ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 9 يناير 2026 10:06 صباحاً - في ظل تسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي وارتفاع الطلب العالمي على المعادن الاستراتيجية، عادت غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم وأقلها كثافة سكانية، إلى واجهة الاهتمام الجيوسياسي، مع تزايد التنافس الدولي على ثرواتها الطبيعية غير المستغلة، وفي مقدمتها العناصر الأرضية النادرة، والغرافيت، واحتياطيات محتملة من النفط والغاز.
وتشير تقديرات هيئات جيولوجية أمريكية ودنماركية إلى أن باطن غرينلاند يضم كميات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، وهي مواد حيوية لصناعة السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأنظمة التسليح المتقدمة، وفقا لـ ديلي جالكسي.
كما قد يحتوي شمال شرقي الجزيرة على ما يعادل نحو 31 مليار برميل من الهيدروكربونات، وهو رقم يقارب الاحتياطيات الأمريكية المؤكدة المسجلة حتى نهاية عام 2023.
هذا الواقع دفع الولايات المتحدة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لتأمين موطئ قدم في قطاع التعدين الغرينلاندي، في محاولة لتقليص اعتمادها على الصين التي تهيمن على سلاسل توريد ومعالجة العناصر الأرضية النادرة عالميا، غير أن هذه المساعي قوبلت برفض واضح من حكومة الحكم الذاتي في غرينلاند، التي شددت على أن موارد الجزيرة تخضع لسيادة محلية وأطر قانونية وبيئية صارمة.
وأكد مسؤولون غرينلانديون أن أي مشاريع استخراج يجب أن تلتزم بمعايير الاستدامة وحماية البيئة، إضافة إلى التشاور مع المجتمعات المحلية، رافضين ما وصفوه بمحاولات فرض شراكات تفضيلية أو ذات طابع سياسي، كما عبّر دبلوماسيون أوروبيون، عن قلقهم من النهج الأمريكي الأحادي في التعامل مع موارد القطب الشمالي.
وتتمتع غرينلاند بحق إدارة مواردها المعدنية منذ إقرار قانون الحكم الذاتي عام 2009، وهو إطار قانوني مكّنها من رفض مقترحات سابقة، أبرزها عرض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2019 شراء الجزيرة، وهو ما قوبل آنذاك برفض قاطع من كوبنهاغن.
جيولوجيا، تمتلك غرينلاند تاريخا فريدا نتج عنه تنوع كبير في المعادن، بما في ذلك الغرافيت، والزنك، والذهب، وتقدّر هيئة المسح الجيولوجي للدنمارك وغرينلاند وجود أكثر من 6 ملايين طن من الغرافيت، وهو عنصر أساسي في صناعة بطاريات الليثيوم، كما تسهم تقنيات حديثة مثل الرادار المخترق للأرض والاستشعار عبر الأقمار الصناعية في كشف مكامن معدنية كانت مخفية تحت الغطاء الجليدي الكثيف.
لكن تغير المناخ يفرض معادلة معقدة؛ فذوبان الجليد، الذي كشف مساحات جديدة للاستكشاف، يهدد في الوقت ذاته النظم البيئية ويرفع مستويات البحار، وبينما قد تسهم معادن غرينلاند في دعم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، يحذر خبراء من أن استغلالها السريع قد يأتي على حساب البيئة والاستقرار المحلي، ما يجعل مستقبل هذه الثروات مرهونا بتوازن دقيق بين الاقتصاد والسيادة والاستدامة.
