ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 13 فبراير 2026 04:06 مساءً - شهد عالم الأعمال في دبي فقدان رجل الأعمال الإماراتي المخضرم عبدالمجيد صديقي، الذي وافته المنية بعد أن نجح في صنع اسم خالد في عالم الساعات الفاخرة. لم يكن الفقيد، رحمه الله، مجرد تاجر ساعات، بل كان أحد صناع هوية قطاع الفخامة في الإمارات، وأحد الذين ربطوا اسم دبي بعالم الساعات السويسرية الراقية. كما أن قصة الفقيد ليست مجرد قصة رجل أعمال، بل هي قصة مرحلة من تاريخ الإمارات.. مرحلة الانتقال من البدايات المتواضعة إلى الفخامة والريادة العالمية. لذلك كان رحمه الله جزءاً من جيل الرواد الذين آمنوا بالمستقبل، وعملوا على تحقيقه، مما جعله لبنة مهمة في بناء اقتصاد دبي وأحد رواده.
كانت مسيرته رحمه الله قصة رؤية بعيدة المدى، وقصة جيل آمن بأن التجارة ليست مجرد بيع وشراء، بل بناء ثقة، وصناعة إرث، وخلق قيمة تستمر عبر الزمن. وتعود جذور قصة الراحل عبدالمجيد صديقي إلى خمسينيات القرن الماضي، حين أسس والده أحمد صديقي أول متجر صغير لبيع الساعات في دبي في عام 1950. في تلك الفترة، لم تكن دبي كما نعرفها اليوم؛ كانت مدينة ناشئة تعتمد على التجارة التقليدية، وكان قطاع التجزئة في بداياته الأولى.
وفي هذا المحيط، نشأ عبدالمجيد صديقي، متشبعاً بروح التجارة منذ طفولته. ولم تكن الساعات بالنسبة له مجرد منتجات يتم عرضها في واجهات المتاجر، بل كانت رمزاً للدقة والانضباط والقيمة. وقد تعلم رحمه الله في وقت مبكر أن التجارة الناجحة لا تقوم على الربح السريع، بل على بناء علاقة طويلة الأمد مع العملاء، وكأنه متمرس في عالم الإدارة منذ نعومة أظفاره.
وعُرف عنه رحمه الله أنه كان شخصية هادئة، بعيدة عن الأضواء، لكنه كان يتمتع بحضور قوي وتأثير كبير في عالم الأعمال. فلم يكن يسعى إلى الشهرة، بل كان يركز على العمل والإنجاز. وكان رحمه الله يؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى عمل مستمر. كما كان يحظى باحترام كبير من قبل شركائه وموظفيه، الذين رأوا فيه قائداً ومعلماً.
ومع مرور السنوات، انضم رحمه الله إلى العمل العائلي بشكل رسمي، وبدأ يشارك في إدارة وتطوير الشركة التي تأسست في خمسينيات القرن الماضي. ولم يكن هدفه مجرد الاستمرار في العمل القائم، بل كان يحمل رؤية أوسع: تحويل المشروع العائلي إلى مؤسسة تجارية رائدة. وفي ذلك الوقت، كانت تجارة الساعات تمر بتحولات عالمية مذهلة، وكانت العلامات السويسرية الفاخرة تبحث عن أسواق جديدة تنتشر فيها. وهنا أدرك عبدالمجيد صديقي رحمه الله مبكراً أن دبي تمتلك المقومات لتصبح مركزاً رئيسياً لهذه الصناعة، فعمل على بناء علاقات قوية مع كبرى الشركات العالمية.
كان رحمه الله يؤمن بأن النجاح لا يتحقق بالمصادفة، بل من خلال التخطيط والعمل المستمر. لذلك، ركز على تقديم منتجات أصلية وعالية الجودة، مع الالتزام بأعلى معايير الخدمة. وهنا شكل عبدالمجيد صديقي، إلى جانب أفراد عائلته، العمود الفقري لتطوير شركة «أحمد صديقي وأولاده»، التي أصبحت لاحقاً واحدة من أبرز شركات تجارة الساعات الفاخرة في منطقة الشرق الأوسط وما حولها. فلم يعد المشروع مجرد متجر واحد، بل تحول إلى شبكة متاجر منتشرة في أهم المواقع التجارية في دولة الإمارات، بما في ذلك دبي مول ومول الإمارات وغيرها من المراكز التجارية العالمية.
وقد أصبحت الشركة ممثلاً رسمياً لعشرات العلامات التجارية العالمية، مثل "رولكس"، و"باتيك فيليب"، و"أوديمار بيغيه"، و"فاشرون كونستانتين"، وغيرها من الأسماء التي تمثل قمة الفخامة في عالم صناعة الساعات الفاخرة.
كما كان عبدالمجيد صديقي رحمه الله من أوائل رجال الأعمال الذين أدركوا أن دبي ليست مجرد سوق محلية، بل يمكن أن تصبح مركزاً عالمياً للفخامة. لذلك، عمل على جذب العلامات العالمية إلى الإمارة، وساهم في ترسيخ مكانتها كوجهة رئيسية لعشاق الساعات الفاخرة.
واليوم، تعد الإمارات واحدة من أكبر أسواق الساعات السويسرية في العالم، وأصبحت دبي محطة رئيسية لهواة جمع الساعات والمستثمرين في هذا المجال.
هذا التحول لم يكن ليحدث دون جهود رواد مثل عبدالمجيد صديقي، الذين آمنوا بإمكانات دبي قبل أن تصبح مركزاً عالمياً.
وقد تميز رحمه الله بفلسفة عمل تقوم على مبادئ واضحة، أبرزها أن الثقة هي أساس النجاح التجاري. كما كان يؤمن بأن العميل لا يشتري المنتج فقط، بل يشتري التجربة، ويشتري الثقة معها. لذلك حرص على أن تكون شركته مثالاً في المصداقية والشفافية، وأن تقدم خدمات ما بعد البيع على أعلى مستوى من الكفاءه والاحترافية والموثوقية. كما كان يؤمن بأهمية العلاقات طويلة الأمد، سواء مع العملاء أو مع الشركاء التجاريين. هذه الفلسفة ساعدت الشركة على بناء سمعة قوية، جعلتها واحدة من أكثر الشركات احتراماً في القطاع.
ومن أبرز إنجازات عبدالمجيد صديقي رحمه الله مساهمته في تحويل الشركة إلى مؤسسة متعددة الأجيال، حيث حرص على نقل خبراته إلى أبنائه، الذين أصبحوا جزءاً من قيادة الشركة. وقد ساعد هذا الانتقال السلس بين الأجيال في ضمان استمرارية النجاح وأثبت أن الشركة ليست مجرد مشروع تجاري، بل إرث عائلي. لذلك يمكن القول الآن بأن اسم «صديقي» قد أصبح اليوم مرادفاً للتميز في عالم الساعات الفاخرة، ليس فقط في الإمارات، بل في المنطقة بأكملها.
