التنشئة في العصر الرقمي.. وعي أسري يحمي الأبناء

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 12 أكتوبر 2026 06:06 صباحاً - لم تعد الهواتف الذكية والمنصات الرقمية مجرد وسائل للترفيه والتواصل، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي يتشكل فيها وعي الأبناء، وتتأثر بها اهتماماتهم وطريقة تفكيرهم وعلاقاتهم بالآخرين.

Advertisements

ومع اتساع حضور التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، تبرز أهمية دور الأسرة في مواكبة هذا التحول، وتمكين الأبناء من الاستفادة من فرصه المعرفية، مع ترسيخ القيم والقدرة على التمييز بين المحتوى النافع والضار.

ولا تتمثل القضية في إبعاد الأبناء عن العالم الرقمي، بقدر ما ترتبط بكيفية إعدادهم للتعامل معه بوعي ومسؤولية، وهو ما يتطلب تطوير أساليب التنشئة، وتعزيز الحوار والثقة، وبناء شراكة تربوية تجمع الأسرة والمدرسة والمجتمع.

مواكبة التحولات

أكد الدكتور محمد حمدان بن جرش السويدي، مدير جمعية للمجتمع وعلم الاجتماع، أهمية دور الأسرة في مواكبة التحولات الرقمية التي تؤثر في حياة الأبناء، مشيراً إلى أن مسؤولية التربية لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، وإنما تشمل بناء الوعي وتعزيز القدرة على اتخاذ القرارات السليمة.

ويكتسب هذا الدور أهمية متزايدة مع تعدد مصادر المعرفة والتأثير، إذ لم تعد الأسرة المصدر الوحيد للمعلومات التي يتلقاها الأبناء، الأمر الذي يجعل الحوار والتوجيه المستمر أكثر أهمية في مساعدتهم على فهم ما يتعرضون له، والتعامل معه بطريقة متوازنة.

وتتطلب التنشئة الرقمية أن يكون الوالدان على دراية بالمنصات التي يستخدمها الأبناء وطبيعة المحتوى الذي يتابعونه، من دون أن يتحول التوجيه إلى رقابة جامدة تضعف الثقة أو تحد من فرص التعلم والاستكشاف.

تأثير رقمي

تناولت الدكتورة زيزيت مصطفى نوفل، أستاذة علم الاجتماع والعمل الاجتماعي المشاركة في جامعة الشارقة، خلال ندوة «الأسرة وتحديات التنشئة الاجتماعية في ظل التحولات الرقمية»، أثر التحولات الرقمية في التنشئة الاجتماعية، وما تفرضه من متطلبات جديدة على الأسرة.

فالتفاعل الرقمي بات جزءاً من تجارب الأبناء اليومية، ويسهم في تشكيل اهتماماتهم وتصوراتهم عن العالم، بما يجعل التعامل معه مسؤولية تربوية تتجاوز تحديد أوقات استخدام الأجهزة.

ويشمل ذلك مساعدة الأبناء على فهم الرسائل التي يتلقونها، والتفكير النقدي في المعلومات، والتمييز بين الحقائق والآراء والمحتوى المضلل.

في المقابل، تتيح البيئة الرقمية فرصاً واسعة للتعلم واكتساب المهارات والتواصل مع مصادر المعرفة؛ لذلك فإن الاستفادة منها ترتبط بقدرة الأسرة على توجيه الاستخدام.

طبيعة التواصل

ترى إيمان عز الدين، الحاصلة على درجة الماجستير في الإعلام وثقافة الطفل، أن بناء الوعي لدى الأبناء يرتبط بالبيئة التي ينشؤون فيها وبطبيعة التواصل داخل الأسرة.

فالطفل يتعلم من سلوك والديه بقدر ما يتعلم من توجيهاتهما، وهو ما يجعل الاستخدام الواعي للأجهزة من جانب الكبار جزءاً أساسياً من التربية.

ومن هنا، لا يكفي أن تطلب الأسرة من الأبناء تقليل استخدام الهواتف إذا لم يلمسوا التزاماً مماثلاً من الوالدين، كما أن الحوار الهادئ يساعدهم على التعبير عن تجاربهم الرقمية ومناقشة ما يواجهونه من مواقف أو محتوى غير مناسب.

ويشمل بناء الوعي الرقمي تعريف الأبناء بأهمية حماية الخصوصية، وعدم مشاركة المعلومات والصور الشخصية دون إدراك للعواقب، والتعامل السليم مع التنمر الإلكتروني، والتحقق من المعلومات قبل تداولها.

استخدام متوازن

يركز الدكتور أحمد سعيد مرشد، الحاصل على الدكتوراه في الدراسات النفسية للطفل ومدير مراكز لتأهيل الأطفال وتدريبهم في دولة الإمارات، على أهمية مراعاة احتياجات الطفل ومرحلته العمرية عند تنظيم استخدام الأجهزة الرقمية.

فالتعامل مع التكنولوجيا لا ينبغي أن يقوم على المنع المطلق أو الإتاحة المفتوحة، بل على قواعد واضحة ومتوازنة تراعي عمر الطفل ومسؤولياته واحتياجاته، مع توفير بدائل تشجعه على ممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية والإبداعية، وتمنحه فرصاً للتفاعل المباشر مع الأسرة والأقران.

كما أن فهم دوافع الطفل وراء الاستخدام المتكرر للأجهزة يساعد الوالدين على اختيار أسلوب التوجيه المناسب، بدلاً من الاكتفاء بالتنبيه أو العقاب. ويعزز إشراك الأبناء في وضع قواعد الاستخدام شعورهم بالمسؤولية، ويمنحهم فرصة لتعلم إدارة وقتهم واتخاذ قرارات أكثر وعياً.

تجارب أسرية

تعكس تجارب أولياء الأمور جانباً عملياً من تحديات التربية الرقمية، إذ تتطلب الموازنة بين الاستفادة من التكنولوجيا وتنظيم استخدامها متابعة مستمرة، واتفاقاً واضحاً داخل الأسرة على القواعد التي تناسب الأبناء.

وتبرز في هذا السياق تجارب شيخة سعيد الصريدي وشهد الحمادي، اللتين تتناولان من واقع الحياة الأسرية أهمية متابعة استخدام الأبناء للأجهزة، والتواصل معهم بشأن ما يشاهدونه ويتفاعلون معه، إلى جانب تشجيعهم على الأنشطة التي تنمي مهاراتهم وتوسع دائرة اهتماماتهم خارج الشاشات.

وتؤكد التجارب الأسرية أن نجاح التوجيه لا يرتبط بالقواعد وحدها، بل بقدرة الوالدين على فهم اهتمامات الأبناء، والاستماع إلى أسئلتهم، وبناء الثقة التي تشجعهم على الرجوع إلى الأسرة عند مواجهة أي موقف يثير قلقهم في الفضاء الرقمي.

أخبار متعلقة :