ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 12 أكتوبر 2026 09:51 مساءً - لم يعد الجلوس لساعات طويلة خلف المكاتب مجرد جزء من الروتين الوظيفي، بل أصبح تحدياً صحياً يرتبط بآلام العضلات والمفاصل وتراجع النشاط البدني، وقد يؤثر في راحة الموظف وقدرته على أداء مهامه اليومية.
ومع امتداد ساعات العمل أمام شاشات الكمبيوتر، يؤكد مختصون أن ممارسة الرياضة بعد انتهاء الدوام، على أهميتها، لا تعوض بالكامل ساعات الخمول، مشددين على ضرورة الجمع بين الحركة المنتظمة والتغذية المتوازنة، وتهيئة بيئة عمل تراعي صحة الموظفين.
وتؤكد آراء المختصين وتجارب الموظفين، أن الحد من الآثار الصحية للجلوس المطوّل لا يقتصر على ممارسة الرياضة بعد الدوام، أو استخدام الوسائل الداعمة، بل يبدأ بعادات يومية تشمل الحركة المنتظمة، وتغيير وضعية الجلوس، ويكتمل بتهيئة بيئة عمل تراعي احتياجات الموظفين.
الحركة ضرورة
أكد الدكتور محمد عوض استشاري جراحة العظام «القدم والكاحل»، أن الجلوس جزء طبيعي من الحياة اليومية، لكن المخاطر المرتبطة به تزداد عندما يستمر لساعات طويلة، دون فواصل للحركة والنشاط البدني. وأوضح أن تحديد مدة واحدة يصبح بعدها الجلوس خطراً صحياً، ليس أمراً دقيقاً، لاختلاف طبيعة الأفراد وظروفهم، مشيراً إلى أن الجلوس المتواصل قد يؤدي إلى تيبس العضلات، والشعور بعدم الراحة.
وأوضح أن آلام أسفل الظهر والرقبة والكتفين من المشكلات الشائعة لدى العاملين في المكاتب، نتيجة استمرار الضغط على مجموعات عضلية معينة، وانخفاض نشاط مجموعات أخرى، ما قد يؤدي إلى الإجهاد العضلي والصداع والآلام المتكررة. وقد تمتد الشكوى لدى بعض الأشخاص إلى القدمين، بما في ذلك آلام الكعب أو وتر أخيل، وهي مشكلات تتداخل في أسبابها عوامل عدة، من بينها طبيعة النشاط اليومي وقلة الحركة.
وأشار إلى أن وضعية الجلوس غير السليمة، ونقص الدعم المناسب، قد يزيدان الضغط على العضلات والمفاصل، مؤكداً أهمية الوقوف والمشي خلال الاستراحات، وتغيير وضعية الجلوس، وممارسة تمارين الإطالة الخفيفة، إلى جانب ضبط ارتفاع الكرسي والمكتب والشاشة، وتجنب الانحناء المستمر نحو الكمبيوتر.
وشدد عوض على ضرورة الانتباه إلى الأعراض المتكررة، خصوصاً الألم المستمر أو المتزايد، والخدر والتنميل، وضعف العضلات، أو تأثير الألم في النوم والأنشطة اليومية، مؤكداً أهمية مراجعة الطبيب عند استمرار هذه الأعراض أو تفاقمها. ولفت إلى أن ممارسة الرياضة بعد الدوام تحقق فوائد مهمة، لكنها لا تغني عن الحركة المنتظمة خلال ساعات العمل، إذ يحتاج الجسم إلى تغيير وضعيته، وتقليل فترات الخمول المتواصلة.
الغذاء المتوازن
من جانبها، أكدت الدكتورة روان الأشقر اختصاصية الحمية والتغذية، أن الحفاظ على صحة العضلات والعظام يتطلب الجمع بين النشاط البدني والتغذية السليمة، موضحة أن الغذاء يوفر العناصر اللازمة للحفاظ على الكتلة العضلية ودعم قوة العظام، لكنه لا يحل محل الحركة والتمارين.
وأشارت إلى أهمية تناول البروتين الموجود في البيض والأسماك والدواجن واللحوم قليلة الدهون والبقوليات، إلى جانب مصادر الكالسيوم وفيتامين «د»، مثل منتجات الألبان أو بدائلها المدعمة، مع الحرص على تنويع الغذاء، ليشمل الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور.
وأضافت أن نقص بعض العناصر الغذائية، مثل فيتامين «د» والحديد وفيتامين «ب12»، أو عدم الحصول على كمية كافية من البروتين، قد يسهم لدى بعض الأشخاص في الشعور بالإرهاق أو ضعف العضلات. لكنها شددت على أن آلام العضلات والمفاصل متعددة الأسباب، ولا ينبغي ربطها بالغذاء وحده، إذ قد تؤدي قلة النشاط ووضعيات الجلوس غير السليمة، وعدم الحصول على الراحة الكافية، دوراً في زيادة الألم والانزعاج.
وأوضحت أن المكملات الغذائية ليست ضرورية للجميع، وينبغي أن يرتبط استخدامها بالحاجة الفعلية والتقييم الطبي. أما خلال يوم العمل، فيمكن اختيار وجبات بسيطة ومتوازنة، مثل الزبادي مع الفواكه والمكسرات، أو البيض مع خبز الحبوب الكاملة والخضراوات، أو شطائر الدجاج والتونة والحمص، إلى جانب السلطات وشوربة العدس. كما يساعد تحضير الوجبات مسبقاً، والاحتفاظ بالماء في متناول اليد، على الحد من تفويت الوجبات، والاعتماد على الأطعمة شديدة المعالجة بسبب ضيق الوقت.
دعم لا يعالج السبب
وأوضحت الدكتورة الصيدلانية شيماء كريمي أن الاهتمام بمشكلات الجلوس المطوّل، عزز الإقبال على المنتجات التي توفر دعماً إضافياً للجسم، مثل مساند الظهر والرقبة والوسائد المخصصة للجلوس، والتي يلجأ إليها بعض الأشخاص لتخفيف الشعور بعدم الراحة أثناء العمل.
وأكدت أن هذه المنتجات قد تساعد على تحسين الراحة، وتوفير دعم إضافي، لكن مدى ملاءمتها يختلف بحسب احتياجات المستخدم وطبيعة الأعراض، ولا تعالج بالضرورة الأسباب الأساسية للألم. وشددت على أهمية اختيار المنتجات التي توفر دعماً مناسباً، دون إجبار الجسم على اتخاذ وضعية غير مريحة، مع عدم اعتبارها بديلاً عن الحركة المنتظمة، أو تهيئة بيئة العمل بصورة سليمة.
وأضافت أن استمرار الألم أو تفاقمه، أو اقترانه بالخدر والتنميل أو ضعف العضلات، يستدعي مراجعة الطبيب، بدلاً من الاعتماد على الوسائل الداعمة وحدها.
بيئة عمل صحية
وقالت سندية الزيودي إن طبيعة عملها في مجال التدريس، تفرض عليها استخدام الكمبيوتر لفترات طويلة لإعداد الدروس والأنشطة التعليمية، وتصميم العروض والأوراق التدريبية، ما يسبب لها الإجهاد والشعور بالتعب، خصوصاً في الرقبة والكتفين وأسفل الظهر، إلى جانب إجهاد العينين، نتيجة التركيز المستمر أمام الشاشة.
وأوضحت أن هذه الأعراض قد تؤثر في راحتها وتركيزها أثناء العمل، وتمتد أحياناً إلى ما بعد انتهاء الدوام. وترى أن الحد من آثار الجلوس الطويل، يتطلب تغيير وضعية الجلوس بانتظام، وأخذ استراحات قصيرة للحركة، واستخدام كرسي يوفر دعماً مناسباً للظهر، وضبط ارتفاع الشاشة ولوحة المفاتيح بما يتناسب مع وضعية الجسم.
وأكدت أهمية دور المؤسسات في تهيئة بيئة عمل تراعي صحة الموظفين، من خلال توفير كراسٍ قابلة للتعديل، وتنظيم أماكن العمل بصورة سليمة، إلى جانب نشر الوعي بممارسات الجلوس الصحيحة، وتشجيع الحركة خلال اليوم، لافتة إلى أن صحة الموظف تنعكس على راحته وإنتاجيته وجودة أدائه.
أما الموظفة فاطمة السويدي، فتروي تجربة أكثر صعوبة، إذ عانت لسنوات آلاماً متزايدة في الظهر، قبل أن تُشخّص بمشكلة في الغضاريف «الديسك»، وتخضع لتدخل جراحي، بعد عدم نجاح العلاجات التحفظية في السيطرة على الألم.
وتقول إن التجربة دفعتها إلى الاهتمام أكثر بوضعية الجلوس، والحركة خلال ساعات العمل، مشيرة إلى أن التعامل المبكر مع الأعراض، وطلب التقييم الطبي كانا مهمين في رحلتها مع الألم.
حلول لا تكفي وحدها
وتوضح الموظفة نورة عبد الله الكعبي أن طبيعة عملها المكتبي، تفرض عليها البقاء فترات طويلة أمام شاشة الكمبيوتر، ما تسبب لها في آلام متكررة أسفل الظهر، وأثّر في راحتها خلال الدوام.
وأضافت أنها لجأت إلى شراء مخدة داعمة للجلوس لتخفيف الضغط على أسفل الظهر، وتحسين وضعية الجلوس، مشيرة إلى أنها ساعدتها في تقليل الشعور بعدم الراحة، لكنها لم تنهِ المشكلة تماماً، إذ ما زالت تحتاج إلى فترات حركة متكررة، وتمارين تمدد خلال اليوم.
أخبار متعلقة :