ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 28 أكتوبر 2026 05:36 صباحاً - لم يعد إنجاز الواجب المدرسي يتطلب من الطالب سوى دقائق أمام أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يرفع خلالها صورة من كتابه أو ملفاً دراسياً، ويطلب شرح مسألة أو إعداد بحث أو تلخيص درس، غير أن هذه الخطوات البسيطة قد تحمل مخاطر لا يدركها كثير من الطلبة، خصوصاً عندما تتضمن الملفات المرفوعة أسماءهم أو صورهم أو بيانات زملائهم أو معلومات تخص مدارسهم، لتتحول أداة المساعدة التعليمية إلى منفذ محتمل لكشف معلومات شخصية تتجاوز حدود الفصل الدراسي.
وتتسع دائرة المخاطر مع تزايد اعتماد الأطفال على هذه التطبيقات، إذ لا تقتصر المعلومات التي قد يشاركونها على المحتوى التعليمي، بل يمكن أن تمتد إلى تفاصيل حياتهم اليومية وعلاقاتهم الأسرية ومشكلاتهم الشخصية، في وقت تتيح فيه بعض الخدمات خصائص للذاكرة والتخصيص، بينما تتباين سياسات الاحتفاظ بالبيانات واستخدامها من منصة إلى أخرى.
وحذّر خبراء في الأمن السيبراني والتكنولوجيا، في تصريحات لـ«حال الخليج»، من أن سهولة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا تعني بالضرورة أمانها في جميع الحالات، مؤكدين أن المخاطر تتجاوز مشاركة البيانات الشخصية إلى استغلال الصور والأصوات في عمليات الاحتيال وانتحال الهوية، فضلاً عن تهديدات التطبيقات والألعاب الإلكترونية التي قد تمتد إلى أجهزة الأسرة وحساباتها.
وشددوا على أن مواجهة هذه التحديات لا تتطلب منع الطلبة من استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما وضع حدود واضحة للمعلومات التي يجوز مشاركتها، وتعزيز مهارات التحقق والتفكير النقدي، وإرساء شراكة فاعلة بين المدرسة والأسرة لحماية خصوصية الأطفال دون حرمانهم من الاستفادة من التقنيات الحديثة.
كشف بيانات
أكد خالد كامل، مدير التسويق والتحالفات لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى في إحدى الشركات الكبرى للأمن السيبراني، أن بعض الطلبة أصبحوا أكثر تقدماً في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من قدرتهم على إدراك المخاطر المرتبطة بها، مشيراً إلى أن إتقان إعداد الواجبات والمشروعات باستخدام التطبيقات الذكية لا يعني بالضرورة فهم كيفية التعامل مع البيانات التي يشاركونها.
وأوضح أن الطالب قد يمتلك القدرة على كتابة تعليمات دقيقة للحصول على إجابة متكاملة، لكنه لا يعرف بالضرورة ما إذا كانت المعلومات التي يقدمها تُخزّن أو تستخدم لتحسين الخدمات أو تدريب النماذج، أو من يمكنه الوصول إليها، وهو ما يكشف عن فجوة بين المهارات التقنية والوعي بالخصوصية الرقمية.
وأشار إلى أن المشكلة تبدأ أحياناً من ممارسات تبدو عادية، مثل رفع ملف مدرسي يتضمن الاسم الكامل للطالب أو رقم هاتفه، أو مشاركة صور من داخل المدرسة، أو إدخال بيانات تخص زملاءه للحصول على مساعدة في إنجاز مشروع جماعي، دون التفكير في العواقب المحتملة لمشاركة هذه المعلومات مع خدمات خارجية.
وأضاف أن بعض الطلبة يستخدمون حساباتهم الشخصية في تطبيقات غير معتمدة من المدرسة، أو يمنحون أدوات غير موثوقة صلاحيات واسعة للوصول إلى الملفات، أو يتعاملون مع روابط ومرفقات. وأكد أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في تعليم الطلبة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في قدرتهم على التمييز بين المعلومات التي يمكن مشاركتها والبيانات التي يجب حمايتها.
لا ضمان للحذف
وحذّر مينا غالي، خبير الأمن السيبراني، من أن الاستخدام المتكرر لتطبيقات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تكوين صورة تفصيلية عن المستخدم، خصوصاً عندما يشارك الطالب معلومات متفرقة عن مدرسته ودراسته واهتماماته وحياته الشخصية عبر محادثات متعددة.
وأوضح أن بعض التطبيقات توفر خصائص للذاكرة والتخصيص، بما يسمح بالاستفادة من معلومات سبق أن قدمها المستخدم لتكييف الإجابات وفق احتياجاته، مشيراً إلى أن الطالب قد يبدأ بطلب مساعدة في بحث علمي، ثم يضيف تدريجياً تفاصيل عن المواد التي يدرسها ومدرسته واهتماماته، وربما بعض مشكلاته الشخصية.
ولفت إلى أن الخطورة لا تكمن بالضرورة في معلومة واحدة، وإنما في تراكم المعلومات وربطها ببعضها، بما قد يكشف تفاصيل عن هوية المستخدم واهتماماته وظروفه، خصوصاً إذا لم يكن مدركاً لطبيعة البيانات التي تحتفظ بها الخدمة.
وأشار إلى أن حذف المحادثة من واجهة التطبيق لا يضمن بالضرورة إزالة جميع البيانات المرتبطة بها فوراً من أنظمة الشركة، موضحاً أن هناك فروقاً بين سجل المحادثات وخصائص الذاكرة والبيانات التي قد تُستخدم لتحسين الخدمات أو تدريب النماذج، وأن هذه الممارسات تختلف وفق سياسات كل منصة وإعداداتها. وأكد أهمية مراجعة إعدادات الخصوصية والذاكرة قبل استخدام التطبيقات.
بدوره، حذّر مجد سنان، رئيس قسم الأعمال في الإمارات وعُمان لدى شركة كاسبرسكي للأمن السيبراني، من أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي جعل عمليات الاحتيال الإلكتروني أكثر إقناعاً وانتشاراً، بعدما أصبح بإمكان المجرمين إنتاج رسائل ومقاطع صوتية ومرئية تحاكي الأشخاص والمؤسسات الحقيقية بدرجة يصعب على المستخدم العادي اكتشافها في بعض الحالات.
وأوضح أن الجرائم الإلكترونية شهدت تحولاً ملحوظاً مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ لم تعد الرسائل الاحتيالية تقتصر على نصوص ركيكة أو مواقع إلكترونية ضعيفة التصميم، بل بات بالإمكان إعداد رسائل احترافية وانتحال هوية جهات موثوقة وإنشاء محتوى مزيف يبدو واقعياً.
وأشار إلى أن تقنيات التزييف العميق تتيح تقليد الأصوات والوجوه المألوفة، وقد يستغل المحتالون الصور والتسجيلات المتاحة عبر الإنترنت لانتحال شخصية أحد أفراد الأسرة، ثم التواصل مع الضحية بادعاء التعرض لأزمة طارئة تتطلب تحويل أموال بصورة عاجلة.
ولفت إلى أن المعلومات الشخصية التي يشاركها الطلبة عبر المنصات الرقمية قد تُستغل، إذا أصبحت متاحة للمحتالين، في إعداد رسائل تصيد تستهدفهم أو تستهدف أسرهم، مستفيدة من التفاصيل المتعلقة بالمدرسة أو الأنشطة أو الاهتمامات لجعل الرسائل أكثر إقناعاً.
وفي محور آخر، أكد المهندس محمد سعيد، خبير تقني ومستشار ذكاء اصطناعي، أن المخاطر الرقمية التي يتعرض لها الأطفال لا تقتصر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التعليمية، بل تمتد إلى الألعاب الإلكترونية والتطبيقات الترفيهية التي قد يستغلها المجرمون لإصابة الأجهزة ببرمجيات خبيثة أو سرقة بيانات الحسابات.
وأوضح أن بعض المهاجمين يخفون ملفات ضارة داخل إضافات الألعاب أو أدوات الغش أو التعديلات غير الرسمية، فيما يستدرجون الأطفال بعروض للحصول على عملات افتراضية مجانية أو مكافآت حصرية، لدفعهم إلى تحميل ملفات غير آمنة أو إدخال بيانات تسجيل الدخول في مواقع احتيالية.
وكشف أن معظم الشركات الكبرى وثّقت حالات لتطبيقات خبيثة تتخفى في صورة تعديلات لألعاب الفيديو، إلى جانب تحقيقات في عمليات احتيال تستهدف اللاعبين الصغار عبر منصات ألعاب شهيرة.
وأشار إلى أن الخطر قد يتجاوز حساب اللعب الخاص بالطفل، خصوصاً عند استخدام أجهزة مشتركة داخل المنزل، إذ يمكن أن تؤدي البرمجيات الخبيثة أو بيانات الدخول المخترقة إلى تعريض حسابات أخرى ومعلومات شخصية تخص أفراد الأسرة للخطر.
وأكد أن حماية الأطفال تتطلب توعيتهم بعدم تحميل الألعاب والإضافات من مصادر غير موثوقة، أو مشاركة بيانات حساباتهم مقابل مكافآت افتراضية، مع ضرورة مراجعة صلاحيات التطبيقات والحرص على تأمين الأجهزة والحسابات المستخدمة داخل المنزل.
وحذّر التربوي المختص في أمن المعلومات محمود فرغل من أن المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي قد تتجاوز خصوصية البيانات إلى التأثير في قراراتهم الشخصية، خصوصاً عندما يتحول التطبيق من أداة تعليمية إلى وسيلة للحصول على نصائح بشأن المشكلات الأسرية أو النفسية أو الصحية.
وأوضح أن بعض الأطفال قد يلجؤون إلى التطبيقات لسرد خلافاتهم مع الوالدين أو مشكلاتهم اليومية، ويتعاملون مع الإجابات باعتبارها توجيهات موثوقة، رغم أن الذكاء الاصطناعي قد يقدم أحياناً معلومات غير دقيقة أو تفسيرات تستند إلى افتراضات لا تعكس حقيقة الظروف التي يمر بها الطفل.
وأشار إلى أن خطورة هذه الممارسات تتزايد عندما يعتمد الطفل على النصائح الآلية لاتخاذ قرارات تتجاوز عمره وخبراته، لا سيما في المسائل الطبية أو الخلافات الأسرية الحساسة، مؤكداً أن التطبيق لا ينبغي أن يحل محل دور الوالدين أو المختصين في التوجيه والدعم.
تعبير زائف
من جانبه، أوضح الدكتور النفسي أشرف سعد أن بعض الأطفال قد يجدون في المحادثة مع التطبيقات الذكية مساحة للتعبير عن مشاعرهم دون خوف من الانتقاد أو الإحراج، وهو ما قد يشجعهم على مشاركة تفاصيل شخصية لا يفصحون عنها بسهولة أمام أفراد الأسرة.
وقد يؤدي الاعتماد المتكرر على التطبيق للحصول على الطمأنة أو النصيحة إلى تعزيز الثقة في إجاباته، خصوصاً لدى الأطفال الأصغر سناً الذين لم تكتمل لديهم القدرة على تقييم المعلومات أو إدراك حدود الأنظمة الآلية.
ولفت إلى أن مسؤولية الأسرة تتمثل في توفير بيئة يشعر فيها الطفل بالأمان عند الحديث عن مشكلاته، وتعليمه أن التطبيقات يمكن أن تساعده في التعلم والبحث، لكنها لا تمتلك الفهم الإنساني الكامل لظروفه، ولا ينبغي الاعتماد عليها وحدها في القرارات الحساسة.
المدارس والأسر
وفي السياق ذاته أكد المهندس محمود أبو الفتوح، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، أن مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي تتطلب بناء مهارات الأمن السيبراني لدى الطلبة بصورة تتناسب مع مراحلهم العمرية.
مشيراً إلى أن التعليم الرقمي ينبغي أن يبدأ منذ المرحلة الابتدائية بالتوعية بعدم مشاركة المعلومات الشخصية أو الصور والملفات دون إشراف.
وأوضح أن طلبة المراحل المتوسطة يحتاجون إلى فهم إعدادات الخصوصية واكتشاف محاولات التصيد والاحتيال والتحقق من المعلومات التي تنتجها التطبيقات، فيما ينبغي أن يتعمق طلبة المرحلة الثانوية في فهم سياسات استخدام البيانات وإدارة الهوية الرقمية والتعامل مع التزييف العميق.
وشدد على أن التوعية لا ينبغي أن تقتصر على الطلبة وحدهم، بل يجب أن تشمل المعلمين وأولياء الأمور، حتى يتمكنوا من توجيه الأطفال بصورة صحيحة ومساعدتهم على اتخاذ قرارات آمنة.
وأكدت التربوية فوزية الشيخ أن وزارة التربية والتعليم اعتمدت دليلاً لضوابط وإرشادات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حددت من خلاله 10 مخالفات تتعلق باستخدام هذه التقنيات، بهدف حماية الطلبة وتعزيز النزاهة الأكاديمية وصون خصوصيتهم الرقمية.
مشيرة إلى أن الدليل وضع ضوابط واضحة لمسؤوليات أولياء الأمور، بما يضمن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في دعم العملية التعليمية دون تحويلها إلى وسيلة لإنجاز الواجبات والمهام الدراسية نيابة عن الطلبة.
وأوضحت أن الدليل حدد 7 مخالفات تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي، أبرزها إنجاز الواجبات والمشروعات الدراسية نيابة عن الأبناء، واستخدام التطبيقات في الغش أو التحايل على التقييمات، وإنشاء حسابات في منصات غير معتمدة من الوزارة، وإدخال بيانات الطالب وأسرته دون إذن المدرسة، والسماح باستخدام هذه التقنيات دون إشراف، فضلاً عن إنتاج أو تداول محتوى غير مناسب أو مضلل أو يمس الخصوصية والسمعة.
كما حدد 3 مخالفات تتعلق بالأمن الرقمي، تشمل إدخال الصور والتسجيلات الصوتية والبيانات الشخصية في أدوات الذكاء الاصطناعي، وتجاهل تعليمات حماية البيانات، ونشر محتوى تعليمي أو معلومات مدرسية دون تصريح رسمي.
5 قواعد لحماية بيانات الطلبة:
01 - إزالة أسماء الطلبة وأرقام الهواتف والبيانات الشخصية من الملفات قبل رفعها
02 - عدم مشاركة صور الزملاء أو المستندات المدرسية التي تحتوي على معلومات خاصة
03 - استخدام التطبيقات المعتمدة من المدرسة ومراجعة إعدادات الخصوصية والذاكرة
04 - عدم افتراض أن حذف المحادثة يعني حذف جميع البيانات المرتبطة بها
05 - الرجوع إلى الوالدين أو المعلمين عند مواجهة طلبات مشبوهة
أخبار متعلقة :