالي لا بد من وجود اتصال وحوار، على ألا يقتصر هذا الحوار على القضايا اليومية المرتبطة بالحركة التجارية والطيران والسفن وغيرها، وإنما يمتد إلى قضايا أكثر عمقاً، من بينها ضمان عدم الاعتداء، والبحث في شكل المستقبل الذي يحفظ الاستقرار للبلدين والمنطقة.
وأوضح أن هذه الملفات تندرج ضمن بناء «العلاقة»، لكن الثقة تمثل مسألة مختلفة، مضيفاً أن استعادتها تتطلب سنوات عديدة، في ضوء ما وصفه بـ«العدوان الكبير» الذي واجهته دول الخليج، معتبراً أن الاستعداد له كان سابقاً ولم يكن نتيجة قرار آني، وأنه لم يستهدف الإمارات وحدها وإنما دول الخليج ككل.
وأضاف، أن التعامل مع العلاقة يجب أن ينطلق من نظرة براغماتية وواقعية تقرأ طبيعة المنطقة والجغرافيا والتاريخ والعلاقات القائمة، لكن بناء الثقة يخضع لحسابات مختلفة ويحتاج إلى وقت.
وفي رده على سؤال حول الإجراءات الفورية المطلوبة من إيران للمساهمة في استتباب السلم والاستقرار في المنطقة، أشار قرقاش إلى أن الرئيس الإيراني نفسه ذكر علناً أن هجوم إيران على دول الخليج كان «خطأً كبيراً»، معتبراً أن هذا الخطأ كان استراتيجياً، وحقق أهدافاً قصيرة المدى، لكنه أوجد لإيران وضعاً أكثر تعقيداً على المدى البعيد.
وقال، إن دوائر صنع القرار في إيران، وهي متعددة، مطالبة بالنظر إلى دول الخليج بصورة مختلفة عن النظرة التي قادت إلى قرار الهجوم عليها، مشدداً على أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تتمثل في عدم استهداف دول الخليج.
وأضاف أن ذلك يمتد أيضاً إلى ملفات أخرى، من بينها استخدام الميليشيات واستهداف بعض دول الخليج، فضلاً عن محاولات فرض واقع جديد في مضيق هرمز، معتبراً أن إيران لن تتمكن من فرض مثل هذا الواقع، وأن المطلوب هو التعامل بواقعية مع المنطقة المحيطة بها.
وأشار قرقاش إلى أن دول المنطقة المحيطة بإيران ستكون هي الأطراف التي يمكن أن تتوسط للمساعدة في إخراجها من الأزمة، كما يمكن أن تسهم مستقبلاً في عودة الجانب التنموي والاقتصادي لإيران، الذي قال إنه سيتأثر بعد الحرب.
وأكد أن «الخطوة الأولى هي وقف التوتر بأي صورة وبأي شكل»، موضحاً أنه لا يمكن التفاوض على مستقبل جديد في الوقت الذي تستمر فيه التهديدات والهجمات، معتبراً أن وقف التوتر يمثل بداية الطريق نحو صياغة مرحلة مختلفة.
ورداً على سؤال بشأن اتهامات إيرانية لدولة الإمارات بالقيام بأعمال ضد إيران، أكد قرقاش أن دولة الإمارات دافعت عن نفسها وستدافع عن نفسها، وفي الوقت ذاته تمد يد الصداقة وتفتح باب الحوار. ولفت إلى ضرورة الانتباه إلى تعدد دوائر صنع القرار داخل إيران، موضحاً أن بعض الخطابات الصادرة منها قد تعكس مواقف دوائر تمثل الجانب الأكثر تشدداً.
وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كان القرار الإيراني يصدر من جهة واحدة، أشار قرقاش إلى أن المرشد السابق علي خامنئي كان، منذ عام 1989، صاحب القول الفصل في ما يتصل بالقرار الإيراني على مدى 37 عاماً، معتبراً أنه من الصعب أن يرث شخص أو جهة هذا الموقع بالصورة نفسها. وأضاف أن التعامل اليوم يجري مع دوائر مختلفة داخل إيران، موضحاً أنه لا يصفها بأنها «متحاربة»، وإنما بأنها «متباينة»، وهو ما يفسر، بحسب حديثه، اختلاف بعض الخطابات والمواقف الصادرة من داخل إيران.
أخبار متعلقة :