كتب ناصر المحيسن - الكويت في السبت 23 مايو 2026 10:10 مساءً - أكد السفير الفرنسي لدى البلاد أوليفيه غوفان، أن العلاقات الكويتية – الفرنسية تشهد مرحلة غير مسبوقة من التنسيق السياسي والإستراتيجي، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة والتحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، مشدداً على أن فرنسا «ستبقى دائماً إلى جانب الكويت كما كانت خلال حرب التحرير»، ومؤكداً أن الكويت «يمكنها دائماً الاعتماد على فرنسا».
وقال غوفان، في حوار مع «الراي»، إن زيارة وزير الخارجية الشيخ جراح الجابر الأحمد الصباح، إلى باريس، في 15 مايو الجاري، عكست مستوى عالياً من التشاور بين البلدين، خصوصاً في ما يتعلق بالأزمة الإقليمية الراهنة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والتعاون الدفاعي، إضافة إلى الملفات الاقتصادية والاستثمارية والتعليمية التي اكتسبت زخماً كبيراً بعد زيارة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، التاريخية إلى فرنسا في يوليو 2025.
وأوضح أن الشيخ جراح سلّم خلال الزيارة رسالة من صاحب السمو، إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في امتداد مباشر للزيارة التي قام بها سموه إلى باريس العام الماضي، والتي شارك خلالها في احتفالات العيد الوطني الفرنسي «يوم الباستيل».
وأشار إلى أن الاتصالات بين قيادتي البلدين تكثفت بصورة ملحوظة منذ اندلاع الأزمة الإقليمية، إذ جرى اتصالان هاتفيان بين سمو الأمير والرئيس ماكرون، إلى جانب اتصالات متكررة بين وزيري الخارجية والدفاع في البلدين، بما يعكس «عمق التضامن الإستراتيجي» بين الكويت وفرنسا.
وأضاف أن فرنسا عبّرت منذ الأيام الأولى للأزمة عن تضامنها الكامل مع الكويت عقب الهجمات التي استهدفتها، مؤكداً أن باريس جدّدت دعمها الثابت لسيادة الكويت ووحدة أراضيها وأمنها، كما كثفت في الوقت ذاته تعاونها الدفاعي مع القوات الكويتية.
مهمة دفاعية
وكشف غوفان، عن أن المباحثات الكويتية – الفرنسية تناولت بصورة موسعة الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية من دون قيود، مشيراً إلى أن فرنسا تعمل حالياً بالتعاون مع المملكة المتحدة وشركائها الإقليميين، وبينهم الكويت، على استكمال التخطيط لمهمة بحرية دفاعية متعددة الجنسيات تهدف إلى حماية السفن التجارية وضمان حرية الملاحة فور توافر الظروف المناسبة.
وأكد أن هذه المبادرة ذات طابع دفاعي بحت وتتوافق بشكل كامل مع القانون الدولي، موضحاً أن الهدف منها حماية التجارة العالمية ومنع تعريض إمدادات الطاقة الدولية للخطر.
وقال إن فرنسا تعتبر حرية الملاحة في المضائق الدولية مبدأ أساسياً من مبادئ القانون الدولي، وإن أي إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز «غير مقبول»، نظراً لما يمثله من تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
وأشار إلى أن أكثر من 50 دولة أبدت اهتمامها ودعمها للمبادرة الفرنسية – البريطانية، فيما تستضيف باريس ولندن اجتماعات تنسيقية دورية مع الدول المعنية، بما فيها الكويت، للتحضير لهذه المهمة البحرية الدفاعية.
موقف ثابت
وشدد غوفان على أن فرنسا حافظت منذ بداية الأزمة على موقف دبلوماسي واضح وثابت، تمثل في إدانة الهجمات الإيرانية والدعوة إلى خفض التصعيد ومنع استهداف المنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية، مؤكداً أن الرئيس ماكرون، دعا بشكل مباشر إلى وقف الضربات ضد المواقع المدنية، خصوصاً خلال ذروة الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية في المنطقة.
وأضاف أن باريس تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران، بهدف الدفع نحو الحوار ومنع توسع دائرة المواجهة، مشيراً إلى أن فرنسا ترى أن الحل الدبلوماسي وحده قادر على معالجة جذور الأزمة، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني والأنشطة البالستية والشبكات الإقليمية التابعة لطهران.
تعاون دفاعي متقدم
وفي ما يتعلق بالتعاون العسكري، أكد السفير الفرنسي أن العلاقات الدفاعية بين البلدين تستند إلى شراكة إستراتيجية طويلة الأمد واتفاقية الدفاع الموقعة عام 1992، والتي تعد أقدم اتفاقية دفاع أبرمتها فرنسا مع دولة خليجية.
وأشار إلى أن القوات الفرنسية والكويتية طورتا على مدى السنوات الماضية مستوى عالياً من الثقة والقدرة على العمل المشترك، مستذكراً مشاركة أكثر من 12 ألف جندي فرنسي في عملية «داغيه» لتحرير الكويت قبل 35 عاماً.
وأوضح أن التعاون العسكري يشمل برامج تدريب واسعة للضباط الكويتيين في المؤسسات العسكرية الفرنسية، مثل الأكاديمية البحرية في بريست والأكاديمية العسكرية في سان سير، إلى جانب المناورات المشتركة والتدريبات البحرية وعمليات إزالة الألغام.
وكشف عن أن عام 2027 سيشهد تنظيم تمرين عسكري واسع النطاق تحت اسم «لؤلؤة الغرب»، إضافة إلى تدريبات أخرى مثل «سويفت فالكون» و«أرابيان بريز»، بهدف تعزيز الجاهزية العملياتية وتطوير القدرة المشتركة على مواجهة الأزمات.
كما أشار إلى أن فرنسا تواصل دعم الكويت عبر تقنيات دفاعية متطورة طورتها شركات فرنسية كبرى، مؤكداً أن الشركات الفرنسية العاملة في قطاع الدفاع لعبت دوراً مهماً خلال الأزمة من خلال ضمان صيانة المروحيات والعربات المدرعة الخفيفة وغيرها من المعدات العسكرية الكويتية.
دعم عملي للكويت
وفي معرض حديثه عن الدعم الفرنسي للكويت خلال الأزمة الحالية، قال غوفان، إن الكويت «يمكنها دائماً الاعتماد على فرنسا»، مؤكداً أن باريس تحركت بسرعة منذ الأيام الأولى للنزاع.
وأضاف أن فرنسا فضلت عدم الكشف عن التفاصيل لأسباب تتعلق بالأمن العملياتي، إلا أنه شدد على أن التحرك الفرنسي كان «سريعاً وفاعلاً وملموساً» في إطار تضامن كامل مع الكويت.
تعاون في قطاعات إستراتيجية
قال السفير الفرنسي إن زيارة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، إلى باريس العام الماضي، فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الكويتي ـ الفرنسي، في قطاعات إستراتيجية متعددة، تشمل الطاقة، والتحول الطاقي، والبنية التحتية، والنقل، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية، وسلاسل الإمداد.
وأشار إلى أن فرنسا تعمل على دعم أهداف «رؤية الكويت 2035» عبر تشجيع الاستثمارات المشتركة وتطوير مشاريع نوعية في مجالات المدن المستدامة والطيران والمطارات والخدمات اللوجستية.
وفي المجال الصحي، لفت إلى وجود شراكات متقدمة بين وزارة الصحة الكويتية وعدد من أبرز المؤسسات الطبية الفرنسية، مثل Institut Curie وGustave Roussy وHôpital Foch، وذلك في مجالات التدريب الطبي وإدارة المستشفيات والبحث العلمي ورعاية المرضى.
أما في قطاع التعليم، فأكد غوفان، أن باريس والكويت تعملان على تسهيل اعتماد الجامعات الفرنسية وزيادة عدد المنح الدراسية للطلبة الكويتيين، مشيراً إلى الاهتمام المتزايد بالمؤسسات الفرنسية المرموقة مثل HEC Paris وINSEAD وSciences Po وUniversité Paris-Saclay، خصوصاً في تخصصات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والهندسة.
أمن الكويت جزء من الاستقرار الإستراتيجي لأوروبا
اعتبر غوفان أن أمن دول الخليج، بما فيها الكويت، يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الإستراتيجي لأوروبا والاقتصاد العالمي، نظراً لأهمية المنطقة في أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة البحرية.
وأشار إلى أن فرنسا ستطرح هذه التحديات ضمن أولويات رئاستها المقبلة لمجموعة السبع، خلال القمة المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية في يونيو 2026، والتي ستناقش تدهور البيئة الأمنية العالمية والاضطرابات الاقتصادية والتحديات المرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد.
وجدد التأكيد على أن فرنسا تنظر إلى الكويت باعتبارها «شريكاً إستراتيجياً موثوقاً»، وأن البلدين يعملان على بناء شراكة طويلة الأمد قائمة على الثقة والاستقرار والتنمية المستدامة والابتكار.
أبواب فرنسا مفتوحة للسياح الكويتيين
أكد السفير غوفان أن بلاده ترحب بالسياح الكويتيين هذا العام، موجهاً رسالة مباشرة قال فيها: «أهلاً بكم في فرنسا... تعالوا إلى فرنسا»، مشيراً إلى أن قسم التأشيرات في السفارة، إلى جانب شريك الخدمات «كاباغو»، يواصلان استقبال ومعالجة طلبات التأشيرات بوتيرة يومية مكثفة استعداداً لموسم الصيف.
وأوضح غوفان، أن القسم القنصلي الفرنسي يعالج يومياً نحو 100 طلب تأشيرة، داعياً المواطنين والمقيمين الراغبين بالسفر إلى البدء مبكراً في التخطيط لعطلاتهم الصيفية.
وأشار إلى أن فرنسا لاتزال الوجهة السياحية الأولى عالمياً، بعدما استقبلت أكثر من 100 مليون سائح خلال العام الماضي، لافتاً إلى أن هذا الرقم يواصل الارتفاع، في ظل الإقبال الكبير على الوجهات الفرنسية المتنوعة.
وأضاف أن فرنسا تُقدّر بشكل خاص السياح الكويتيين، موضحاً أن الكثير منهم يفضلون زيارة جنوب فرنسا وباريس، إلى جانب كورشوفيل في جبال الألب الفرنسية، فضلاً عن مناطق فرنسية أخرى تتميز بتنوعها الطبيعي والثقافي.
وشدد على أن تنوع المقاصد السياحية في فرنسا يمنح الزوار خيارات متعددة تناسب مختلف الأذواق، مشجعاً الكويتيين على اكتشاف «جمال فرنسا وتنوعها» خلال الموسم السياحي المقبل.
أخبار متعلقة :