الوعي والمناعة الرقمية.. درع الأبناء في العالم الافتراضي

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 28 سبتمبر 2026 06:06 صباحاً - حماية الأبناء في الفضاء الرقمي لم تعد قضية تقنية أو تنظيمية فحسب، بل باتت قضية وطنية ترتبط بمستقبل المجتمع واستقراره.

Advertisements

ومن هذا المنطلق تواصل دولة ترسيخ نهجها الاستباقي في حماية الأجيال الناشئة ومواكبة التحولات التي فرضها العصر الرقمي، عبر تطوير منظومة متكاملة من التشريعات والسياسات والمبادرات التي توازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة وتعزيز الأمن المجتمعي والحفاظ على القيم والهوية الوطنية.

أكد عدد من أولياء الأمور والمعلمين والمتخصصين في المجالات النفسية والتربوية وشؤون حماية الطفل، في استطلاع أجرته «حال الخليج»، أن النشء يواجه تحديات متنامية في الفضاء الرقمي، تتراوح بين التنمر الإلكتروني والاستغلال والابتزاز الرقمي والتعرض للمحتوى غير الملائم، وصولاً إلى تأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي على السلوك والوعي.

مشددين على أهمية تعزيز الثقافة الرقمية وتكامل الجهود الأسرية والتربوية والمجتمعية لحماية الأجيال الناشئة من المخاطر المستجدة في الفضاء الإلكتروني.

الوعي يبدأ بالحماية

ترى ولية الأمر موزة علي راشد أن التطورات الرقمية المتسارعة فرضت واقعاً جديداً أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي أحد أبرز المؤثرات في تشكيل وعي الأبناء وقيمهم واتجاهاتهم الفكرية والسلوكية.

ومن خلال تجربتها كأم لأبناء في مراحل عمرية مختلفة، تؤكد أن الأسرة باتت تواجه تحديات متزايدة في متابعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء يومياً في ظل التدفق المستمر للمعلومات والمضامين الرقمية.

وتشير إلى أن مرحلة المراهقة تعد من أكثر المراحل حساسية في بناء الشخصية وترسيخ القيم، ما يجعل توفير بيئة رقمية آمنة ومتوازنة ضرورة تسهم في دعم النمو النفسي والفكري والاجتماعي للأبناء، إلى جانب تنمية الوعي الرقمي والتفكير النقدي لديهم.

ويرى عبدالعزيز محمد العبدولي، ولي أمر، أن التحديات التي يفرضها العالم الرقمي تتطلب تكاملاً في الأدوار بين مختلف الجهات المعنية بحماية الأبناء، مؤكداً أن الأسرة لا تستطيع بمفردها مواجهة التأثيرات المتسارعة للمحتوى الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويشير إلى أن بناء بيئة آمنة للأجيال الناشئة يعتمد على الشراكة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات التنظيمية والمنصات التقنية، بما يضمن تعزيز الحماية واستدامتها، ويجعل الأبناء أكثر قدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة بصورة مسؤولة ومتوازنة.

مواجهة الخوارزميات

وتؤكد المعلمة حليمة محمد لهبش أن التحديات الرقمية لم تعد مرتبطة باستخدام الأجهزة الذكية فحسب، بل باتت مرتبطة أيضاً بالخوارزميات التي تقترح المحتوى للمستخدمين بصورة مستمرة، بما في ذلك الأطفال واليافعين.

وتشير إلى أن هذه الخوارزميات قد تدفع أحياناً محتوى لا يتوافق مع قيم المجتمع وثقافته، الأمر الذي يضع الأسر أمام مسؤوليات كبيرة في المتابعة والتوجيه.

وترى أن توفير بيئة رقمية أكثر أماناً يسهم في تعزيز استقرار الأسرة وطمأنينتها، ويمنح أولياء الأمور أدوات داعمة لأداء دورهم التربوي بصورة أكثر فاعلية.

وتعتبر المعلمة عائشة أحمد الظنحاني أن مواكبة التحولات الرقمية تتطلب وجود أطر تشريعية وتنظيمية تضمن حماية الأطفال من المخاطر المرتبطة بالاستخدام المبكر، وغير المنضبط لمنصات التواصل الاجتماعي.

وتوضح أن الأطفال واليافعين هم الفئة الأكثر تأثراً بالمحتوى الرقمي، ما يستدعي توفير ضوابط وإجراءات فاعلة تضمن ملاءمة البيئة الرقمية لأعمارهم واحتياجاتهم، وتعزز ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيات الحديثة.

وترى أمل الحفناوي أن نجاح الجهود الرامية إلى تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي يرتبط بوجود بدائل عملية وجاذبة تستثمر طاقاتهم وقدراتهم بصورة إيجابية.

وتؤكد أن الأنشطة الرياضية والثقافية والعلمية والتطوعية تشكل مساحات حقيقية لتنمية مهارات الطفل وتعزيز ثقته بنفسه.

وتشير إلى أن دولة الإمارات وفرت منظومة واسعة من البرامج والمبادرات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، بدءاً من البرامج القيادية والوطنية، مروراً بالأنشطة الرياضية.

ووصولاً إلى مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي والابتكار، بما يسهم في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والانخراط في أنشطة واقعية تسهم في بناء شخصية متكاملة.

تشريعات داعمة

وتؤكد الدكتورة شهد الحمادي، عضو مجلس إدارة في جمعية الإمارات لحماية الطفل ورئيس اللجنة الاجتماعية، أن حماية الأطفال في العصر الرقمي لا تقوم على منعهم من استخدام التكنولوجيا، بل على بناء «مناعة رقمية» تمكنهم من الاستفادة من التقنيات الحديثة بوعي ومسؤولية، وتعزز قدرتهم على التحقق من المعلومات وحماية خصوصيتهم والتعامل الآمن مع المنصات الرقمية.

وتشير إلى أن أبرز التحديات التي يواجهها النشء تتمثل في التنمر الإلكتروني والابتزاز والاستدراج الرقمي وانتحال الهوية وسرقة البيانات والتعرض للمحتوى غير الملائم، إلى جانب مخاطر مستجدة فرضتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل التزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتوضح أن دولة الإمارات أرست منظومة تشريعية متقدمة لحماية الطفل رقمياً، من أبرزها المرسوم بقانون اتحادي بشأن السلامة الرقمية للطفل، وقرار تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب قانون حقوق الطفل «وديمة» وتشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية، بما يعكس نهجاً متكاملاً يجعل من حماية الطفل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية والمنصات الرقمية والجهات المختصة.

وتشير إلى أن جمعية الإمارات لحماية الطفل نفذت حملة «أسرة واعية.. طفل آمن.. مجتمع رقمي مسؤول» عام 2025، واستفاد منها أكثر من 2000 من الأطفال وأولياء الأمور ومختلف شرائح المجتمع، كما استفاد نحو 3500 طفل من حملة «إجازتي أمان ووعي وحماية» التي ركزت على السلامة الرقمية والاستخدام الآمن للتكنولوجيا.

وتنفذ الجمعية حالياً حملة «عيالنا.. عامهم الدراسي أمان»، التي يستفيد منها خلال العام الدراسي 2026 - 2027 نحو 1800 طالب وطالبة وما يقارب 200 معلم ومعلمة عبر ورش وبرامج متخصصة في السلامة الرقمية.

وتشدد على أن الأسرة تبقى خط الدفاع الأول في حماية الأبناء، داعية إلى تعزيز الحوار والثقة مع الأطفال، وتفعيل أدوات الرقابة الأسرية وإعدادات الخصوصية، ومراجعة المحتوى والألعاب الرقمية المناسبة لأعمارهم، وتشجيعهم على الإبلاغ عن أي إساءة أو سلوك مشبوه يتعرضون له، بما يسهم في بناء بيئة رقمية آمنة تدعم النمو السليم وتحافظ على القيم والهوية الوطنية.

الوقاية من التنمر الإلكتروني

ومن جانبها، تؤكد الدكتورة إيمان عبدالهادي، استشاري أسري ونفسي وتربوي، أن التنمر الإلكتروني أصبح من أبرز التحديات التي تواجه الأطفال واليافعين في العصر الرقمي، لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية وتربوية قد تؤثر في الثقة بالنفس والشعور بالأمان والقدرة على بناء علاقات صحية ومتوازنة.

وتشير إلى أن تنامي الاعتماد على المنصات الرقمية يفرض ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر هذا السلوك وآليات الوقاية منه.

وترى أن مواجهة التنمر الإلكتروني تتطلب تكاتف جهود الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والمجتمعية لترسيخ قيم الاحترام والتسامح والمسؤولية الرقمية، إلى جانب تعليم الأبناء مهارات الاستخدام الآمن للإنترنت وتشجيعهم على الإبلاغ عن السلوكيات المسيئة وعدم التفاعل مع المحتوى الضار أو إعادة نشره.

كما تؤكد أن الحوار المفتوح بين الوالدين والأبناء يمثل أحد أهم أدوات الوقاية والكشف المبكر عن المشكلات الرقمية والحد من آثارها النفسية والاجتماعية.

نموذج شبابي ملهم

وتقدم الطالبة جمانة محمد سعيد الزعابي نموذجاً ملهماً في نشر الوعي بقضية التنمر، إذ قادت العديد من المبادرات والورش التوعوية والمسابقات الهادفة إلى التثقيف بمخاطر التنمر والحد من آثاره على مستوى الدولة والوطن العربي.

كما أطلقت قناة توعوية متخصصة بعنوان «قف قف لا للتنمر»، ونفذت معارض وأنشطة ومحتويات رقمية توعوية تستهدف مختلف الفئات العمرية.

وحصدت جمانة عدداً من الجوائز والأوسمة المرتبطة بالتسامح والسلامة الرقمية ومكافحة التنمر، من بينها جائزة حمدان للأداء التعليمي المتميز فئة الطالب المتميز غير الأكاديمي، وجائزة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة للوقاية من التنمر في المدارس، إضافة إلى أوسمة «سفير التسامح» و«بطل السلام» و«قائد السلامة الرقمية».

وتؤكد أنّ الثقة بالنفس تمثل الخطوة الأولى لمواجهة التنمر، داعية الطلبة إلى عدم الصمت أمام الإساءة وطلب الدعم من الأسرة أو المدرسة أو الجهات المختصة، مشيرة إلى أن الوعي والشجاعة في الإبلاغ يشكّلان خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من مختلف أشكال التنمر والإساءة.

ومع تنامي تأثير منصات التواصل الاجتماعي في حياة الأطفال واليافعين، تبرز الحاجة إلى توفير بيئة رقمية أكثر أماناً تدعم النمو الفكري والنفسي والاجتماعي للأبناء وتحصنهم من المخاطر المصاحبة للانفتاح الرقمي.

وفي هذا الإطار يواصل نهج الإمارات الاستباقي ترسيخ منظومة متكاملة لحماية الطفل، انطلاقاً من رؤية تؤمن بأن بناء الأجيال لا يقتصر على توفير فرص التعليم والمعرفة، بل يبدأ بحماية العقول وترسيخ الوعي وتعزيز المسؤولية الرقمية.

تشريعات توازن بين الاستفادة من التقنيات وتدعم الأمن المجتمعي

تحديات متنامية يواجهها النشء في الفضاء الرقمي كالتنمر والاستغلال والابتزاز

ترسيخ «المناعة الرقمية» لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر الفضاء الإلكتروني

توفير بيئة رقمية أكثر أماناً يسهم في حماية استقرار وطمأنينة الأسرة

أخبار متعلقة :