كتب ناصر المحيسن - الكويت في الأحد 18 أكتوبر 2026 10:10 مساءً - يكفي أن تتصفح وسائل التواصل لبضع دقائق حتى يصادفك إعلان عن الديتوكس: عصير أخضر لسبعة أيام، أو خلطة أعشاب، أو جلسات لغسيل القولون تُقدَّم وكأنها صيانة دورية للجسم. والوعود تكاد تكون واحدة: وزن أقل، وبشرة أنقى، وبطن بلا انتفاخ، وجسم تخلّص أخيراً من «السموم».
أفهم جاذبية الفكرة، ففيها شيء مريح: أن كل التعب والثقل الذي نشعر به سببه أوساخ متراكمة، وأن بضعة أيام من التنظيف كفيلة بإعادتنا إلى نقطة البداية، لكن الجسم لا يعمل بهذه الطريقة.
نحن نحمل في داخلنا نظام تنظيف يعمل منذ ولادتنا دون توقف. الكبد يستقبل كثيراً من المواد ويعيد تشكيلها حتى يسهل التخلص منها، والكليتان تصفّيان الدم في كل لحظة، والأمعاء تُخرج ما تبقى. لا يحتاج هذا النظام إلى عصير يساعده، ولا إلى خلطة تذكّره بعمله.
والقولون، الذي تدور حوله أغلب هذه الوعود، ليس أنبوباً تلتصق الفضلات على جدرانه وتنتظر من يكشطها، فهو عضو يمتص الماء والأملاح، ويشكّل البراز ويدفعه في وقته. أقضي جزءاً كبيراً من يومي أنظر إلى بطانة القولون من خلال المنظار، وما أراه عند الأصحاء بطانة نظيفة لامعة لا تنتظر من أحد أن يغسلها.
ومع ذلك، لا أشكك في أن كثيرين يشعرون فعلاً بالخفة بعد الديتوكس. الشعور حقيقي، لكن تفسيره أبسط مما يُقال. حين نأكل أقل، ونبتعد عن الدسم والمصنّع، ونشرب ماءً أكثر، أو نتناول خلطة فيها ملين (وكثير منها كذلك)، تفرغ الأمعاء ويخف البطن. أما الكيلوات التي تختفي في الأيام الأولى فمعظمها ماء وما كان في الأمعاء، ولهذا تعود سريعاً. الدهون لا تذوب في ثلاثة أيام، وكثرة الذهاب إلى الحمام لا تعني أن سموماً غادرت.
صحيح أننا نحن الأطباء نطلب من المرضى أحياناً تنظيف القولون، لكن لسبب مختلف تماماً. قبل المنظار نحتاج إلى أن تكون البطانة واضحة حتى لا تختبئ عنا لحمية صغيرة أو التهاب أو ورم خلف بقايا البراز. هو تحضير لفحص، وليس علاجاً في حد ذاته.
أما أن يتحول التنظيف إلى عادة، بالملينات القوية أو الحقن أو جلسات الغسيل أو المستحضرات العشبية، فلم يثبت أنه يفيد الشخص السليم بشيء. بل قد يجرّ عليه إسهالاً وجفافاً واضطراباً في الأملاح، ومع جلسات الغسيل وُصفت حالات نادرة من الالتهاب وثقب الأمعاء. ومن المفارقة أن بعض الخلطات العشبية قد تؤذي الكبد، العضو نفسه الذي تَعِد بتنظيفه.
وكثير ممن يبحثون عن «تنظيف» يعانون في الحقيقة من الإمساك، وهذا يستحق وقفة. فالإمساك مشكلة حقيقية، وعلاجه لا يكون بتنظيف قوي كل بضعة أسابيع، بل بفهم سببه أولاً. وفي أغلب الأحيان تكفي ألياف كافية وماء وحركة، ومعها ملين آمن عند الحاجة. لكن إذا كان الإمساك جديداً أو شديداً، أو رافقه دم أو نقص في الوزن بلا سبب أو فقر دم أو تغيّر مستمر في عادات التبرز، فهنا لا نريد أن نُسكت العَرَض بالتنظيف، بل أن نعرف ما وراءه.
ولا أقصد بكل هذا أن كل ما يحمل اسم الديتوكس سيئ. إن كان يعني لك أن تخفف الوجبات السريعة والسكريات، وتأكل أكلاً متوازناً، وتشرب ماءً يكفيك، وتنام جيداً وتتحرك أكثر، فهذا من أفضل ما يمكن أن تقدّمه لنفسك، وأتمنى أن تستمر عليه. فقط تذكّر أن الفائدة جاءت من هذه العادات، لا من العصير الأخضر ولا من الخلطة. فكلمة «ديتوكس» اليوم تعيش في الإعلانات أكثر مما تعيش في كتب الطب.
في النهاية، جسمك لا يحتاج إلى خطة إنقاذ لعدة أيام كل فترة، بل يحتاج إلى شيء أبسط، وأصعب في الوقت نفسه: أكلاً معقولاً، وأليافاً وماءً، وحركة، ونوماً، وابتعاداً عن التدخين، ومراجعة الطبيب حين تظهر أعراض لا تزول.
فالجسم في أغلب الأحيان لا يحتاج منا إلى أن ننظفه... بقدر ما يحتاج منا ألا نرهقه.
