العلاج أبعدهم عن مقاعدها... فجاءت المدرسة إليهم

كتب ناصر المحيسن - الكويت في الخميس 5 نوفمبر 2026 10:10 مساءً - خلف أبواب المستشفيات، حيث يخوض أطفال صغار معارك يومية مع المرض وتتعاقب جلسات العلاج على أجساد أنهكها الألم، تولد حكايات استثنائية من العطاء الإنساني يكتب فصولها معلمون آمنوا بأن رسالة التعليم لا تتوقف عند أسوار المدارس، وأن الطفل الذي حالت ظروفه الصحية دون الوصول إلى مقعده الدراسي، يستحق أن يأتيه العلم إلى سريره حاملاً معه المعرفة والأمل والإيمان بأن المستقبل ينتظره.

Advertisements

وفي مشهد تتجلى فيه أسمى معاني الرحمة والمسؤولية المجتمعية، تمد جمعية «أبي أتعلم» التي نشأت بمبادرة إنسانية انطلقت من مستشفى بنك الكويت الوطني التخصصي للأطفال، جسوراً من المعرفة إلى الأطفال المصابين بالأمراض المزمنة والسرطان والمقيمين داخل المستشفيات لفترات طويلة، عبر فصول تعليمية تعيد إليهم جزءاً من حياتهم الطبيعية وتمنحهم فرصة مواصلة تحصيلهم الدراسي، رغم قسوة العلاج لتتحول الغرف التي اعتادت أصوات الأجهزة الطبية، إلى مساحات تنبض بالحروف والأرقام وأحلام الطفولة التي لا يقوى المرض على إطفائها.

متطوعون

وتتكامل في هذه المبادرة الإنسانية جهود جمعية «أبي أتعلم» مع الدعم الذي تقدمه وزارة الصحة، والتنسيق مع معلمين ومعلمات متطوعين من وزارة التربية يسخرون خبراتهم التربوية وأوقاتهم، دون مقابل لتوفير التعليم للأطفال المرضى داخل المستشفيات في صورة مشرقة من العطاء الكويتي الذي لا يكتفي بمداواة الأجساد بل يمتد إلى رعاية العقول وحماية أحلام الأطفال ومستقبلهم العلمي بما يضمن استمرار تحصيلهم الدراسي رغم ظروفهم الصحية والعلاجية.

وفي هذا الصدد أكد رئيس مجلس إدارة جمعية «أبي أتعلم» الدكتور علي الأنصاري، لـ«كونا» أن الجمعية تنطلق من إيمان راسخ بأن التعليم حق أصيل لكل طفل لا يجوز أن يحرمه المرض منه وأن رسالتها التي يجسدها شعار «أتعلم رغم مرضي» تقوم على ضمان استمرارية التحصيل العلمي للأطفال الذين تستدعي حالاتهم الصحية الإقامة لفترات طويلة داخل المستشفيات أو تمنعهم ظروفهم العلاجية من الانتظام في مدارسهم.

وقال الأنصاري إن الجمعية تعمل على توفير بيئة تعليمية آمنة ومرنة تراعي الظروف الصحية والنفسية للطلبة من خلال تدريس المناهج المعتمدة في مدارسهم سواء داخل الفصول المخصصة بالمستشفيات أو في غرف التنويم أو عبر التعليم الإلكتروني بما يضمن عدم انقطاعهم عن الدراسة ويساعدهم على العودة إلى مقاعدهم الدراسية والاندماج مع أقرانهم بعد انتهاء مراحل العلاج.

وأكد الأنصاري أن المرحلة المقبلة تتضمن التوسع في إنشاء الفصول التعليمية وتطوير منصة رقمية متخصصة وإطلاق مشروع (معلم لكل طفل مريض) الذي يستهدف خدمة ما بين 80 و120 طالباً سنوياً وتدريب 25 معلماً ومعلمة إلى جانب التحضير لعقد المؤتمر الوطني الثاني لتمكين الطلبة المرضى في مارس 2027.

فكرة المبادرة

من جهتها، أكدت استشارية طب الأطفال في مستشفى بنك الكويت الوطني التخصصي للأطفال وصاحبة مبادرة إنشاء الفصول التعليمية الدكتورة مها بورسلي، في تصريح مماثل لـ«كونا» أن فكرة المبادرة ولدت من واقع المعاناة اليومية للأطفال الذين يمضون أسابيع وشهورا وربما سنوات بين أجنحة المستشفيات لتلقي العلاج، بعدما لاحظت أن الجهود الطبية والإنسانية كانت تركز على إنقاذ حياتهم وتخفيف آلامهم دون الالتفات بصورة كافية إلى الجانب التعليمي الذي يمثل جزءاً أساسياً من عالم الطفل وشخصيته.

وقالت بورسلي إن الشرارة الحقيقية للمبادرة جاءت من تساؤلات أحد الأطفال المرضى الذي كان يبلغ من العمر نحو 10 سنوات حين طالب بحقه في الذهاب إلى المدرسة والتعلم، موضحة أن ذلك السؤال كشف عن فراغ كبير في حياة الأطفال المرضى رغم توافر الأنشطة الترفيهية والهدايا والزيارات الإنسانية ودفعها إلى التفكير في إنشاء فصل دراسي يعيد إليهم ما فقدوه من حياتهم الطبيعية.

وأضافت أن الفكرة بدأت تتبلور خلال عامي 2015 و2016 عبر التواصل مع عدد من الأطباء والتربويين وأولياء الأمور والجهات الخيرية الذين آمنوا بأهميتها وأسهموا في تحويلها إلى مشروع واقعي، مشيرة إلى أن صندوق إعانة المرضى قدم دعماً مهماً في المراحل التأسيسية فيما أسهمت جمعية النجاة الخيرية في توفير معلمين للمبادرة واستمرار العملية التعليمية بما يعكس تكامل جهود العمل الخيري والتربوي لخدمة الأطفال المرضى.

وثمنت بورسلي الدور الذي اضطلعت به الجهات الخيرية والمبادرات التطوعية في دعم المشروع منذ انطلاقته.

5 فصول في 3 مستشفيات

ذكر علي الأنصاري أن الجمعية تقدم خدماتها التعليمية من الصف الأول الابتدائي حتى الصف الثاني عشر عبر 5 فصول تعليمية تشمل مستشفيات بنك الكويت الوطني التخصصي للأطفال والرازي والعدان الذي افتتح فصله في فبراير 2026 إلى جانب فصل (سنيار) بمقر الجمعية في ميدان حولي للطلبة المتعافين وفصل (إشراقة تعليمية) المخصص للتعليم عن بعد للطلبة الذين يتلقون العلاج خارج الكويت.

51 طالباً للعام الدراسي الحالي

أوضح الأنصاري أن عدد المستفيدين من خدمات الجمعية خلال العام الدراسي 2025-2026 بلغ 54 طالباً وطالبة فيما سجل 51 طالباً حتى الآن للعام 2026-2027 ،مشيراً إلى أن العملية التعليمية تبدأ بالتنسيق مع الأطقم الطبية والتعرف على الحالات المستحقة ثم التواصل مع أولياء الأمور وإعداد برامج دراسية فردية تتناسب مع مناهج الطلبة وظروفهم العلاجية وقدرتهم على التعلم.

143 معلماً ومعلمة

أشار الأنصاري إلى أن أحد أبرز عناصر نجاح المبادرة يتمثل في روح التطوع التي يحملها المعلمون والمعلمات إذ ارتفع عدد الكوادر التعليمية المتطوعة من 60 معلماً ومعلمة خلال العام الدراسي 2021-2022 إلى 143 معلماً ومعلمة خلال العام الدراسي 2026-2027 وهو ما يعكس تنامي الوعي المجتمعي بأهمية هذه الرسالة الإنسانية واستعداد التربويين لتسخير خبراتهم وأوقاتهم لخدمة الأطفال المرضى دون مقابل.

أخبار متعلقة :