ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 25 أكتوبر 2026 06:36 صباحاً - خطورة بعض المقاطع تكمن في تقديم العدوانية بصورة كوميدية
ضرورة تعزيز السلوك الإيجابي بدلاً من الاعتماد على العقاب والمنع
بعض المحتويات تؤثر في تصور الطفل لمعنى القوة والقبول الاجتماعي
وجود الفيديو على منصة مخصصة للصغار لا يغني عن متابعة الأسرة
لم تتوقع «أم زيد» أن تتحول الرسوم المتحركة وفيديوهات مشاهير الأطفال على «يوتيوب» من وسيلة لتسلية طفليها التوأم إلى مصدر قلق يومي، بعدما لاحظت تغيراً في سلوكهما، من الهدوء واللعب المشترك إلى العصبية والعدوانية، وضرب أحدهما الآخر، وتقليد المقالب، وكسر الألعاب، والمطالبة بشراء بدائل جديدة.
وتقول: «الأمر لم يتوقف عند الشقاوة، بل أصبحا يعترضان على حياتنا ويقارنان منزلنا وألعابنا بما يشاهدانه لدى الأطفال المشاهير، ويسألان لماذا لا نعيش مثلهم؟ ولماذا لا نشتري ألعاباً كل يوم؟».
وتضيف أنها فوجئت بتراجع شعورهما بالرضا عما يمتلكانه، وتحول بعض المواقف اليومية إلى مشاجرات وصراخ، ما دفعها إلى إعادة النظر في المحتوى الذي يشاهدانه.
وتفتح هذه التجربة ملفاً تربوياً، يتجاوز عدد ساعات الجلوس أمام الشاشات، إلى طبيعة الرسائل التي يتلقاها الأطفال من الرسوم المتحركة، ومقاطع المؤثرين، خصوصاً عندما تقدم بعض الأعمال السخرية من الكبار والعناد والمقالب العدوانية، والإسراف في المشتريات باعتبارها سلوكيات مضحكة أو علامات على القوة والنجاح، وسط تساؤلات حول تأثيرها في تشكيل شخصية الطفل ومدى توافقها مع القيم الأسرية والمجتمعية.
النتيجة وليس التصرف وحده
وقالت سينميس ناجي، أخصائية نفسية، إن التأثير النفسي للمحتوى المرئي لا يتوقف عند تقليد الطفل للكلمات والحركات، وإنما يمتد إلى استيعابه أنماط التعامل مع الآخرين، وتكوين تصورات عن السلوك الذي يجلب الاهتمام أو المكافأة، موضحة أن الطفل قد يشاهد شخصية تصرخ أو تضرب أو تكسر شيئاً، ثم تنتهي الواقعة بالضحك، فيتعامل مع التصرف باعتباره مقبولاً أو وسيلة للحصول على الاهتمام.
وأوضحت أن خطورة بعض المقاطع تكمن في تقديم العدوانية بصورة كوميدية دون إظهار نتائجها الحقيقية، ما قد يجعل الطفل أقل قدرة على التمييز بين المزاح والإيذاء، خصوصاً في المراحل العمرية المبكرة.
وأضافت أن ظهور العدوانية بين الأشقاء أو تكرار كسر الألعاب يستدعي فهماً دقيقاً للظروف المحيطة بالطفل، وليس اتهام الشاشة وحدها، إذ تتداخل عوامل نفسية وأسرية متعددة في تشكيل السلوك.
وأكدت أهمية مراقبة التغيرات التي تظهر بعد المشاهدة، مثل سرعة الغضب وعدم تقبل الرفض واستخدام الضرب لحل الخلافات، مع تدريب الطفل على التعبير عن مشاعره بصورة مناسبة، وتعزيز السلوك الإيجابي بدلاً من الاعتماد على العقاب والمنع وحدهما.
الضمير الأخلاقي
ومن جانبها تناولت الدكتورة رحاب الشافعي، المتخصصة في الطفولة، القضية من زاوية تتعلق بتكوين الضمير الأخلاقي والصورة الذهنية للذات خلال السنوات الأولى من العمر، موضحة أن الطفل لا يولد وهو يمتلك المعايير الاجتماعية والأخلاقية بصورتها المكتملة، وإنما يبنيها تدريجياً من خلال علاقاته وخبراته، والنماذج التي يتعرض لها.
وأشارت إلى أن بعض المحتوى لا يقدم للطفل تصرفاً منفرداً ليقلده، بل يقدم نموذجاً متكاملاً للشخصية الناجحة أو المحبوبة، فإذا ارتبطت البطولة بالتمرد المستمر، أو ارتبطت الشعبية بالسخرية من الآخرين، فقد يتأثر تصور الطفل لمعنى القوة والقبول الاجتماعي.
وأضافت أن أحد الجوانب الأكثر حساسية يتمثل في تشكيل مفهوم الرضا عن الذات والحياة الأسرية، إذ قد يقارن الطفل واقعه بمشاهد الرفاهية التي يقدمها مشاهير الإنترنت، دون أن يدرك أن هذه المقاطع تمثل لحظات منتقاة أو محتوى تجارياً مخططاً.
وأوضحت أن استمرار المقارنات قد يخلق لدى بعض الأطفال شعوراً بعدم الرضا أو الإحباط، خصوصاً عندما ترتبط السعادة في أذهانهم بامتلاك المزيد من الألعاب والهدايا، مؤكدة أن الطفولة تحتاج إلى خبرات حقيقية يتعلم الطفل من خلالها الانتظار والمشاركة، وتقبل الخسارة، والمحافظة على الممتلكات.
السخرية ليست استقلالية
وبدوره قال التربوي، مؤمن محمد عثمان، إن بعض الرسوم المتحركة تقدم شخصيات الأطفال باعتبارها الأكثر ذكاء وقدرة على التفوق على الكبار، بينما يظهر الأب أو المعلم أحياناً في صورة ضعيفة أو مثيرة للسخرية، ما يطرح تساؤلات حول الرسائل التي قد يتلقاها الطفل بشأن الاحترام والعلاقات الأسرية والتربوية.
وأوضح أن المشكلة ليست في تشجيع الطفل على النقاش أو الاعتراض أو التعبير عن رأيه، فهذه مهارات إيجابية ينبغي تنميتها، وإنما في الخلط بين الاستقلالية والإساءة، وبين الجرأة والتطاول على الآخرين.
وأشار إلى أن المدرسة قد تواجه سلوكيات مستوحاة من المحتوى الرقمي، مثل ترديد عبارات ساخرة أو تنفيذ مقالب بين الزملاء أو تقليد حركات عدوانية، مؤكداً ضرورة التعامل معها باعتبارها فرصاً للتوجيه والتعلم، وليس مجرد مخالفات تستوجب العقاب.
ولفت إلى أهمية تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة، خصوصاً في رياض الأطفال والصفوف الأولى، لرصد التغيرات السلوكية مبكراً، وتعزيز قيم الاحترام والتعاون والمسؤولية.
صناعة الرغبات
وتناولت التربوية، رائدة شفيق، تأثير فيديوهات مشاهير الأطفال في تشكيل الرغبات الاستهلاكية للصغار، موضحة أن بعض القنوات لا تكتفي بعرض الألعاب، وإنما تقدم نمط حياة يبدو قائماً على الهدايا المستمرة والمفاجآت والمشتريات المتكررة.
وأشارت إلى أن الطفل قد لا يستطيع التمييز بين المحتوى الترفيهي والإعلان، ولا يدرك أن بعض المنتجات المعروضة مرتبطة بتعاونات تجارية، فيتعامل مع امتلاكها باعتباره أمراً ضرورياً ليشعر بالسعادة أو ليصبح شبيهاً بالشخصيات التي يحبها.
وأضافت أن الخطر يظهر عندما تتحول المقارنة من الألعاب إلى الأسرة نفسها، فيبدأ الطفل في التساؤل عن سبب عدم امتلاك والديه الإمكانات التي يشاهدها على الشاشة، وقد يفسر رفض شراء لعبة جديدة باعتباره حرماناً، رغم توافر احتياجاته الأساسية والترفيهية.
وأكدت ضرورة تعليم الأطفال الفرق بين الاحتياجات والرغبات، وتعريفهم بصورة مبسطة بطبيعة الإعلانات والمحتوى التجاري، مع تجنب الاستجابة الفورية لكل طلب، حتى لا ترتبط السعادة لديهم بالاستهلاك المستمر.
خوارزميات المنصات
وقال الدكتور عبيد صالح المختن، باحث في تقنية المعلومات والجريمة الإلكترونية، إن خطورة بعض المحتويات الموجهة للأطفال لا تكمن في مشاهدة مقطع واحد، وإنما في آليات التوصية التي تعتمد عليها المنصات الرقمية، إذ يمكن أن تؤدي متابعة الطفل لمقاطع المقالب والصراخ والتحديات إلى ظهور المزيد من الفيديوهات المشابهة، ما يزيد تعرضه المتكرر لأنماط سلوكية بعينها.
وأوضح أن بعض صناع المحتوى يعتمدون على المبالغة في ردود الأفعال والمفاجآت والمشاحنات لجذب الانتباه، وزيادة المشاهدات، دون أن تكون القيمة التربوية أولوية في إنتاج هذه المقاطع، مشيراً إلى أن انتشار الفيديو أو تحقيقه ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة ملاءمته للأطفال.
وأضاف أن وجود الفيديو على منصة مخصصة للصغار لا يغني عن متابعة الأسرة، لأن أدوات التصنيف والفلترة لا تستطيع دائماً تقييم جميع الرسائل السلوكية والاجتماعية التي يحملها المحتوى.
وشدد على ضرورة تعزيز مسؤولية المنصات وصناع المحتوى في توضيح المواد الإعلانية، والحد من وصول المقاطع غير المناسبة للفئات العمرية الصغيرة، إلى جانب تمكين أولياء الأمور من التحكم في التوصيات والمشاهدة التلقائية.
السلبية والمثالية
ومن جهته أكد المهندس التقني، أحمد صالح، أن المقارنة بين الرسوم المتحركة القديمة والحديثة يجب ألا تقوم على افتراض أن الأعمال القديمة كانت أكثر التزاماً بالقيم، وإنما على تحليل مضمون كل عمل، وطريقة تقديمه للسلوكيات المختلفة، موضحاً أن بعض الأعمال القديمة تضمنت أيضاً مشاهد مطاردات وضرب ومقالب، بينما تقدم أعمال حديثة رسائل إيجابية عن التعاطف والتعاون واحترام الآخرين.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الأسرة على التمييز بين المحتوى الذي يستخدم المشاغبة لخدمة قصة تنتهي بتوضيح نتائج السلوك الخطأ، والمحتوى الذي يقدم الإهانة أو العدوانية باعتبارهما وسيلة دائمة للضحك دون معالجة تربوية واضحة.
وأضاف أن بعض أولياء الأمور يطمئنون إلى الرسوم المتحركة لمجرد أنها تضم شخصيات ملونة أو تحمل تصنيفاً مناسباً للأطفال، دون الانتباه إلى طبيعة العلاقات والرسائل التي تقدمها، مؤكداً أن غياب المشاهد الصادمة لا يعني بالضرورة أن المحتوى مناسب من جميع الجوانب التربوية.
ودعا إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الأسر، وتوفير إرشادات تساعدها على تقييم الأعمال وفق احترام الآخرين، وطريقة حل الخلافات والرسائل الاستهلاكية، بدلاً من الاعتماد على شهرة الشخصيات أو انتشارها.
التصنيف العمري
ومن جانبها الدكتورة شيرين يحيى، التربوية، أن اختيار الرسوم المتحركة ينبغي ألا يعتمد على التصنيف العمري وحده، إذ قد يكون العمل مناسباً من حيث غياب المشاهد الصادمة، لكنه يتضمن رسائل متكررة تتعلق بالسخرية أو المقالب أو التعامل غير المناسب مع الوالدين والأصدقاء.
وأوضحت أن بعض الأعمال العالمية تتضمن مواقف ساخرة من الأب، فيما تقدم أخرى مشاهد تعتمد على المبالغات والمقالب والعنف الهزلي، مشيرة إلى ضرورة تقييم هذه المشاهد في سياقها الكامل، وعدم اعتبار وجودها دليلاً على أن العمل كله ضار.
وفي المقابل لفتت إلى وجود رسوم متحركة، تقدم نماذج إيجابية للتعامل مع المشاعر والعلاقات الأسرية، بما يؤكد أن المحتوى الكرتوني يمكن أن يكون أداة تربوية فعالة عندما يحسن اختياره.
وشددت على أهمية مراعاة القيم الأسرية والمجتمعية في دولة الإمارات، مع عدم رفض الأعمال الأجنبية لمجرد اختلاف ثقافتها، وإنما تقييم الرسائل التي تحملها، وتشجيع إنتاج محتوى عربي ومحلي جذاب يعزز الاحترام والتعاون والاعتدال والانتماء.
ودعت إلى توفير أدلة إرشادية مبسطة لأولياء الأمور، تتجاوز تحديد الفئة العمرية إلى توضيح طبيعة الرسائل السلوكية والاستهلاكية في الأعمال الموجهة للأطفال، إلى جانب تعزيز التربية الإعلامية داخل المدارس.
أخبار متعلقة :