ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 2 يناير 2026 02:51 مساءً - يدخل نظام التجارة العالمي، الذي يوشك على إنهاء واحد من أكثر أعوامه تحولاً خلال 100 سنة ماضية، مرحلة جديدة وهو يواجه مزيداً من التحديات التي تهدد الاستقرار والنمو. فقد صمدت تجارة البضائع عالمياً نسبياً خلال 2025، حتى مع شروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تشييد جدار من الرسوم الجمركية حول أكبر اقتصاد في العالم. وتظهر بيانات أشار إليها الأسبوع الجاري خبير قطاع الشحن، جون ماكاون، أن أحجام الحاويات العالمية نمت 2.1% في أكتوبر الماضي مقارنة بنفس الفترة من العام السابق. لكن تحت هذا الصمود الظاهري، تبرز تيارات متغيرة إذ شهدت الولايات المتحدة الأمريكية انكماشاً 8 % في أحجام الشحنات الواردة، في حين سجلت الواردات إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والهند جميعها نمواً قوياً.
وكتب ماكاون في مذكرة بحثية: بدأت سلاسل الإمداد العالمية للحاويات بالفعل في التكيف وإعادة تشكيل أنماط التجارة. وأضاف أنه بعد أن سجلت الولايات المتحدة الأمريكية في 2024 زيادة 15.2% في حاويات الواردات على مدى العام بالكامل، فإن القول بأن إجمالي 2025 سيكون على النقيض التام هو بخس للواقع.
وبحسب ماكاون، كانت تهديدات ترامب التجارية من بين الأسباب الرئيسية لإعادة توجيه الشحنات. وكتب في منشور على منصة «لينكد إن» أنه إذا كان 2025 هو عام الرسوم الجمركية، فإن 2026 سيكون عام تبعاتها.
وقال خبراء آخرون خلال الأسابيع الأخيرة إنهم يتوقعون مزيداً من الاضطراب التجاري خلال العام المقبل، مع بروز 4 قضايا بوصفها الأكثر تداولاً في هذا السياق.
وتستعد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك لبدء مراجعة اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية التي دخلت حيز التنفيذ في 2020. ووفقاً لتصريحات أدلى بها الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير أمام مشرعين الشهر الجاري، فإن المفاوضات ستأخذ الدول الثلاث إلى مسار جديد، نظراً لحداثة البند الذي يتيح تحديث الاتفاقية بعد 6 سنوات فقط.
وقال غرير إن الحكومة تلقت أكثر من 1500 رد خلال فترة التعليقات العامة التي سبقت المراجعة المرتقبة.
وأضاف: أعرب العديد من أصحاب المصلحة عن دعمهم لاتفاقية التجارة لأمريكا الشمالية، ودعا كثيرون صراحة إلى تمديدها. في الوقت نفسه، طالب أصحاب المصلحة جميعهم تقريباً بإجراء تحسين على الاتفاقية بقدر ما.
لكن أي تحسين لصالح أحد أعضاء التكتل التجاري الثلاثة ينطوي على خطر أن يكون على حساب عضو آخر، وهو ما يمهد الطريق لجولة مفاوضات شاقة لأكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الأمريكية، الذين تعاني قطاعاتهم بالفعل في ظل الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات. وتوترت العلاقات بالفعل بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بعدما أنهى ترامب محادثات تجارية مع الجارة الشمالية في أكتوبر الماضي، رداً على إعلانات مناهضة للرسوم الجمركية تضمنت ظهور الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان.
وبالنسبة لسفن الحاويات وغيرها من ركائز التجارة العالمية، قد يجلب العام المقبل أزمتين تبدوان في الظاهر تطورات إيجابية، لكنهما قد تؤديان فعلياً إلى تعقيد سلاسل الإمداد العالمية على نحو يشبه ما حدث خلال وباء «كوفيد19»، وفقاً لخبراء من بينهم لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات «فيسبوتشي ماريتايم».
التغيير الأول يتمثل في عودة أسطول الشحن العالمي إلى استخدام طريق البحر الأحمر، بدلاً من الطريق الأطول الذي يدور حول جنوب أفريقيا الذي اضطرت السفن إلى سلوكه خلال العامين الماضيين. وقد تراجعت هجمات الحوثيين خلال أزمة البحر الأحمر إلى حد كبير منذ دخول خطة السلام في غزة حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، ما جعل المسار القديم أكثر جاذبية. وترسل بالفعل شركات شحن، من بينها «سي إم إيه سي جي إم» الفرنسية و«إيه بي مولر-ميرسك» الدنماركية، عدداً محدوداً من السفن عبر هذا الطريق.
لكن العودة الكاملة إلى البحر الأحمر واختصار الطريق مع المرور عبر قناة السويس بين آسيا وأوروبا ستؤدي إلى «إغراق السوق بطاقة استيعابية أكبر بكثير»، وستتسبب في مشكلات تكدس هائلة في الموانئ الأوروبية، بحسب ما قاله ينسن خلال ندوة عبر الإنترنت نظمتها شركة «فليكس بورت».
أما الأزمة الثانية، فقد تكون مدفوعة بالطلب، وفقاً لينسن. إذا تسارع نمو الاقتصاد الأمريكي في 2026 بالوتيرة نفسها التي يتوقعها مسؤولو إدارة ترامب - مدفوعاً بطفرة استثمارية وخفض أسعار الفائدة - فإن إعادة بناء المخزون الناتجة عن ذلك قد تفوق قدرة قطاع الشحن على الاستيعاب.
اتفاقيات
وتعد الاتفاقيات التجارية مع عدد من الاقتصادات الكبرى من أبرز ما تعتبره الإدارة الأمريكية إنجازات 2025، وهي اتفاقيات خضعت فيها تلك الدول لمطالب ترامب، التي تراوحت بين تعهدات استثمارية وتحسين النفاذ إلى أسواقها أمام الصادرات الأمريكية. في مقابل هذا القبول، فُرضت على بضائعها رسوم جمركية أقل من تلك التي كانت ستفرض لو اختارت الرد الانتقامي.
لكن هذه ليست اتفاقيات تجارية تقليدية وملزمة تتضمن آليات إنفاذ وبنوداً تفصيلية تحدد القواعد، كما أن هناك هدنة لمدة عام واحد فقط مع الصين بدلاً من اتفاق كامل، ما يترك العلاقة التجارية الأكثر اختلالاً للولايات المتحدة الأمريكية خارج إطار التسوية.
وأثار ذلك مخاوف من احتمال انهيار هذه التفاهمات، لا سيما في ظل إمكانية ممارسة بكين ضغوطاً على أي دولة تُظهر انفتاحاً على التعاون مع واشنطن على حساب المصالح الصينية.
وأظهرت تطورات الشهر الماضي حجم هذه المخاطر. منذ أن أعلن البيت الأبيض في يوليو عن «اتفاقية تجارية تاريخية»، بدأت إندونيسيا مقاومة المطالب التجارية الأمريكية التي خشيت أن تقيد استقلالها، قبل أن تتجه الآن نحو توقيع اتفاق في أواخر يناير المقبل. كما اشتكت الصين إلى ماليزيا وكمبوديا من الاتفاقيات التجارية التي وقعتها الدولتان مع واشنطن، محذرة إياهما من اتخاذ خطوات تقوّض مصالح بكين.
وحتى المملكة المتحدة شهدت بروز صعوبات جديدة. ففي الأسبوع الماضي، اختص غرير الاتحاد الأوروبي والهند بالذكر، قائلاً إن المحادثات التي تشهد جدلاً كبيراً الرامية إلى إبرام اتفاقيات تجارية معهما ستتواصل خلال العام الجديد. كما هدد مكتب غرير، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، بالرد على الاتحاد الأوروبي بسبب ما تعتبره واشنطن إجراءات تنظيمية مفرطة بحق شركات التكنولوجيا الأمريكية.
ومن بين أكبر الأمور المجهولة في أوساط التجارة مع دخول 2026، حكم مرتقب للمحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية ما يعرف برسوم ترامب المتبادلة، وهي الرسوم الواسعة التي فرضها على معظم الشركاء التجاريين الرئيسيين.
وإذا خسر ترامب القضية، فإن أحد أكثر الأسئلة تأثيراً على الاقتصاد والتوقعات المالية للبلاد سيكون ما إذا كانت الحكومة ستضطر إلى رد الأموال التي دفعها المستوردون الأمريكيون كرسوم جمركية. وليس من الواضح أن يحدث ذلك بطريقة سريعة أو منظمة.
بدائل متاحة
وقال كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، في برنامج «فيس ذا نيشن»، إنه حتى إذا لم يصدر الحكم لصالح الإدارة، فمن غير المرجح إلى حد كبير أن تدعو المحكمة إلى رد واسع النطاق للأموال، لأن ذلك سيشكل مشكلة إدارية في عملية التوزيع.
وتقدر أسواق المراهنات احتمال خسارة ترامب بنحو 75%، ما يعني أن الإدارة ستضطر إلى استخدام صلاحيات أخرى متاحة للرئيس الأميركي لفرض الرسوم الجمركية. وعندما سُئل غرير في وقت سابق من الشهر الحالي خلال فعالية للمجلس الأطلسي عما إذا كان عام 2026 سيكون أكثر هدوءاً على صعيد الرسوم الجمركية مقارنة بالعام الحالي، امتنع عن ذكر توقعه. قال: «هذا سؤال يُوجّه إلى الرئيس ترامب».
