الردود الآلية.. بيروقراطية ترهق المتعاملين

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 12 أكتوبر 2026 06:06 صباحاً - بلدية الفجيرة تلغي 62 إجراءً وتخفض زمن الإنجاز 80.8 %

في الوقت الذي تتبنى فيه دولة نهجاً يقوم على تبسيط الإجراءات وتصفير البيروقراطية، وإلغاء الإجراءات والمتطلبات غير الضرورية وتقليص زمن إنجاز المعاملات، لجعل رحلة المتعامل أكثر سهولة ومرونة وكفاءة، يرى كثير من المستخدمين أن أنظمة الرد الآلي والمساعدات الافتراضية لا تزال تمثل عائقاً أمام الوصول السريع إلى الخدمة المطلوبة.

Advertisements

حيث يجد المتعامل نفسه أمام سلسلة من الخيارات والتعليمات والإجراءات التي قد تستغرق وقتاً أطول من المتوقع، وتفرض عليه التنقل بين قوائم متعددة ما يحول التجربة من وسيلة للتيسير إلى مصدر للوقت المهدور والتوتر والإحباط.

ويؤكد متعاملون أن المشكلة لا تكمن في التحول الرقمي بحد ذاته، بل في طريقة تصميم بعض الخدمات، ما يطرح تساؤلات حول الفارق بين التحول الرقمي الحقيقي وما بات يعرف بـ«البيروقراطية الإلكترونية»، حيث تنتقل التعقيدات من النوافذ التقليدية إلى الشاشات والمنصات الرقمية.

وفي المقابل، تبرز تجارب عملية تسعى إلى تقليل الخطوات واختصار رحلة المتعامل، ومن بينها تجربة بلدية الفجيرة التي نجحت من خلال برنامجها الاستراتيجي «تصفير البيروقراطية» في إلغاء 62 إجراءً غير ضروري وتحقيق خفض في زمن إنجاز الخدمات بنسبة 80.8 %، في خطوة تستهدف تسهيل رحلة المتعامل وتقليل الأعباء الإجرائية وتعزيز كفاءة الخدمات.

خيارات متشعبة

يقول طاهر الحفيتي إن بعض الجهات ما زالت تعتمد مسارات إلكترونية معقدة تجعل المتعامل يقضي وقتاً طويلاً في التنقل بين الخيارات المختلفة للوصول إلى الخدمة المطلوبة.

ويؤكد أن المتعامل لا يبحث عن عدد أكبر من الخدمات الرقمية، بل عن وسيلة أسرع وأكثر وضوحاً للحصول عليها، لافتاً إلى أن كثرة النوافذ والخيارات قد تجعل المستخدم يفقد تركيزه قبل الوصول إلى النتيجة المطلوبة.

أما سالم بن خاتم الشامسي فيشير إلى أنه يعاني عند التواصل مع بعض المؤسسات التي تعتمد أنظمة الرد الآلي بشكل كامل، موضحاً أنه يجد نفسه أمام سلسلة طويلة من التعليمات والخيارات الصوتية التي تتطلب التفاعل المستمر دون الوصول السريع إلى الحل.

ويضيف أنه كثيراً ما يضطر إلى الاستعانة بأبنائه لإنجاز بعض الإجراءات، إلا أنهم يواجهون التحديات نفسها، حيث تتكرر محاولات الاتصال ويُطلب منهم إعادة الخطوات أكثر من مرة قبل الوصول إلى الخدمة المطلوبة.

وقت مهدور

من جانبه، يرى سيف سالم أن أكبر تحدٍ يواجه المتعامل يتمثل في الوقت الذي يضيع بين القوائم الإلكترونية وأنظمة الردود الآلية، خصوصاً عندما تكون الحاجة إلى الخدمة عاجلة وتستدعي تدخلاً سريعاً.

ويؤكد أن بعض الأنظمة تدفع المستخدم إلى التنقل بين خيارات عدة قبل الوصول إلى القسم المختص، ما يؤدي إلى شعوره بالإحباط ويؤخر إنجاز المعاملات.

بدوره، يطالب جمعة أحمدي بمزيد من التبسيط في تصميم الخدمات الرقمية، معتبراً أن نجاح أي منصة إلكترونية يقاس بسهولة استخدامها وقدرتها على اختصار الإجراءات أمام المتعامل. ويشير إلى أن التقنية يجب أن تكون جسراً للوصول إلى الخدمة لا عقبة إضافية أمام المستخدم، وأن رحلة المتعامل ينبغي أن تكون أقصر وأوضح وأكثر مرونة.

وتقول بدرية الذباحي إنها واجهت صعوبة خلال محاولتها التواصل مع أحد مراكز الاتصال لإنجاز أمر عاجل، حيث اصطدمت بسلسلة طويلة من الردود الآلية والأوامر المتتابعة التي تطلب إدخال الرقم التعريفي والتحقق عبر الهوية الصوتية والانتقال بين عدد من الخيارات قبل الوصول إلى الخدمة.

وأشارت إلى أن عدم الاستجابة السريعة وكثرة الخطوات المطلوبة أجبراها على تكرار المحاولة أكثر من مرة، ما استنزف وقتها وأعصابها، خصوصاً في ظل حاجتها الماسة للحصول على الخدمة بشكل عاجل.

حيث إن بعض المنصات والأنظمة ما زالت تعاني من التعقيد، لدرجة أن إنجاز بعض المعاملات قد يستغرق وقتاً أطول مقارنة ببعض الإجراءات التقليدية في السابق.

وأكد المهندس محمد سيف الأفخم، مدير عام بلدية الفجيرة، أن التحول الرقمي لا يقتصر على تقديم الخدمات إلكترونياً، بل يهدف إلى بناء تجربة متكاملة تمكن المتعامل من إنجاز معاملاته بسهولة وسرعة، وتختصر عليه الوقت والجهد.

وأوضح أن البلدية حرصت على توفير حزمة متطورة من القنوات الرقمية التي تشمل خدمة «فزعة» للشكاوى والمقترحات، وبرنامج «تواصل معنا»، إلى جانب التطبيقات الذكية مثل «سمارت فجيرة» و«رخصتي»، فضلاً عن مركز اتصال متطور، الأمر الذي عزز التفاعل مع الجمهور وأسهم في زيادة الاعتماد على القنوات الرقمية.

وأشار إلى أن بلدية الفجيرة توفر أكثر من 252 خدمة إلكترونية عبر مختلف قنواتها الرقمية، ما يعكس تطور منظومة الخدمات الذكية وقدرتها على تلبية احتياجات المتعاملين بكفاءة، انسجاماً مع توجهات الحكومة الذكية في دولة الإمارات.

وأضاف أن هذه الأنظمة أسهمت في توفير تجربة أكثر مرونة وسرعة لإنجاز المعاملات، وأتاحت للمتعاملين الوصول إلى الخدمات من أي مكان وفي أي وقت، الأمر الذي انعكس على تقليل الوقت والجهد ورفع مستوى الاستفادة من القنوات الرقمية.

واختتم بالتأكيد على أن نجاح أي منظومة رقمية لا يقاس بعدد الخدمات المتاحة فحسب، بل بقدرتها على تسهيل رحلة المتعامل، وتقليل الإجراءات، وتقديم خدمة أكثر سرعة ووضوحاً وكفاءة.

نموذج مختلف

ويرى فريق التحول الرقمي ببلدية الفجيرة أن البيروقراطية الإلكترونية تنشأ عندما يتم نقل الإجراءات التقليدية إلى البيئة الرقمية من دون إعادة النظر فيها أو تبسيطها. فوجود المنصة أو التطبيق لا يعني بالضرورة نجاح التحول الرقمي إذا ظلت الخطوات نفسها والموافقات نفسها والمتطلبات نفسها قائمة، ولكن بصيغة إلكترونية.

ولفتوا إلى أن تجربة التحول الرقمي في بلدية الفجيرة أصبحت نموذجاً مختلفاً يقوم على مبدأ أن التحول الرقمي لا يبدأ بالتقنية، بل بتبسيط الإجراءات أولاً.

ويؤكد الفريق أن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني تحويل المعاملة الورقية إلى معاملة إلكترونية، وإنما إعادة تصميم الخدمة بالكامل بحيث تنجز بأقل جهد ممكن من المتعامل. فالمعيار الأساسي، وفق رؤية الفريق، هو تقليل ما يُطلب من المتعامل واختصار الوقت الذي يستغرقه الحصول على الخدمة.

ويشير الفريق إلى أن أي إجراء معقد سيبقى معقداً إذا تم نقله إلى منصة إلكترونية دون مراجعة، ولذلك تبدأ عملية التطوير بمراجعة الخدمة وحذف الخطوات المكررة ودمج الإجراءات القابلة للاختصار قبل الشروع في بناء الأنظمة التقنية.

كما تعتمد البلدية على الربط الإلكتروني مع عدد من الجهات الحكومية للاستغناء عن طلب المعلومات والمستندات المتوفرة مسبقاً، بحيث لا يُطلب من المتعامل إدخال بيانات أو إحضار وثائق موجودة أصلاً لدى جهات مرتبطة بالنظام.

وفيما يتعلق بالردود الآلية والمساعدات الافتراضية، يؤكد الفريق أن هذه الأدوات يمكن أن تتحول إلى عائق إذا صُممت بطريقة تعيق الوصول إلى الحل. ولذلك تعتمد البلدية على أن تكون الأنظمة المساندة وسيلة للإجابة السريعة عن الاستفسارات المتكررة، مع الحفاظ على مسار واضح ومباشر للوصول إلى الموظف المختص عند الحاجة، بما يضمن عدم بقاء المتعامل داخل دائرة مغلقة من الخيارات والتعليمات الآلية.

نافذة موحدة

ويعد تطبيق ومنصة «سمارت فجيرة» أحد النماذج التي تستند إلى فلسفة تقليل رحلة المتعامل، حيث يجمع عدداً كبيراً من الخدمات في نافذة رقمية واحدة، ويتيح تقديم الطلبات ومتابعتها واستكمال الإجراءات إلكترونياً دون الحاجة إلى التنقل بين جهات أو أنظمة متعددة.

ويؤكد الفريق أن نجاح أي خدمة ذكية لا يقاس بعدد التطبيقات أو المنصات المتاحة، بل بعدد الخطوات التي تم الاستغناء عنها، والوقت الذي تم توفيره للمتعامل، وسهولة الوصول إلى النتيجة النهائية.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات اليوم لم يعد في إطلاق المزيد من التطبيقات والمنصات، بل في التأكد من أن التكنولوجيا تعمل لمصلحة المتعامل، لا أن تضيف إلى يومه مزيداً من الخطوات والتعقيد.

أخبار متعلقة :