الإمارات ومجلس الأمن.. شراكات استراتيجية وحضور دبلوماسي عبر القارات


ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 28 أكتوبر 2026 11:06 مساءً - أعاد ترشيح دولة معالي لانا زكي نسيبة، وزيرة دولة، لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في 21 أكتوبر الجاري، تسليط الضوء على شبكة العلاقات التي تربط الدولة بأعضاء مجلس الأمن، الذين يتولون التوصية بالمرشح قبل أن تتخذ الجمعية العامة قرار تعيينه خلفاً لأنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في ديسمبر المقبل.

Advertisements

وجاء الإعلان عقب ست جولات من التصويت الاستطلاعي غير الرسمي، لم يتمكن خلالها أي من المرشحين من الحصول على تأييد الدول الخمس دائمة العضوية مجتمعة.

وفيما تشهد المنافسة مشاورات متواصلة، تكشف علاقات الإمارات بأعضاء المجلس عن امتداد دبلوماسي يتوزع بين شراكات استراتيجية مع القوى الكبرى، وتعاون اقتصادي وتكنولوجي وتنموي مع الأعضاء المنتخبين، فضلاً عن قنوات اتصال في ملفات الأمن والتسوية السياسية. وتحمل معالي لانا نسيبة خبرة مباشرة في عمل المجلس، إذ شغلت منصب مندوبة الإمارات الدائمة لدى الأمم المتحدة من 2013 إلى 2024، وواكبت عضوية الدولة في مجلس الأمن خلال 2022 و2023، وشاركت قبل ذلك في مناقشات إصلاح آليات اختيار الأمين العام.

شراكات تتجاوز المصالح الاقتصادية

في مقدمة هذه الشبكة، تبرز العلاقات مع الصين، التي تطورت إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2018، تشمل الطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا. واكتسب التعاون زخماً جديداً خلال زيارة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى بكين في أبريل الماضي، ولقائه الرئيس شي جين بينغ ورئيس مجلس الدولة لي تشيانغ. وشهدت الفعاليات الاقتصادية توقيع 24 مذكرة تفاهم، في وقت يتواصل فيه التنسيق السياسي حول القضايا الدولية.

وشاركت معالي لانا نسيبة ضمن الوفد الإماراتي في الزيارة. ويواكب هذا التطور الاقتصادي حوار سياسي بين الجانبين بشأن الأمن الإقليمي والعمل متعدد الأطراف، ضمن الشراكة التي تجمع أبوظبي وبكين.

ومع الولايات المتحدة، هنالك مسار تاريخي للعلاقات الثنائية بين البلدين، التي انطلقت منذ أكثر من نصف قرن، فهي علاقة استراتيجية، حافظت على عمقها وثباتها منذ البدايات، إذ تعد الإمارات من أبرز الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة والعالم.

ويلتزم البلدان بالتعاون والسعي المستمر لتعزيز الأمن الإقليمي، وتحقيق الازدهار الاقتصادي، ومواجهة التحديات في مختلف أرجاء العالم وتستند العلاقات الاستراتيجية بين البلدين إلى شراكة أمنية ودفاعية واسعة امتدت إلى الاستثمار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. وأعلن البلدان في 2025 إطاراً للتعاون في إنشاء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، ضمن مجمع مخطط بقدرة خمسة غيغاواط.

أما روسيا الاتحادية، فتجمعها بالإمارات شراكة استراتيجية منذ 2018، تشمل التجارة والاستثمار والطاقة، مع حضور متزايد للدبلوماسية الإنسانية. أسهمت 27 وساطة إماراتية حتى أغسطس 2026 في تبادل 8537 أسيراً بين روسيا وأوكرانيا، كما استضافت أبوظبي جولتين من المحادثات الثلاثية بين موسكو وكييف وواشنطن خلال يناير وفبراير الماضيين. وفي سبتمبر، ناقشت معالي لانا نسيبة مع نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو مستجدات الأوضاع الدولية وأهمية الحوار والتعاون في الأمم المتحدة.

وفي أوروبا، تحتل فرنسا موقعاً بارزاً في الشراكات الإماراتية، ولا سيما في الدفاع والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة. وشهدت زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أبوظبي يومي 19 و20 أكتوبر الجاري تبادل إطار للشراكة الدفاعية الاستراتيجية واتفاق لترتيبات التعاون في الصناعات الدفاعية. وجاء ذلك امتداداً للحوار الاستراتيجي المشترك الذي عقد دورته الثامنة عشرة في مايو، بمشاركة معالي لانا نسيبة، بما يعكس انتظام قنوات التنسيق السياسي والأمني بين البلدين. وشملت المباحثات الرئاسية أيضاً سبل تعزيز التعاون في الطاقة والذكاء الاصطناعي، وقضايا الأمن البحري وإمدادات الطاقة.

وتجمع الإمارات بالمملكة المتحدة علاقات تاريخية تشمل الدفاع والتجارة والطاقة والاستثمار، تعززت بشراكة استثمارية سيادية أُطلقت عام 2021. وبلغت الالتزامات الاستثمارية في إطار هذه الشراكة نحو 30 مليار جنيه إسترليني بحلول أبريل 2026، مقابل هدف أولي بلغ 10 مليارات. وامتد التعاون إلى الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة والطاقة النظيفة، بالتوازي مع المشاورات السياسية بشأن أزمات المنطقة وأمن الملاحة. وفي أبريل الماضي، اتفق وزيرا الخارجية على إطار موسع للتعاون في السياسة الخارجية والدفاع والاستثمار والتعاون القضائي.

أوروبا وآسيا.. الاقتصاد يواكب التشاور السياسي

خارج مجموعة الدول الخمس، تجمع الإمارات باليونان شراكة استراتيجية شاملة تشمل الاستثمار والطاقة والدفاع والأمن البحري. وفي يونيو الماضي، وقع البلدان خطاب نوايا لتعزيز التعاون الدفاعي، قبل أن تترأس معالي لانا نسيبة في يوليو الماضي جولة مشاورات سياسية بأثينا، شملت قضايا الشرق الأوسط والتعاون داخل الأمم المتحدة، إلى جانب دعم اليونان لمفاوضات الشراكة الاقتصادية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي.

أما الدنمارك، فتتقدم العلاقات معها في مجالات الطاقة المتجددة والاستدامة والأمن الغذائي والتكنولوجيا. وفي مارس 2025، أجرى سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، مباحثات في كوبنهاغن مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، شهدت توقيع مذكرة تعاون في النظم الزراعية والغذائية المستدامة، إلى جانب مناقشة قضايا السلام والأمن الدوليين خلال عضوية الدنمارك بمجلس الأمن. كما تناولت اللقاءات مجالات الصحة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، بما يضيف أبعاداً اقتصادية جديدة إلى الحوار السياسي.

وفي لاتفيا، التي احتفلت مع الإمارات في 2025 بمرور ثلاثين عاماً على العلاقات الدبلوماسية، توسع التعاون إلى التجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والصحة. وشهد العام الماضي انعقاد اللجنة الاقتصادية المشتركة، فيما زارت رئيسة الوزراء إيفيكا سيلينا الإمارات في فبراير 2026، وبحثت مع قيادتها تطوير الشراكات الاقتصادية والابتكار والرعاية الصحية.

أما باكستان، فتربطها بالإمارات علاقات تاريخية وثيقة، تعززها الروابط الاجتماعية والاستثمارات في قطاعات المصارف والطاقة والاتصالات والموانئ. وفي يناير الماضي، بحث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مع الرئيس آصف علي زرداري تطوير التجارة والاستثمار ومفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، إلى جانب التعاون في الأمم المتحدة، في ظل عضوية إسلام آباد بمجلس الأمن.

الخليج وأفريقيا.. شراكات تنموية

في الخليج، تقوم العلاقات مع البحرين على روابط أخوية وتنسيق سياسي وأمني واقتصادي ضمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وتجاوزت التجارة غير النفطية بين البلدين 9.3 مليارات دولار في 2024. وخلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة في ديسمبر 2025، أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان دعم الإمارات للبحرين خلال عضويتها بمجلس الأمن لعامي 2026 و2027، وتعزيز التنسيق في المحافل الدولية.

وفي أفريقيا، شهدت العلاقات مع جمهورية الكونغو الديمقراطية محطة اقتصادية مهمة في فبراير 2026، بتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. وتشمل فرص التعاون التعدين والزراعة والطاقة والبنية التحتية، مع استمرار المشاورات السياسية والاقتصادية في ضوء التحديات التنموية والأمنية التي تشهدها منطقة البحيرات العظمى. وتفتح الاتفاقية مجالات أمام القطاع الخاص، فيما تستمر الاتصالات الحكومية حول فرص التنمية والاستثمار.

وتتجه العلاقات مع ليبيريا نحو التعاون في الطاقة المتجددة والصحة والتعليم والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية. وفي نوفمبر 2025، استقبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الرئيس الليبيري جوزيف بواكاي، وبحثا تعزيز الشراكات التنموية والقضايا الإقليمية والدولية، في امتداد للاتصالات السياسية بين البلدين. وشملت المباحثات فرص تطوير البنية التحتية، بما يعكس اهتمام الجانبين بالشراكات الاقتصادية ذات الأثر التنموي.

أمريكا اللاتينية.. انفتاح اقتصادي

وامتدت شراكات الإمارات إلى كولومبيا، التي وقعت معها اتفاقية للشراكة الاقتصادية الشاملة في أبريل 2024، بهدف تعزيز التجارة والاستثمار في الزراعة والطاقة المتجددة والبنية التحتية. وفي سبتمبر 2026، بحث سمو الشيخ عبدالله بن زايد في نيويورك مع نائب الرئيس الكولومبي سبل تطوير العلاقات والقضايا الدولية، بما يعزز التواصل السياسي إلى جانب المصالح الاقتصادية.

أما بنما، فيبرز التعاون معها في التجارة والاستثمار والنقل والخدمات اللوجستية. وفي فبراير الماضي، وقع سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، ووزير الخارجية البنمي خافيير مارتينيز أتشا مذكرة للمشاورات السياسية، تلتها في سبتمبر مذكرة للتعاون الأكاديمي بين وزارتي الخارجية، بما يوسع قنوات التنسيق والتبادل الدبلوماسي بين البلدين.

وتقدم هذه العلاقات صورة عن تنوع الشراكات الإماراتية مع الأعضاء الخمسة عشر، لكنها لا تشكل خريطة لتأييد أي مرشح. فاختيار الأمين العام يتطلب توصية من مجلس الأمن بتأييد تسعة أعضاء على الأقل، من دون اعتراض باستخدام حق النقض من إحدى الدول الدائمة العضوية، قبل أن تتولى الجمعية العامة التعيين. وبين امتداد العلاقات الثنائية وحسابات الاختيار الأممي، تبقى مواقف الدول رهن المشاورات والإجراءات الرسمية داخل المجلس.

أخبار متعلقة :